العنوان أين التيار الإسلامي من الثورة الإريتيرية؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
مشاهدات 74
نشر في العدد 883
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 20-سبتمبر-1988
- الثورة الإريتيرية تعاني من حصار إعلامي كثيف منذ أن خرجت على الدولة الإثيوبية.
- الشعب الإرتيري يرى نفسه عضوًا أصيلًا من الأمة العربية والإسلامية.
ما زالت مراجل البارود المتفجرة في منطقة القرن الأفريقي تشهد مزيدًا من الاشتعال بالرغم من حالة الانفراج الدولي التي بدأت تنتظم العلاقات الدولية، فالاستثناء في إشكالية القرن الإفريقي يتصل بنوعية ودرجة التعقيد في مشاكله الإقليمية ذات التنازع المزدوج والذي ينسحب على المشاكل الإقليمية الرئيسية الثلاث: مشكلة إرتيريا وجنوب السودان والأوغادين، وإن كانت مشكلة الأوغادين قد طرأ عليها بعض التهادن الوقتي وقضية جنوب السودان تعود إلى إطارها المحلي، وتبقى قضية الشعب الإرتيري متفردة بكل مقومات النزاع الدولي، انطلاقًا من مبدأ الحق في تقرير المصير للشعوب وبناء على الجهاد الشعبي المتطلع لنيل الاستقلال من قبل الثورة الأرتيرية والذي إن لم يتم في إطار الانفراج الدولي فلا بد أن يفرض وجوده من خلال فوهة البندقية... وقد أثبتت انتصارات الثورة الأرتيرية أنها قد رسخت خطواتها على طريق الاستقلال على الرغم مما قد يعتريها من انزلاقات داخلية تتصل بتوجهاتها الفكرية وتشكيلاتها القومية إضافة لما تلقاه من عنت خارجي يشغل حيز الانتماء الدولي وينال من درجة التماسك التنظيمي والتنسيقي بين فصائلها.. وقد يبدو الأمر في غاية الغرابة عندما نرى أن جل الأنشطة التحريرية يصب لحساب منظمات ذات توجهات اشتراكية وقومية وعلمانية ويكاد الاتجاه الإسلامي أن يصنف في عداد الغياب إن لم يكن مجهولًا تمامًا من قبل ساحة الكفاح الشعبي غير أن الأمر ليس تمامًا على هذا الوجه إلا أن السؤال يبقى حيًّا ينقب عن الدور الحاضر والمستقبلي للاتجاه الإسلامي!
تيار وفصائل:
في البدء كانت المشكلة ذات أطر سياسية وكان التحرير سعيًا مكملًا لما تتمتع به إرتيريا من استقلال نسبي «فيدرالية»؛ ففي عام 1946 ولد حزب الرابطة الإسلامية بقيادة الشهيد حامد إدریس عواتي وظل بطل الساحة الأرتيرية دون منازع وقد خاض معارك سياسية عدة ضد التسلط الإمبراطوري وفي عام 1961 ارتفعت درجة الصدام عندما أعلنت حكومة الإمبراطور هيلاسلاسي ضم إرتيريا نهائيًّا لأثيوبيا وحل البرلمان الإرتيري، وأعلن حامد عواتي الجهاد وقاد حزب الرابطة معركة طويلة ضد الجيش الأثيوبي وقد حقق انتصارات متعددة إلا أنها لم ترق لمستوى سحق الجيش الإمبراطوري في إرتيريا واستشهد عواتي وجمهرة واسعة من قادة المسلمين في حزب الرابطة، ونظرًا لسيادة الفكر القومي والعلماني في مطلع الستينات بدأ الانحراف يدب في القيادة السياسية للعمل التحريري وشهدت المنطقة العربية تنامي التيار القومي واعتمدت أكثر الدول العربية فلسفة السلوك العلماني في السياسة؛ مما هيأ الظروف أمام ازدهار المنظمات العلمانية الأرتيرية، ومن هنا برزت اللافتات المتشابهة لقيادة الحركة التحريرية وكان الانقسام سمة بارزة في تلك المرحلة حتى قال أحد القادة الإريتيريين «إن المرء ليكاد يجزم بأن ما يعرفه عن تاريخ الثورة الخلافي أكثر مما يعرفه عن تاريخ الثورة النضالي، وهنا تكمن المأساة فالتيار الذي أراد أن يعصم نضال شعبه بوحدانية العقيدة قد امتدت إليه يد الانقسام في شعب العلمانية والماركسية والقومية فتشتت وسعت كل منظمة تبحث عن الشرعية في الداخل للدعم السياسي في الخارج ووجدت ضالتها في دول العربية قبل غيرها وجاء نظام التبني وإن كان محدودًا في دعمه وكبيرًا في توجيهه السياسي ظهرت منظمات بعثية وقومية عربية واشتراكية وماركسية وأخرى ذات توجه وسط، وبما أن الشعب الإرتيري يريد قيادة جادة في تحقيق مساعيه في التحرير فقد بدأت مرحلة التسابق بين المنظمات كل يزكي منهجه الفكري وانطلاقه السياسي.
الانفصال والتصفية:
سيطر حاليًا على ساحة الكفاح الإرتيري جبهتان من الجبهات الأربع ذات الثقل النضالي وهما جبهة الشعبية لتحرير إرتيريا بقيادة أسياسي أفورقي رمضان محمد نور وجبهة التحرير الإرتيرية «التنظيم الموحد» بقيادة عبد الله إدريس وهما وريت قسري لجبهات سالتة خرجت من تنظيم واحد هو حركة التحرير الأرتيرية وظل الانقسام يتنامى مع تزايد الحضور السياسي والعسكري للجبهة منذ عام 1964 وكان الانقسام يبدأ سياسيًّا وينتهي عسكريًّا بأن يصفي الجناح الأقوى جناحه المنشق كما أن الانقسام يظل يتعقب المؤتمرات فما من مؤتمر يعقد لرأب انشقاق الصدع حتي يأتي بعده انقسام جديد ففي عام 1969 عقد مؤتمر «دوبحة» نسبة للمنطقة أفرز جبهة التحرير الأرتيرية (القيادة العامة) بقيادة محمد أحمد عبده وأسياسي أفورقي ورمضان محمد نور وعبد الله إدريس ومن الجانب الآخر نظم عثمان سبي قيادة تنظيم جديد باسم جبهة التحرير الأرتيرية (القيادة العامة) وكما في سنة 1969 جاء مؤتمر 1970 ليشهد تشكيلات جديدة وعام 1975 في مؤتمر الخرطوم رفضت قوات الجبهة الشعبية بقيادي أسياسي الوحدة الفوقية ودخلت في حرب ضد قوات التحرير الشعبية وهكذا كانت لتصفيات الإريترية – الإريترية طابعًا مميزًا للثورة مما أفقدها الزخم الشعبي الوافر الذي كان يعول كذلك حطمت قواها الذاتية مما تسبب في تأجيل حركتها الرئيسية مع العدو المغتصب لحقوق شعبها، ولأن الأطماع تختلط بالمساعي والارتباطات الخارجية فإن المعارك كانت شديدة الوطأة بالغة الإجهاز على تقدم ونمو قوات التحرير الجماهيرية.
وفي منظورنا الفكري إن هذا نتيجة طبيعية للتنكر لمنهج الله سبحانه وتعالى؛ حيث إن وحدة القلوب وتألفها ينطلق في المقام الأول والأوحد من وحدة العقيدة والاعتصام بالنهج الرباني ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال:63)؛ فالوحدة من الوحدانية وتآلف القلوب درجة عالية من مراتب الوحدانية والوحدة معًا، فلا المال ولا الأفكار مدعاة أساسية للوحدة، وما زال الخطر يكمن في ثنايا الزمن يهدد وحدة العمل العسكري والسياسي الإرتيري ما لم يعتصم بوحدانية المنهج الرباني.
التيار الإسلامي في المعركة:
تناوب التيار الإسلامي العمل مع التنظيم المنفرد والاندماج الفصيلي في التنظيمات القائمة، وقد مكث التيار الإسلامي حينًا من الدهر يعمل مع التنظيمات على قاعدة «أفضل المطروح» وقد تنامت قواه داخل تنظيم «الأمانة العامة» جبهة التحرير الأرتيرية بقيادة عثمان صالح سبي وتعامل بدرجة أقل مع جبهة التحرير الإرتيرية «القيادة العامة»، وقد كان وما يزال يحتفظ التيار الإسلامي ببعض عناصره في المنظمات الرئيسية للحركة الإرتيرية إلا أن الحركة الإسلامية بدأت تعمل بضم جهودها وتنظيم خلاياها لإعلان منظمة خاصة بها، وتجسدت تلك الرغبة في عام 1982 بمنظمة الرواد المسلمين وقد انحصرت التوجهات في البداية في خلق العلاقات وتطويرها مع العالم الإسلامي والاهتمام بالتربية الإسلامية والتوعية في أوساط الشعب الإرتيري في الداخل وخارج حدوده «السودان»، وقد تولد قرار مجلس الشورى للحركة الإسلامية بقيام منظمة الرواد بعد أن قامت أجنحتها العسكرية والسياسية من أدوار التصفية الجسدية في ميدان حروب الانشقاق والانشقاق المضاد بالرغم من أن التيار الإسلامي يؤمن بالوحدة ويسعى إلى تجميع القوى إلا أن آثار التصفية قد ألقت بظلها العدمي على مستقبل العمل الاسلامي عموما، وبالرغم من قيام منظمة الرواد المسلمين الا أن العمل العسكري والسياسي ظل ضمن الجبهات الرئيسية لفصائل الثورة الإرتيرية، وقد اقتضت ذلك عدة أسباب وعلى رأسها أن مرحلة التحرير تقتضي تجميع الصفوف ضد العدو الصليبي المغتصب، كما أن تميز العمل الإسلامي خارج إطار المنظمات الرئيسية للثورة يعني تصفية عناصر العمل الإسلامي جسديًّا ومحاصرة أهدافهم المستقبلية، وربما استفاد العمل الإسلامي في إرتيريا من تجارب بعض المنظمات العقائدية والتي حاولت في بعض الأوقات أن تعمل ضمن فصيل خاص بها، فما كان إلا أن حصدت عناصرها القيادية المنظمات الشعبية الأخرى، واقتسمت ممتلكاتها ومخصصاتها.
المستقبل آت:
تعاني الثورة الأرتيرية من حصار إعلامي كثيف كتب على مشوارها منذ أن خرجت على الدولة الإثيوبية والتي تعد حامي حمى الصليبية في أفريقيا؛ ولذلك فإن الإعلام الغربي يرفض أن يتعاطى مع انتصاراتها إلا في أضيق الزوايا، ونظرًا لأن الإعلام العربي يتبع في اهتماماته الإعلام الغربي وقضاياه فقد نسي القضية الإرتيرية، وهذا الموقف يؤثر على نفسية الشعب الإرتيري حين يرى أن انتصاراته لا تجد من يعبر عنها لا سيما وأن هذا الشعب يرى نفسه عضوًا أصيلًا من الأمة العربية، كما أن حسه الإسلامي يجعله يشعر بانتمائه القريب من العالمين الإسلامي والعربي، وحين تغيب هذه الصورة في العالم العربي فإن مستقبل الجهاد الإرتيري يبقى أسير الضباب المعمى بالنسبة لعالمنا فالقوى الاستعمارية لها مبرراتها في التجاهل غير أن العالم العربي لا بد أن يرى صورته في ذلك الكفاح ومستقبل العمل والنشاط التحريري الإرتيري يرتبط تمامًا بالشعب الإرتيري ذي الأكثرية المسلمة والساعي منذ فجر التاريخ إلى تحقيق أهدافه وطموحاته في إبراز هويته الإسلامية فإرتيريا والإرتيريون لا ينسون أبدًا أنهم «أرض الصدق» التي هاجر لها المسلمون الأوائل وذكرها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالخير... والتيار الإسلامي يجني ثمار هذا التوجه اليوم بصورة أقل بكثير مما هو متوقع حيث إن العمل الإسلامي لا بُدَّ أن يضرب مثالًا ناطقًا في التضحية والبذل مما يزكيه لقيادة الجهاد القائم وبقدر التصاق العمل الإسلامي بالأهداف الجماهيرية في التحرير ونكران الذات والتصدي للعمل العسكري والسياسي في الساحة بقدر ما تتسع قواه ويكسب احترام الآخرين وإن كانت فصائل الثورة اليوم تتسع تشكيلاتها للعناصر الإسلامية فإن السعي المتواصل سوف يصل ذلك الجهد بغايته في التحرير الإسلامي وهو سعي يباركه اليوم إشعاع الصحوة الإسلامية في العالم العربي ويكبره التوجه الإسلامي للدول العربية والإسلامية ويومها تبقى «أرض الصدق» ظهيرًا وملجأ للمسلمين في القرن الأفريقي المتفجر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل