العنوان أين انتهت الوساطة الأخيرة في حرب الخليج؟
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1985
مشاهدات 52
نشر في العدد 704
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 12-فبراير-1985
- إلى متى تستمر هذه الحرب الدامية في خليجنا الأمن؟.
- رفسنجاني: رفض الوساطة.
- هل تنتهي المأساة؟
- جورج شولتز: الإفراج عن الودائع.
مع بداية الأسبوع الأول من الشهر الجاري بدأت تظهر على المسرح السياسي للمنطقة ملامح وساطة جديدة تهدف إلى إنهاء الحرب العراقية - الإيرانية، ورغم النهايات المظلمة التي لقيتها كافة أشكال الوساطات التي بدأت مع بداية هذه الحرب، إلا أن الإصرار على مبدأ الوساطة من قبل بعض الأطراف العربية والخليجية والدولية يوحي بأن الأخطار المترتبة على استمرارية الحرب باتت تشكل قلقًا كبيرًا لدى هذه الأطراف من أن تسعى بعض الجهات المستفيدة من أشكال الحرب أو الجهات التي تنطلق في سياستها من خلال إستراتيجية عقائدية معينة إلى مد رقعة الحرب لتشمل المنطقة الخليجية وربما العربية بأسرها نتيجة التحالفات التي ظهرت مع بداية هذه الحرب.
الوساطة الجديدة
مع بداية شهر فبراير الجاري بدأ التحرك الدبلوماسي الهادف إلى بلورة مشروع متكامل حول إنهاء الحرب العراقية - الإيرانية، وقد بدأت ملامح هذا التحرك بالوضوح فور الإعلان عن زيارة الأمير عبد الله ولي العهد السعودي، إلى كل من دمشق وباريس والجزائر، وزيارة الشيخ صباح الأحمد، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي، إلى دمشق، حيث تولد هذه الزيارات انطباعًا بأن هذا التحرك الدبلوماسي الخليجي هو أحد أهم نتائج مؤتمر القمة الخليجي الذي انعقد في الكويت قبل شهرين، وخاصة أن قمة التعاون الخليجي كانت قد أوفدت الشيخ صباح الأحمد في مهمة خاصة إلى دمشق عقب انتهاء المؤتمر حاملًا رسالة من قمة مجلس التعاون إلى الحكومة السورية حول الحرب العراقية- الإيرانية.
وخلال الفترة التي أعقبت زيارة الشيخ صباح الأحمد إلى دمشق كانت الاتصالات بين دول التعاون الخليجي وبين أطراف عربية ودولية تأخذ مداها في محاولة لإشراك هذه الأطراف العربية والدولية في مشروع الوساطة الخليجية لإعطائها المزيد من الدعم السياسي المؤثر، ومن هنا فإن الاتصالات مع الجزائر كطرف عربي وفرنسا كطرف دولي كانت تدور حول هذا المسار باعتبار أن كلًا من الجزائر وفرنسا هما الطرفان المقبولان سواء من العراق أو من إيران، وتعتقد بعض الأوساط المطلعة أن مشروع الوساطة الجديدة يستند على نقطتين رئيستين:
- وقف العمليات العسكرية بين الدولتين وعلى كافة الجبهات.
- الجلوس إلى مائدة المفاوضات للبحث في جميع نقاط الخلاف، وبإشراف الدول المحركة للمشروع وهي الجزائر والسعودية والكويت وفرنسا.
ويعتقد أن الجزائر ستكون مقرًا لهذه المفاوضات إن قبلت الأطراف المعنية، والمرجح لدى الأوساط الدبلوماسية أن دخول فرنسا في جهود الوساطة الجديدة يهدف إلى إعطاء الوساطة بعدًا دوليًا يساعد على وضع الأطراف الدولية المعنية وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في الإطار الحقيقي لمخاطر استمرار الحرب والأبعاد المخيفة المترتبة على انتشارها.
ومن هنا فإن الاحتمالات الأقوى في هذا الجانب تشير إلى تعهدات فرنسية وجزائرية بأن تعمل الدولتان على إقناع واشنطن بالإفراج عن الودائع الإيرانية التي حجزتها الإدارة الأمريكية بعد حادث السفارة الأمريكية في طهران، وتبلغ قيمة هذه الودائع 8 بلايين دولار، وكان جورج شولتز وزير خارجية الولايات المتحدة قد أعلن أثناء محادثاته مع وزير خارجية الاتحاد السوفياتي غروميكو عن استعداد بلاده لبذل كل الجهد الممكن للإفراج عن الودائع الإيرانية إذا كان هذا يساعد على إنهاء الحرب، «وهنا لابد من الإشارة إلى أن الرئيس الجزائري بن جديد سوف يقوم قريبًا بزيارة الولايات المتحدة لإجراء محادثات مع الرئيس الأمريكي ريغان لم يكشف النقاب عنها، وإن كانت الدلائل تشير إلى أن الحرب العراقية- الإيرانية ستكون أحد أهم النقاط التي سيتم بحثها في واشنطن».
مؤشرات جديدة
من الملاحظ أن الفترة الحالية تشهد بروز متغيرات إيجابية في مسألة الحرب الخليجية وبعيدًا عن مظاهر الصراع العسكري على الجبهة العراقية- الإيرانية، فإننا نلاحظ وبوضوح وجود مؤشرات جديدة تدفعنا إلى الاقتناع بأن هناك تجاهًا نحو إنهاء الحرب الخليجية خلال العام الحالي، ويمكن تحديد هذه المؤشرات بالتالي:
- التحركات الجديدة للأمين العام للمؤتمر الإسلامي شريف بير زادة «الأشد قبولًا في إيران من سلفه الحبيب الشطي».
- الدور الفرنسي الجديد في العالم العربي واتجاه السياسة الفرنسية نحو إنهاء الحرب.
- التحرك الجزائري الجاد الذي تبرزه الزيارة القادمة للرئيس الجزائري بن جديد للولايات المتحدة «وهي الزيارة الأولى»، ومحاولة الجزائر فك التحالف بين سوريا وإيران وليبيا عن طريق رفضها الاشتراك في المؤتمر الأخير لوزراء خارجية هذه الدول.
- محاولة سوريا فك الطوق الانعزالي من حولها، وخاصة أن أوضاعها الداخلية تفرض عليها هذا الاتجاه.
- محادثات الوفاق الدولي التي جرت مؤخرًا بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
- زيارة العاهل السعودي للولايات المتحدة لإجراء محادثات مع ريغان مع التركيز على مسألة الحرب الخليجية.
- الإعلان الأمريكي الذي جاء على لسان وزير الخارجية جورج شولتز، والخاص باستعداد الولايات المتحدة للإفراج عن الودائع الإيرانية التي تبلغ 8 بلايين دولار، وهذا المبلغ الكبير من شأنه أن يساعد على دب الروح في جسد الاقتصاد الإيراني المنهار.
هذه المؤشرات التي ذكرناها تدلنا مع «مؤشرات أخرى يمكن إضافتها» إلى أن الاتجاهات الجديدة سواء على مستوى الساسة الدولية أو العربية تميل إلى بذل الجهود الممكنة لإنهاء الحرب العراقية- الإيرانية خلال هذا العام.
ولكن مع هذه المؤشرات الإيجابية التي ظهرت مؤخرًا على اتجاهات السياسة العربية والدولية نقول ماذا عن الموقف الإيراني؟:
الموقف الإيراني
مع كل هذه المؤشرات والمتغيرات الإيجابية يبقى الإصرار الإيراني على موقفه المعلن منذ بداية الحرب العقبة الرئيسة أمام نجاح أي مشروع لإنهاء الحرب، حتى بات هذا الموقف يثير شكوكًا واسعة ومتعددة حول حقيقة التوجه الإيراني والخلفيات التي تحرك هذا التوجه، ومن هنا فإن مشروع الوساطة الجديدة جُوبه فور الإعلان عنه بالرفض القاطع من الجانب الإيراني، وقد جاء هذا الرفض على لسان هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس الشورى حين قال: لن نتحدث عن أية خطة سلام تقوم على أساس استمرار القيادة العراقية الحالية في السلطة، ونفى نفيًا قاطعًا أن يكون لسوريا دور في أية خطة سلام. وقال: من وجهة نظرنا لا يعقل أن يكون الأسد وسيطًا لأن موقفنا وموقف السوريين من حرب الخليج متماثل، ولا أعتقد أنهم راغبون في الوساطة، ولكن رفسنجاني أضاف قائلًا: إن دعوة قد وجهت للأسد لزيارة طهران للتباحث في أمور تتعلق بالعلاقات بين البلدين!!
وكان السفير الإيراني في بيروت قد أدلى بتصريح حول الوساطة الجديدة، أعلن فيه عن رفض بلاده لأية وساطة ما لم تأخذ في حسبانها مسألة الشروط الإيرانية التي تنص على إسقاط النظام العراقي!! وقال إن سوريا تقف إلى جانبنا في شروطنا لإنهاء هذه الحرب.
ومن خلال تصريحات رفسنجاني والسفير الإيراني تتضح لنا اتجاهات الرفض الإيراني لمشروع الوساطة الجديدة كما سبق أن رفض جميع الوساطات السابقة.
وهنا لابد من أن نشير إلى أن العوامل التي كانت تشجع إيران على استمرار الحرب ورفض الوساطات المختلفة لإنهائها قد تبدلت، وأن هناك الكثير من المؤشرات التي توحي بوجود متغيرات كثيرة في الاتجاهات السياسية الدولية التي ستنعكس بالتالي على الإمكانيات والقدرات الإيرانية التي تمكنها من الاستمرار في الحرب لفترة طويلة، ومن هنا نعتقد أن التصريحات الإيرانية الأخيرة لا تعبر عن حقيقة الاتجاهات داخل إيران، حيث أن المتغيرات التي ذكرناها بالإضافة إلى الأوضاع الداخلية في إيران، وخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ستدفع العديد من القيادات الإيرانية إلى تبني الاتجاه نحو إنهاء الحرب الخليجية.
وبعد
فإن الظروف المستجدة لهي من أنسب الظروف لبدء خطوة جادة في سبيل إنهاء هذه الحرب التي روعت المنطقة طيلة أربع سنوات، وإن إيران مدعوة لأن تحكم لغة العقل والمنطق وتبادر إلى القبول بمبدأ المفاوضات ونبذ الصراع المسلح الذي أودى بالأخضر واليابس، ومازال يهدد بحدوث ما لا يحمد عقباه، فالدماء المسلمة تحولت إلى أنهار على أرض الصراع ومئات الآلاف من القتلى الإيرانيين والعراقيين، فحجم المأساة كبير ويحتاج إلى كل الجهود لإيقافها، والخسائر المادية التي كادت أن تسبب أزمة اقتصادية في المنطقة، تؤثر على استقرارها وتنميتها بما يعود على المسلمين بالخير، كما أن استمرار الحرب مع احتمال انتشارها يؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه للتدخلات الاستعمارية التي ستكتوي إيران بنارها قبل غيرها.
فهل تجنح إيران للسلم؟
هذا ما ننتظره.