العنوان أيام في ماليزيا
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 03-فبراير-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1737
نشر في الصفحة 44
السبت 03-فبراير-2007
زرت ماليزيا عشرات المرات على مدار السنوات الخمس الماضية، ومن خلال لقاءاتي بإخواننا الماليزيين وغيرهم، واختلاطي بالعامة والخاصة في هذا البلد، وبعد عدد كبير من المحاضرات والدروس التي ألقيتها هناك، أستطيع أن ألخص مشاهداتي حول هذا البلد الإسلامي الناهض، حيث وجدتها تتميز بعدة جوانب منها:
تقدم تقني
١- التقنية فيها متقدمة، وهي إحدى دول النمور السبعة في آسيا، ومنها الهند وكوريا الجنوبية وتايلاند وإندونيسيا وماليزيا، وهذه هي الدول المرشحة لتنضم إلى العالم الصناعي الأول، وماليزيا في طليعة الدول الإسلامية، وفيها صناعات متعددة مهمة، فهي من الدول المنتجة للسيارات وتسوق عالمياً، وهي من الدول المتقدمة في مجال الحاسب، وجامعاتها على درجة عالية من التقدم العلمي والإتقان والتنوع، وهذا كله مجتمعاً لا أعلمه في دولة إسلامية سوى ماليزيا، مما يرفع رؤوسنا نحن المسلمين، إذ طالما تألمنا من تخلفنا وضعفنا واتكالنا بشكل مخز على الشرق والغرب في كل شؤون حياتنا الدنيوية تقريباً، فنحن عالة عليهم في التقنية والأبحاث، والمنتجات الغذائية، ووسائل المواصلات والاتصالات، إلى أخر تلك القائمة المهينة، فوجود دولة مثل ماليزيا «بشارة خير» في خضم هذا الظلام المخيم.
٦٠ ٪ مسلمون
٢- نسبة المسلمين فيها جيدة، حيث يمثلون ما يقرب من ٦٠٪ وكلهم من الملايو، ويتبعون المذهب الشافعي، فهذا أدعى لاجتماعهم وعدم تفرق كلمتهم، وهي خصيصة لا يشاركهم فيها إلا قليل من الدول الإسلامية، وليس فيهم فقر مدقع معيب كما نرى في أكثر الدول الإسلامية تقريباً، ومستوى أهل البلد متوسط مادياً وبعضهم أثرياء.
نهضة علمية
٣- تعتبر الآن من البلاد الإسلامية القليلة التي يُبتعث إليها الطلبة من العالم الإسلامي، وهي خصيصة لها تشبه الاعتراف بريادتها وتقدمها، وهذا يدعو المسلمين عامة، وقيادتهم السياسية والفكرية والعلمية خاصة إلى دعم هذه الدولة بكل ما يستطيعون، عن طريق زياد البعثات، والإكثار من عدد الطلاب المبتعثين، وفتح فروع للجامعات الماليزية في الدول العربية والإسلامية، أو تعميم التجربة الجيدة ليستفيد منها الآخرون، ولقد رأيت رئيس الوزراء السابق «محاضر محمد» يتجول في بعض الدول الإسلامية مطالباً بالاستفادة من التجربة الماليزية.
طبيعة ساحرة ومساحة مناسبة
٤- فيها ثراء وتنوع في مشاهدها الطبيعية وتضاريسها الجغرافية، فهي تجمع بين الجبل والسهل، والبحر والبحيرات، والحدائق والجنان، والمناخ البارد والمعتدل والحار، وفي طبيعة أهلها سلاسة وطيبة، وحسن استقبال للوافدين والضيوف، والجريمة فيها تكاد تكون نادرة، وهذا عجيب مقارنة بمثيلاتها من الدول الإسلامية ... هذا كله يجعلها عامل جذب جيد بل متميز للآخرين، فيما يسمى بالسياحة، خاصة أن أسعار السلع والخدمات ليست مرتفعة بل معقولة.
٥- مساحة البلد مناسبة إلى حد كبير، فهي ليست شاسعة يصعب ضبطها أو تتهددها الأخطار، وهي أيضاً ليست صغيرة ضعيفة محدودة الإمكانات، بل أرى - والله أعلم - أن مساحتها وعدد سكانها يؤهلانها لأن تكون مميزة أكثر مما هي عليه الآن، فالقوم رفعوا شعار سنة ٢٠٢٠م، الذي يعني أن ماليزيا ستغادر موقعها من دول العالم الثاني إلى دول العالم الأول في سنة ٢٠٢٠م، وما ذاك عليهم ببعيد إن شاء الله تعالى.
مظاهر سلبية
أما السلبيات التي أتمنى أن تسارع الحكومة الماليزية للتخلص منها حتى تصير دولة نموذجية حقاً، فهي:
١- ضعف المرجعية الإسلامية في ذلك البلد العزيز علينا، القريب من قلوبنا، فهي مكونة من سبع ولايات، ولايتان فقط منها تطبقان الشريعة هما : ترنجانو وكلنتن، أما سائر الولايات فهي متراخية في هذا الأمر، وليس في البلد رموز شرعية واضحة يرجع إليها بقوة، والخمر فاش في عاصمتها وعدد من مدنها، كما أنه ليست هناك شرطة آداب أو هيئة أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بل هناك قوانين لمراعاة الآداب سُنت من قبل الحكومة لكن التطبيق العملي لهذه القوانين ضعيف نوعاً ما، خاصة أن في البلد ٤٠٪ من غير المسلمين معظمهم من الصينيين، والباقون من الهنود، وهذا مؤثر ولا شك في درجة الانضباط في البلد.
٢- تعاني البلد من تغريب ثقافي واضح، بل اكتساح للأسلوب الغربي في الحياة والمتعة والضعف الروحي، وهذا بسبب ضعف المرجعية وغياب الرموز الشرعية، وأيضاً لغياب البديل الإسلامي الواضح، وكذلك ضعف العلم الشرعي عند أكثر أفراد الشعب الماليزي وضعف الوعي الإسلامي العام.
٣- مشاركة الماليزيين في الهم الإسلامي العام محدودة، فبينما نرى كثيراً من البلاد الإسلامية تشتعل المظاهرات والاعتراضات على الحوادث الرئيسة التي تجري في العالم الإسلامي نرى أن إخواننا الماليزيين - في أكثرهم - يجابهون ما يجري بنوع من البرود وقلة الاكتراث، وهذه مشكلة تحتاج من قادة العمل الإسلامي هناك إلى وضع حلول قوية ناجعة لتجاوزها .
٤- الهزة التي تعرض لها أنور إبراهيم وحزبه تلقي ظلالاً كثيفة على مصداقية النظام السياسي الماليزي، إذ صار يتصرف كأنه إحدى الدول العربية البوليسية في التخلص من الخصوم، وبحاجة إلى إصلاح هذه النظرة السلبية من قبل المسلمين الذين ينظرون إلى هذا النظام على أنه واحة للأمن السياسي والحفاظ على حقوق الناس وكرامتهم.
٥- يدور في البلاد همس حول بعض مظاهر الفساد الإداري أرجو أن تقضي عليه الحكومة؛ لأن تقليص الفساد الإداري إلى أدنى حد ممكن هو شرط للتقدم والانعتاق من التخلف، بل الوصول إلى مصاف الدول الصناعية كما يأملون ويريدون.
وفي النهاية: أعود وأؤكد أن هذه الرؤية ليست رؤية سائح، وإنما هي رؤية معايش للأوضاع من خلال اللقاءات والمحاضرات والدروس، والاختلاط بالناس، وأسأل الله لهم التوفيق .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل