; أيام في سيلان و المالديف | مجلة المجتمع

العنوان أيام في سيلان و المالديف

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2007

مشاهدات 85

نشر في العدد 1761

نشر في الصفحة 44

السبت 21-يوليو-2007

 صليت الجمعة بالعاصمة السيلانية فأجبرني المصلون على لبس غطاء للرأس لأنهم يعتزون بالمذهب الحنفي.

 دولة المالديف عبارة عن جزر كثيرة متفاوتة المساحة متناثرة بالمحيط الهندي غرب سريلانكا.

 الدول الأوروبية تستأجر جزراً خاصة فيها يقصدها مواطنوها للاستجمام والراحة.

«سیلان»، جزيرة صغيرة تقع جنوب شبه القارة الهندية تماماً. وقد كانت تسمى قديماً سرنديب.. ثم صارت سيلان، ثم أصبحت سريلانكا، اليوم، وفيها أقلية مسلمة وعاصمتها كولومبو ..، وهي أهم مدنها، ومنها. كاندي، ونور اليا، التي تقع على رأس جبل يزرع فيه الشاي الذي تشتهر به سريلانكا، فيقال الشاي السيلاني..

ومزارع الشاي في كل مكان ذهبت إليه هي آية من آيات الله، وقد رأيتها في الفلبين، وماليزيا، وسيلان، وهي أشجار قصار مهذبة تهذيباً إلهياً، إذ لطولها غاية لا يتجاوزها ذلك الشعر، فتراها من بعيد فإذا هي بساط أخضر موضوع مفروش على الأرض مستو على وجه مدهش والناظر يخيل إليه أنه منقسم إلى مربعات متقنة بفعل فاعل، وما هو كذلك، إنما هي الفراغات التي بين الأشجار المزروعة على مسافات منضبطة، فسبحان الله العظيم.

غابة ملتفة الأغصان:

أما أرضها فتزدحم فيها الخضرة مع المباني والطرق، وإلا فالأصل أن بلادهم غابة ملتفة الأغصان، ولما اقتربت منها بالطائرة رأيت سواداً من عل، وليس بالأرض سواد، إنما هي الخضرة الداكنة التي تتليس المزروعات فتبدو للناظر من بعيد أنها سواد (١) ولذلك سمى العرب. العراق بلاد السواد، لأن القادم إليها من بعيد يرى نخلها المجتمع الكثير فيظنه سواداً، وفي كاندي ، وهي بلدة في طريقنا إلى مزارع الشاي مسجد صليت فيه تحف بي أهله لما علموا أني عربي وفرحوا بي وأكثر المسلمين هناك فقراء مثل عامة الشعب.

غطاء الرأس:

وصليت الجمعة في مسجد في كولومبو، ولم يكن هناك شيء على رأسي والقوم احناف ملتزمون بالمذهب الحنفي. فلما جلست للخطبة رمقوني بأبصارهم. وصاروا يشيرون إلى رأسي أن أغطيه. فلما لم يجدوا معي شيئاً رموا إلى بطاقية صغيرة من الخوص لا تغني، فلما رأوا هذا رمي إليَّ أحدهم بمنديل قد تغير لونه ورائحته وأمرني بوضعه على رأسي فوضعته واحتملت رائحته حتى أقطع على الألسنة، وأعض على الأبصار، ومضت الخطبة - التي لم أفهم إلا مقدمتها هذا وخاتمتها اللتين كانتا بالعربية - بسلام لله الحمد وهكذا القوم يتمسكون بأمور لا تعدو أن تكون في أحسن حالاتها من الآداب ويعرضون عن واجبات وأركان، لكن دارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم، وخاصة أن هذا الإرضاء، وتلك المداراة أسعدتهم، ولم : تعد علي في ديني بسوء، وهذا هو منهجي الذي خططته النفسي دوماً وهو الا أكثر من الجدال في أمر ليس بذي بال ولا ينبني عليه عمل و الله أعلم.

أفيال هندية:

 وفي كولومبو حديقة حيوانات ضخمة، وفيها أفيال هندية كبيرة. دربوها على التجاوب مع دقات الطبول فإذا دقت فإذا بذاك الفيل الضخم يقف على رجل واحدة، ويدور على نفسه على وجه لا تملك إلا أن تعجب منه، ويأتي مع مدربة بحركات مثقلة، وأوضاع صعبة، على طريقة درب عليها، فضبطها وأتقنها. فسبحان من الهم هذه الحيوانات العجماوات من الأعمال ما يفضل به نوعاً على نوع وجنساً على جنس، بل بما يفضل به المتماثلات في الخلقة.

جزر المالديف:

ثم سافرت من كولومبو إلى جزر المالديف، وهي جزر كثيرة متفاوتة في المساحة متناثرة في مياه المحيط الهندي غرب سريلانكا «سيلان»، فذهبت مع زوجي في الطائرة قدر ساعة وربع وحططنا في مطار المالديف، وهو جزيرة، ثم أخذونا بالقارب إلى العاصمة «ماليه»، وهي جزيرة أخرى صغيرة، وقد لفت انتباهي أنهم يغلقون المحال أثناء الصلوات، وهذا ما لم أره في بلد قط خارج المملكة العربية السعودية إلا في المالديف، وأنه ليس في العاصمة خمور وربما كان هذا لأن رئيسها أزهري، وهو مأمون عبد القيوم، وذهبت زوجتي لمدرسة فتيات قد جمعن السماع وعظها. فلما فرغت و خرجت من المدرسة نزعن الحجاب فتعجبت وسألتهن عن سبب صنيعهن، ثم جمعتهن مرة أخرى وألقت عليهن موعظة في الحجاب، وأهميته في الإسلام.

 مأزق كبير: ونحن في العاصمة، أردت أن أؤكد حجز العودة بعد يومين حتى أدرك موعد طائرتنا إلى المملكة، وكنت قد جئت في رحلة عمل فلا استطيع أن أتأخر، وإلا تأخرت الطائرة، كيف لا وأنا ربانها ؟! فقيل لي إن حجزك ليس موجوداً في الكشوف التي بين أيدينا . وكانت أوراقاً . ولا نستطيع أن نحجز لك، لأن رئيس المالديف مغادر على الطائرة نفسها، وإنما يصعد على الطائرة الركاب الذين حجزوا فقط فضاقت الدنيا في عيني لما تذكرت العواقب، وحرت فلم أدر ما أصنع وسألت عن المسافة بحراً في قارب فقالوا لي : ثلاثة أيام !! فازددت ضيقاً، ثم هداني الله للاتصال بمكتب الحجز الذي في كولومبو . والطائرة سريلانكية . فأكدوا لي وجود اسمي بين الركاب، وأنهم سيرسلونه إلى مكتبهم في المالديف بعد ساعة، ومضت الساعة ثقيلة حتى أنبأني القائمون على المكتب بوصول كشف فيه اسمي واسم من معي .. وكنا أربعة كباراً وطفلتي مريم . فحمدت الله تعالى، وطابت نفسي للبقاء في المالديف.

جزر مؤجرة:

ثم ذهبوا بنا إلى جزيرة أعدت للزائرين وفي طريقنا إليها رأيت جزيرة عليها علم الدولة أوروبية، وثانية عليها علم لدولة أخرى وهكذا ... فسألت، فقيل لي: إن هذه الدول قد استأجرت هذه الجزر لها خاصة يقصدها مواطنوها للاستجمام والراحة فحمدت الله تعالى على أننا لن نختلط بأولئك الأوروبيين، فهم قوم قد غادرهم الحياء منذ زمن طويل ولم يعد إليهم !! ووصلنا إلى جزيرة شبه مهجورة ونمنا فيها ليلة والهواء عليل وشواطئها تراب صرف ليس ممزوجاً بما يشين أو يؤذي من الحجارة وماؤها صاف بين الزرقة والخضرة، فسبحان الله العظيم.

آفة الجزر:

وإذا كانت العاصمة على ما وصفت من انضباط إسلامي، فإن الجزر غارقة في الفسوق والعصيان، فنسأل الله السلامة والعافية، فمن قصد المالديف عليه أن يطلب جزيرة لا يطرقها السياح الأوروبيون حتى يسلم له دينه، ويستمتع بوقته، وهذه آفة الجزر في كل بلد إسلامي ذهبت إليه والمالديف بلد إسلامي، وكذلك كثير من الجزر في إندونيسيا وماليزيا، قد وهبها الله جمالاً رائعاً، لكن ينغصها وجود أولئك الكفار وما يصنعونه فيها. 

وختاما أقول: إن في بلدان الخليج مئات الآلاف من السريلانكيين يعملون في وظائف دنيا سائقين وخادمات، وعمالاً. فالذي ينبغي علينا عمله هو دعوتهم. ومحاولة هدايتهم، والإحسان إليهم، وهذا أقل ما ينبغي علينا عمله تجاههم، حتى لو لم يسلموا كلهم أو أكثرهم، فإن معاملتهم بالحسنى تعود علينا بالفوائد، وسيكونون سفراء لنا في بلادهم. فهل نحن فاعلون ؟!

الرابط المختصر :