العنوان أيام في: طرابلس «لبنان»(۲)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009
مشاهدات 69
نشر في العدد 1865
نشر في الصفحة 42
السبت 15-أغسطس-2009
التقيت
في طرابلس بعلماء عاملين اتصفوا بالهمة العلمية والحرقة الدعوية ودماثة الخلق ولطف
المعشر
عقيدة
الولاء والبراء اختلت عند كثير من المسلمين السنة في لبنان لانجرافهم وراء زعماء
نصارى في تيار المستقبل
المدينة
بها أنهار جميلة ومع ذلك تعاني من شح شديد في المياه
من
الآثار الإسلامية.. مسجد الأمير «طينال» والأمير «البرطاس».. تشعر بالروحانية
والأنس عند زيارتهما
زرت
جبل الضنية فوجدته عظيما مليئا بالمزارع والأنهار والقرى والضياع وعلى رأسه ثلج لا
يفارقه شتاء ولا صيفا
زرت
مدينة طرابلس سنة ۱۳۹۹هـ/ ١٩٧٩م وبقيت فيها أيامًا ذكرتها فيما سبق، وعدت إليها
سنة ١٤٣٠هـ/ ٢٠٠٩م فهذه إحدى وثلاثون سنة، فيا الله كيف مرت مسرعة، واقتطعت من
أعمارنا قطعة لا تعود، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي
طرابلس قابلت رجالًا عاملين- أحسبهم كذلك والله حسيبهم -وسررت بما قالوه، ومنهم د.
حسام ساباط وهو مستشار لمفتي طرابلس، ومحاضر بالجامعة، وقد تحدثنا عن قضية مهمة جدًا
ألا وهي عقيدة الولاء والبراء، وكيف أن المسلمين السنة في لبنان قد اختلت عند كثير
منهم هذه العقيدة، وذلك بسبب انجرافهم وراء تيار المستقبل وفيه زعماء من النصارى،
وأن الانتخابات لهذا التيار قد جرى فيها أمور تدل بوضوح على اختلال هذه العقيدة،
وأتى على هذا بأمثلة، وانجر الحديث إلى أوضاع السنة في لبنان وبعض القضايا العلمية،
وأهداني كتابًا مهمًا له عن اللجوء السياسي وحكمه الفقهي، وهو في الأصل رسالة
علمية.
نتائج
جليلة
وألقيت
محاضرة في طرابلس في مقر جمعية الاتحاد الإسلامي، وكانت عن أثر المرء في دنياه،
وهذا الموضوع محبب إلي، وأثير لدي، أرى أن إثارته في نفوس العاملين يأتي بنتائج
جليلة خبرتها عن قرب وعرفتها، والله أعلم.
ولقد
زرت في طرابلس جامع سيف الدين طينال الأمير المملوكي، وقد بني الجامع سنة ٧٣٦هـ أي
قبل سبعة قرون تقريبًا، وهو جامع جليل به روح وأنس، وصليت به، ودرست فيه.
وزرت
كذلك جامع الأمير عيسى بن البرطاس الذي بني سنة ٧١٥هـ، وهو جامع جليل مقام على
شاطئ النهر بالقرب من قلعة طرابلس الشامخة، وهو في أصله مدرسة قلبت جامعًا، وقد
حدثت القيم على المسجد بضرورة ترميمه فانفجر القيم بالشكوى من الإهمال، على وجه
عرفت معه المعاناة التي تعانيها الآثار الإسلامية في المنطقة، وطرابلس مدينة تعج
بالآثار الإسلامية، ولله الحمد والمنة.
جبل
عظيم: وبالقرب من
طرابلس على بعد «٢٤ كيلو مترًا» جبل الضنية الذي تحدثت عنه في حلقة طرابلس
السابقة، وهو جبل عظيم مليء بالمزارع والأنهار، والقرى والضياع، وعلى رأسه ثلج لا
يفارقه شتاء ولا صيفًا، وأجمل قراه أو بلداته هي «سير» وهي بلدة تقع في حضن الجبل
الأعلى، وعليها أنس ورونق وبهجة كنت قد زرتها قبل إحدى وثلاثين سنة، وصليت في
جامعها على الوجه الذي بينته في حلقة طرابلس الماضية، ولما أتيتها بعد تلك السنين
الطوال وجدت البلدة غير البلدة؛ فقد عمرت واختلف علي أمرها، وبحثت عن الجامع حتى
وجدته، فسألت عن إمامه فقيل لي إنه قد مات، وإذا بالجامع قد جدد، فوجدت الحال قد
تغير، وتلك سنة الله في الخلق ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ
وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)﴾ (الرحمن).
وقد
لقيت في طرابلس ثلة من كرام أهلها، فمنهم الشيخ ماهر بارودة، وهو شيخ قراء طرابلس
وإمام جامع كبير فيها، وقد أكرم وفادتي وأولم لي، وأفادني في معرفة بعض القضايا
المهمة.
أنهار
جميلة
وممن
ولي أمر التنقل بي من الجبل إلى طرابلس وبالعكس الأخ الدمث الفاضل محمد درنيقة،
وقد أخذني إلى أحد الأنهار الجميلة التي يصب ماؤها في البحر، والعجيب أنه أخبرني
أن طرابلس تعاني من شح شديد في المياه، وتنقطع على وجه متكرر من المنازل، وهذا
غريب فالنهر يجري طوال العام، فلو بني سد يحفظ هذه المياه لكفي الناس انقطاع
الماء، وهذا الأخ أتعب نفسه لخدمتي بلطف ودماثة خلق ولين فجزاه الله خيرًا.
وممن
سررت جدًا برؤيته وتوسمت فيه الإخلاص- والله أعلم به -الأخ أبو زكريا يحيى
الداعوق، وقد حكى لي من قصص الاجتياح اليهودي للبنان ووقوف المجاهدين أمامه ما
استدر به دموع عيني، وجدد الإيمان عندي بأن المستقبل لهذا الدين، ولرجال هذا
الدين، وقد ذكر لي أن اليهودي جبان رعديد، ولا يقوى على مواجهة المجاهدين، وهذا
مما أعرفه عن اليهود، لكنه أكد لي هذا من خلال حوادث تناهت إليه، وهيئة الرجل
وحاله وسمته تدل بوضوح على أنك أمام قامة جليلة.
وممن
رافقته في هذه الرحلة الأخ الشيخ مصطفى إبراهيم، وهو إمام مسجد في إحدى بلدات جبل
الضنية، وهو دمت، لين، هين، وقد حكى لي بالتفصيل عن معركة طرابلس التي جرت قريبًا،
وأسبابها، وأوقفني على أماكنها في طرابلس وكانت الغلبة للمسلمين ولله الحمد
والمنة.
وأيضًا
لا أنسى الأخ الفاضل محمود بلح الذي بذل جهدًا كبيرًا في خدمتي حتى استحييت منه
فجزاه الله خيرًا.
موقف
طريف
ومن
طرائف ما حصل لي في «سير» أني وقفت عند مكان يبيع الحلوى فوجدت البائع فاضلًا
ملتزمًا، فسألته: من أين؟ فقال: من «إيزال» وهي ضيعة قريبة من «سير» فتذكرت أن
زوجة جدي التي تزوجها بعد جدتي- رحمهما الله تعالى -هي من «إيزال» فقلت له: هل
تعرف الحاجة ربيحة؟ فقال: زوجة السعودي؟ فضحكت وقلت: هو جدي، فقال نعم أعرفها، وهي
في طرابلس، وما زال يدل عليها حتى عرفت مكانها وزرتها في بيتها وفرحت بي إلى
الغاية، فكان ذلك أمرًا عجيبًا واتفاقًا غريبًا؛ لأني لم أكن أعرف مكانها ولا
هاتفها بعد وفاة جدي فدلني الله تعالى عليها على وجه لطيف.
مخطوطات
تاريخية: وممن لقيته في
طرابلس الأستاذ المؤرخ المعروف د. عمر التدمري، وقد سعدت بلقائه على قصر المدة
التي بقيت فيها معه، وهو ممن عكف على تحقيق تاريخ طرابلس والعناية به على وجه
الخصوص، وأيضًا هو عاكف على تحقيق كثير من المخطوطات التاريخية النافعة، وقد أخرج
إلى المكتبة الإسلامية حتى الآن قرابة مائة وستين كتابًا، فجزاه الله خيرًا.
وممن
لقيته بـ «سير» الأستاذ الدكتور محمد شندب، وهو مؤرخ فاضل، وداعية كان له أثر في
الدعوة إلى الله منذ زمن طويل في جبل الضنية، وهذه الشخصيات أثيرة عندي محببة إلى،
وذلك لأنها تجمع بين الهمة العلمية والحرقة الدعوية، هذا على ما هو عليه من دماثة
الخلق ولطف المعشر، وقد أهداني بعض كتبه فألفيتها جيدة، هذا وقد حدثني بأحاديث
مهمة لا أجد لها مكانًا في هذه العجالة، وسأوردها في الجزء الثالث من الذكريات إن
شاء الله تعالى إذا فسح لي في المدة، ومد لي في العمر بفضله سبحانه.
«الهوامش»
(*) المشرف على موقع التاريخ www.altareekh.com