العنوان أين التكوين الإسلامي من واقعنا؟
الكاتب محمد الشاذلى
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1987
مشاهدات 66
نشر في العدد 811
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 31-مارس-1987
● أمة الإسلام مأمورة شرعًا بالاعتماد على نفسها في كل الأمور.
حرص الإسلام كل الحرص على تكوين المسلم تكوينًا لا التواء فيه، ولا اعتماد إلا على النفس؛ حتى يكون المسلم أمة يعتز بنفسه، ويكونها التكوين الذي يجعله قوة وسندًا في أمته وأسوة، وأول ما لفت إلى هذا التكوين القرآن الكريم حيث أرانا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (النحل: ۱۲۰)، ولا يكون أمة إلا إذا اجتمعت فيه الفضائل البشرية المتفرقة في أفراد كثيرين، ونحن مأمورون بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام.
ووضح الحديث النبوي اعتماد الإنسان على نفسه في الحديث الذي رواه عوف بن مالك الأشجعي المضمن طلب مبايعته- صلى الله عليه وسلم- قال: كنا عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا- وأسر كلمة خفية- ولا تسألوا الناس شيئًا»، فلقد رأيت بعض أولئك يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه، أخرجه مسلم في صحيحه.
کرر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طلب المبايعة على عدم الإشراك بالله- سبحانه وتعالى- وعلى إقامة الصلوات الخمس، وعلى الطاعة وأجملها، وفي ذلك إشارة لا تخفى، وختم هذه المبالغة بعدم سؤال الناس شيئًا، وفهم الصحابة- رضوان الله عليهم- جميعًا من عدم سؤال الناس شيئًا الاعتماد على النفس، والأنفة من الاحتياج إلى الغير؛ لأن في ذلك تبعية.
وإذا كان الفرد مأمورًا بالاعتماد على نفسه، فالأمة قاطبة مأمورة بالاعتماد على نفسها، وعلى الاعتماد النفسي سار المسلمون في كل شؤونهم، فحين أرادوا نشر دعوة الله- سبحانه وتعالى- لم يتحالفوا على الفُرس مع الروم، ولا على الروم مع الفُرس، وإنما اعتمدوا على أنفسهم، فانصاعت لهم الدنيا، وبلغوا أقصى منازل العِز والكرامة.
وعلى هذا الغرار استمر المسلمون؛ فلم يفقدوا من عزتهم شيئًا، حتى إن عمر بن الخطاب لما قيل له: إن نصرانيًا كان جمّاعة لما يتطلب منه؛ أجاب بجواب مقنع حتى لا يعيدوا عليه الكرة فقال: مات النصراني والسلام.
ويكفي مضرة بالاستعانة بالغير- حتى ولو كان فرديًا- ما صنعه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة حيث قضى على عمر، وهو ركيزة الإسلام، مما فتح باب الشغب والفتن، ولكنهم حين اتكلوا على غيرهم تدلوا في الحضيض حتى أكلهم الاستعمار، وأصبحوا فريسة للأمم تتداعى عليهم تداعي الجياع على القصعة.
أين نحن اليوم؟!
تخلصت الأمم الإسلامية من نير الاستعمار، وأصبحت تساس برجالها؛ فتخلص الحُكم من يد الأجنبي، ولكن بقيت الأمم الإسلامية عالة على أمم الغرب، ويكاد يكون احتياجها في النقير والقطمير في قوتها، في لباسها، في مساكنها، حتى في سلاحها الذي تذود به عن نفسها، وحتى في لغة العلم؛ فاليوم الجامعات كلها- إلا النزر اليسير- عالة على اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، فاللغة لم تسلم من التبعية، ويدور سلاحنا على من نعده صديقًا، إما من الغرب أمريكا وحلفائها، أو من الشرق الاتحاد السوفييتي، فعدتنا التي أمرنا الله بها في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال: 60) كلها تأتينا من إحدى الناحيتين، وكلتاهما الله أعلم بالنوايا، وها هي اليوم بدأت تظهر من إحداهما في كونها تريد أن تجعلنا- نحن الأمة الإسلامية- سوقًا لما يزيد على حاجياتها، مدِّخرة ما تخفيه من قوة عظمى.
فالله- سبحانه- يوقظنا بهذه الحوادث، و يرینا أین نحن من مبادئه السامية، فهل من يقظة نخلع بها رداء التبعية، ونعتمد على أنفسنا اعتمادًا صحيحًا، ونأخذ بأسباب النهضة الصحيحة في العلم النافع، والصناعات المتكاملة، آخذين بما أخذ به سلفنا من أوبة إلى الله تعالى، فإنه يوفقنا للعلم الصحيح والاعتماد على النفس والاكتفاء الذاتي في كل مقومات الحياة جليلها وحقيرها، وقد أنعم الله علينا بالمواد الخام الكافية حتى لا نحتاج إلى الغير.
ومن الإلطاف أننا لما كنا في النوم العميق والجهل المطبق، كان الفحم الحجري قوام الحياة ليس في أرضنا، فحافظت أرضنا على مقوماتها، وحين استيقظت الشعوب الإسلامية وجدت نفسها ومقوماتها تحت أرجلها، فلا نُضيع تلك المقومات، ونستغلها في وجهها الصحيح دون الرفاهية المستعارة، فهي إعارة لا نأمن في يوم ما أنها تتبخر بين أيدينا، فالالتفاتة إلى أن نخلع ثوب الاتكال والترامي على قشور حضارة الغير تؤوب بنا إلى أن نسترجع مقوماتنا كلها، مع احتفاظ على مبادئنا الإسلامية الصحيحة، واستعداد لكل ما تلده الليالي من أحداث، حتى يرسخ التكوين الإسلامي في واقعنا الحاضر.