العنوان أيام في «قازان» (8) مدن تتار الفولجا التاريخية
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2009
مشاهدات 101
نشر في العدد 1839
نشر في الصفحة 43
السبت 14-فبراير-2009
اضطهاد المغول للتتار دفع بعضهم للانتقال إلى مصر وبلغ عددهم 18 ألف أحيانًا
بعض المدن التتارية خارج تتارستان حاليًا وبعضها اندثر ونشأت أخرى تحمل أسماءها
حملت باحثي التتار مسؤولية قلة المصادر عن المدن التتارية القديمة ودعوتهم لتوفيرها
المماليك قربوا التتار واستفادوا من بعض أنظمتهم الإدارية وطبقوها في مصر
الداعية عبد الرشيد إبراهيم تتري قرمي سافر 43 ألف كم للدعوة في الغرب والشرق
اتهام سلاطين التتار في مصر بشرب الخمر في زمن العز بن عبد السلام غير صحيح
بدأت الجلسة المسائية في اليوم الثاني لمؤتمر علماء التتار في تاريخ الحضارة الإسلامية في قازان متأخرة بسبب صلاة الجمعة والغداء بعدها كما قدمت سابقًا، فلذلك دمجت مع الجلسة التي تليها مع فاصل لأداء صلاة المغرب وتناول الشاي.
وقد حضرت الجلسة عند إلقاء د. أميرة المداح لبحثها، وهي أستاذة بجامعة «أم القرى» في مكة المكرمة الإسلامي، وكان بحثها بعنوان «من تاريخ الإسلام في تتارستان».
وقد وقفت في بحثها عند سنة 1917م زمن الثورة الشيوعية، وتحدثت بحديث لا يخرج عما ذكرته في الحلقات السابقة من النواحي التاريخية، وقد امتاز بحثها بتلخيص تاريخي جيد لكنها كانت مضطربة، متقطعًا صوتها، ولا أدري السبب مع أنها عُرفت بأنها رئيسة قسم ثم عميدة، فلربما لديها عذر لم أقف عليه، وأحمد لها اعتزازها بحجابها ونقابها وعباءتها، فكانت شامة في المؤتمر في زمن انتشر فيه حجاب الموضة، وهي بلية ابتلي بها كثير من النسوة المسلمات في هذا العصر، وأحمد لها مجيئها مع محرمها، وهذا دال على تحريها وانضباطها بأحكام الشرع، فجزاها الله خيرًا.
ثم ألقيت بحثي بعنوان: «مدن تتار الفولجا التاريخية»، وذكرت فيه تعريفًا لبعض هذه المدن: «قازان»، «سمارا»، «السرا»، «السوراي»، «استراخان» «بلغار»، وبعض هذه المدن خارج حدود تتارستان اليوم لكنها مدن تتارية، وبعضها اندثر لكن أنشئ بالقرب منها مدن سميت باسمها.
معلومات قليلة
وذكرت أن المعلومات التاريخية حول هذه المدن هي نزر يسير وقلة قليلة في المصادر العربية والإنجليزية - فيما وقفت عليه، والله أعلم - وأكثرها ورودًا هي قازان، لكن تبقى المعلومات عنها قليلة، وقد حملت باحثي التتار خاصة المسؤولية عن هذا النقص ودعوتهم لسده.
وذكرت بعض المعلومات الأخرى عن مدن التتار لكني أوردتها فيما سبق من هذه الحلقات فلا أعيدها ها هنا.
ثم ألقى الدكتور حسن علي عميد كلية الإعلام بجامعة النهضة بمصر بحثه بعنوان: «مشروع للتواصل مع تتارستان» وكان كلامه مرتجلًا تقريبًا، يدعو فيه إلى دعم المسلمين بتتارستان، وتحدث بحديث قوي عن وجوب مساعدة المسلمين بعضهم بعضًا في كل الجوانب، وأنحى باللائمة على المسلمين في تقصيرهم في هذا الباب، وذكر أن هناك أربعة تحديات: هي المذهبية المفرقة والتعصب، والتحدي الثاني هو فرض الرأي وعدم قبول وجهات النظر الأخرى،والتحدي الثالث هو افتقادنا لزعامات قوية، والتحدي الرابع هو العلاقة بالنظام الدولي والصراعات العالمية والتوازنات الإقليمية والدولية.
وفي نهاية بحثه شدّد على ضرورة إعادة الوقف بنوعيه الأهلي والحكومي، والتعاون بين الجامعات في تقديم المشورة إلى القيادات الإسلامية، وأوصى بإنشاء رابطة للعلماء تكون مثل الهيئة الاستشارية لرجال السياسة والاقتصاد، كما أوصى بإنشاء هيئة للاستثمار في كل بلد تكون عونًا على استثمار الأموال في البلاد الإسلامية.
تواصل حضاري
ثم تحدثت الدكتورة نجوى كمال كيرة الأستاذة بجامعة المنصورة، وكان حديثها عن: «التواصل الحضاري بين المجتمعين المصري والتتري في العصر المملوكي»، وقد كان بحثها قويًّا جيدًا فيه معلومات طريفة لطيفة، جديدة عليّ كل الجدة، وختمت بحثها بفيلم وثائقي صنعته بنفسها عن آثار التتار المعمارية في مصر فأجادت كل الجودة، وكنت أتمنى أن تنضبط في حجابها حتى تجمع الدين والدنيا، ولعلها تصنع ذلك إن شاء الله، وقد ذكرت في بحثها أن العصر المملوكي كان عصر نهضة، واستقر في مصر آنذاك طوائف عديدة من الناس من أجناس شتى، وكان من أولئك طائفة من التتار الذين استوطنوا مصر، وكان الاستيطان التتري إما جماعيًّا بالآلاف والمئات أو فرديًّا أو شبه فردي، وبلغت موجات الاستيطان التتري على مدار دولتي المماليك: البحرية والبرجية ثلاثين موجة، وكان منهم الرقيق الذين بلغوا أعلى المنازل، منهم الأشرف «قايتباي» الذي ولد في «القفجاق» على ضفاف نهر «الفولجا» في روسيا، الذي اشتراه «الأشرف برسباي» بخمسين دينارًا، ثم صار سلطانًا عظيمًا على مصر، وكان من أعدل السلاطين المماليك.
واستوطن التتار - أيضًا - مصر عن - طريق التزاوج بين السلاطين وفتيات سيقت من بلاد التتار.
ومن عوامل الاستيطان المجاعات التي حدثت في بلاد التتار، وكذلك كان لاضطهاد المغول للتتار أثر كبير في انتقال بعض التتار إلى مصر، وبلغ عدد من انتقل في إحدى الفترات 18 ألف نسمة.
وقد كان لاستقطاب سلاطين مصر لبعض التتار ليكونوا عيونًا على المغول أثر في بقاء بعض هؤلاء التتار في مصر.
وكان للتصوف أثر في وفود بعض التتار على مصر، وذلك لأن مصر كانت قبلة للصوفية آنذاك.
أصول تتارية
ثم بينت د. نجوى كمال كيرة أن عددًا من سلاطين المماليك وأمرائهم ترجع أصولهم إلى التتار وذكرت أمثلة منها السلطان «بيبرس» ونائب السلطنة الأمير «سلار». وذكرت الدكتورة أن المماليك استفادوا من بعض أنظمة التتار الإدارية وطبقوها في مصر، وذكرت أنه قد انتشرت رياضات وألعاب في مصر بسبب وجود هؤلاء التتار فيها.
وكان للتتار بعض الآثار السلبية في مصر، مثل التنافس بين الأمراء من أصول تتارية وغيرها، وكان لذلك أثر في المجتمع المصري.
وقد استحدثت عادات وتقاليد في المجتمع المصري بسبب وجود هؤلاء التتار في مصر:
كأكل لحوم الخيل، ومشروب التمريغاوي نسبة إلى الأمير «تمريغا» وكان يصنع من الزبيب، وبعض أنواع من الملابس، وظهر شيء من التزاوج بين المصريين والتتار وازداد نفوذ بعض النسوة في مجال السياسة خاصة زوجات السلاطين.
وأنشأ التتار مساجد وأسبلة وسقايات وتعلموا العربية مع الاحتفاظ باللغات الأصلية ودخلت كلمات تتارية إلى العامية المصرية.
نهضة عمرانية
واشتهر من التتار علماء وشعراء وأدباء، ومعماريون شاركوا في النهضة العمرانية في مصر، لكن د. نجوى كيرة ذكرت أمرًا غريبًا وهو أن بعض سلاطين مصر من التتار كانوا يشربون المشروبات المسكرة!! المصنوعة من «القمز» وهو لبن الخيل، فبينت لها في تعليقي على البحث خطأ هذا الأمر واستحالته وأنه مكذوب على «بيبرس»؛ لأنه لو كان حقّا لذكره مؤرخو المماليك، وقلت لها: إني قد قرأت في تاريخ المماليك آلاف الصفحات لمؤرخين كثر ثقات، فلم أقرأ لواحد منهم أن سلاطين التتار كانوا يشربون الخمر، خاصة أن الظاهر بيبرس كان زمن سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام، ولم يكن الإمام العز ليسكت لو كان هذا حقًّا، فقد كان أكثر علماء المسلمين إنكارًا على السلاطين عامة، وعلى الظاهر بيبرس خاصة حتى أنه لما مات العز قال «بيبرس»: الآن استقر ملكي.
ثم تحدثت الدكتورة فوزية بايرا موفا عن الداعية الكبير عبد الرشيد إبراهيم وجهوده في اليابان، وهو تتري قرمي، ويعد السياسي الأول للتتار في العصر الحديث وهو حافظ للقرآن، وعالم بالإسلام، وهذه ميزة لعبد الرشيد إبراهيم أنه جمع بين علمه بالسياسة وعلمه بالشريعة، وقد عمل لأمة الإسلام كلها بغايتين: اجتماع المسلمين وإقامة دولة للتتار، فاستعمل وسائل الإعلام المتاحة آنذاك في الصحافة والكتب المطبوعة، وقد ولد سنة 1857م في «تارا بسيريا»، و«تارا» تبعد عن قازان ثلاثة آلاف كم، وجاء أجداده من بخارى، وقد درس في الحرمين، ثم رجع إلى «تارا» ليكون إمامًا هناك، ثم قاضيًا في «أوفا»، واضطهدته الشرطة الروسية فهاجر إلى تركيا، وكان من المناصرين لحقوق المسلمين في روسيا وشارك في المؤتمرات السرية والعلنية لمسلمي روسيا قبل وبعد قيام الثورة البلشفية، فضيق عليه الروس فذهب إلى تركيا ثم إلى اليابان، ودعا اليابانيين إلى الإسلام، ثم عاد إليهم مرة أخرى ليستقر عندهم ويموت في بلادهم.
وقد سافر قرابة 43 ألف كم للدعوة إلى الله تعالى في بلاد كثيرة عربية وإسلامية وغربية وشرقية وزار ألمانيا ليشرف على أحوال الأسرى المسلمين أثناء الحرب العالمية الأولى.
دخول الإسلام إلى اليابان
وقد أدخل الإسلام إلى اليابان، واعترف به البرلمان، وأدخل تاريخ التتار إلى مناهج اليابانيين، وأنشأ مسجدًا هناك، وله عدد من الكتب عن تاريخ الإسلام وتواريخ البلدان طبعت مرارًا في تركيا وغيرها، هذا خلاصة ما قالته الباحثة.
وقد تحدثت بحماسة كبيرة جدًّا، وكانت سريعة في إلقاء بحثها، وكانت تتكلم بالتتارية فلم يكن المترجم لكل ذلك قادرًا على مواكبتها في سرعتها وحماستها، وفي كلامها تداخل وبعض الأخطاء، فلا أدري أهي من المترجم أم بسبب حماستها؟ وقد ناقشتها في هذا، وبينت لها أن الأستاذ الداعية الكبير عبد الرشيد إبراهيم لم ينل حظه من العناية والرعاية، وأن له مذكرات رائعة يشرف على إخراجها د.صالح السامرائي لكنها لم تنشر بالعربية إلى الآن رغم أنها نشرت بالتركية منذ زمن طويل، وأحمد للدكتورة الفاضلة حجابها المنضبط إلى حد كبير في زمن انتشار حجاب الموضة بين المسلمات، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أمة عظيمة
ثم تحدث سعادة الدكتور محمد علي البار عن الشاعر «بوشكين»، وشعره يفيض بالمعاني الإسلامية، وذكر الدكتور في بداية حديثه أن الروس أمة عظيمة وقد برز منهم شعراء وكتاب وأدباء أثنى بعضهم على الإسلام ثناء عاطرًا، و«بوشكين» هو أعظم شعراء الروس مطلقًا، وشعره يفيض بالمعاني الإسلامية، لكنه لا يجزم بإسلامه.
وقد أعجب الشاعر الكبير بالقرآن الكريم رغم أنه لم يطلع إلا على ترجمة غير دقيقة، وله قصيدة الرسول أو النبي، وقد قرأها الدكتور باللغة الإنجليزية فلم يفهمها، لكن الدكتورة مكارم الغمري المختصة بالأدب الروسي شرحت هذه القصيدة شرحًا جيدًا، وذكر الدكتور من معاني القصيدة تصوير «بوشكين» لنزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعراج الشريف، وحادثة شق الصدر، كل ذلك على لسان رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم.
ثم في قصيدة أخرى ذكر مكة المكرمة وأقسم بالشفع والوتر والليل في اقتباس واضح من القرآن.
ثم في قصيدة أخرى مدح مصر والعرب، والروضة الشريفة، وفي شعره حب كبير وتقدير عظيم للقرآن وللنبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر غار ثور، وذكر القرآن بعاطفة جليلة.
وقد أوضحت للدكتور البار أن أحد التتاريين أخبرني أن جد «بوشكين» مسلم وأنه جاء من الحبشة وأن هذا من المعروف عندهم، والله أعلم، فوافق د. البار وذكر أنه قد أورد هذا في بحثه.
وأقول: إن كان الأمر كذلك فينبغي على أدباء المسلمين أن يدرسوا حياة «بوشكين» دراسة وافية، وأن يحللوا شعره، وأن يظهروا للعالم كله ما فيه من تعلق بالإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.