; أين تتحقق المقاصد العامة للشريعة؟ (5) | مجلة المجتمع

العنوان أين تتحقق المقاصد العامة للشريعة؟ (5)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 14-فبراير-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1839

نشر في الصفحة 66

السبت 14-فبراير-2009

ويتفرع عن ذلك أسئلة أخرى منها: هل تحقق مقاصد الشريعة بمجرد العلم بها؟ وهل يجني المجتمع ثمرتها إن هي أصبحت جزءًا من الوعي العام لمعظم أبنائه أو إذا تشكلت في ضوئها أغلب جوانب الثقافة السائدة؟ وهل تتحقق مقاصد الشريعة في فضاء التأمل النظري الذي يتيح مجالاً واسعًا للحديث عن البنيان الأصولي المتماسك لمكوناتها؟... إن الإجابة عن مثل هذه التساؤلات تكون بالنفي القاطع، وبدون تردد. 

وما نأسف له أن نظرية المقاصد العامة للشريعة قد آلت في وضعها الراهن إلى أن أصبحت تصورًا نظريًّا مفارقًا لملابسات الواقع، والاجتهادات والجهود التي تبذل من أجل وصلها بالواقع وقياس أحواله بمعاييرها قليلة وغير منتظمة.

إن المقاصد العامة للشريعة لا تتحقق بمجرد وجودها في بطون الكتب والمؤلفات القديمة، ولا حتى عندما تصبح جزءًا من الوعي الثقافي السائد في المجتمع، وإنما تتحقق عبر تشريعات ومشروعات ومؤسسات وبرامج تنفيذية تشق طريقها وسط الواقع الاجتماعي المعاصر بكل تعقيداته ومعطياته.

وقبل الاستطراد في الإجابة عن كيف تتحقق مقاصد الشريعة؟ من المهم أن نجيب أولًا عن سؤال: أين تتحقق؟ ولدينا ثلاث إجابات محتملة عن هذا السؤال الأخير، وهي:

الأولى: هي أن مقاصد الشريعة تتحقق في مجتمع ديني، تحكمه سلطة دينية قادرة على تحقيق تلك المقاصد بوسائل مختلفة.

الثانية: هي أنها تتحقق في مجتمع بدائي، أو بدوي، تنقله نقلة نوعية إلى الأمام ثم لا تكون ثمة حاجة إليها بعد ذلك؛ إذ يتجاوزها الزمن وتصبح عديمة الجدوى.

الثالثة: هي أنها تتحقق في مجتمع مدني نموذجه الأول -وليس الأخير- هو مجتمع المدينة الذي تشكل بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب، وبادر بتغيير اسمها إلى المدينة.

تلك هي الاحتمالات النظرية الثلاثة التي تقدم إجابات مختلفة عن السؤال الذي نناقش فيه طبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي الأنسب لتحقيق مقاصد الشريعة. 

في رأينا أن الشريعة لا تتحقق مقاصدها العامة إلا في مجتمع مدني متقدم، والأخذ بمقاصد الشريعة وتطبيقها هو من أهم الأسباب التي توصل المجتمع إلى أعلى مراحل تقدمه، وهذه هي الأسباب: 

1- أن جملة المقاصد الشرعية -كما عرفها مؤسسو نظرية المقاصد على تعاقب الأزمان- لا يمكن تصورها متحققة خارج نطاق مجموعات من البشر بينهم شبكة كثيفة من العلاقات والمصالح، والاختلافات في العقائد والمذاهب والثقافات، فإن لم تكن هذه الشبكة موجودة، فستوجدها السيرورة الاجتماعية للمقاصد وهي تنتقل من حيز التجريد النظري إلى مستوى التطبيق والممارسة العملية، وهو عين ما حدث في التاريخ الإسلامي.

2- أن مقاصد الشريعة هي التي وفّرت الشرط الضروري واللازم لوجود المجتمع المدني ذاته، وتمثل هذا الشرط في وجود مجال عام محدد المعالم ويمكن تمييزه عن المجال الخاص ولكنه غير منبت الصلة به -وبدون وجود «مجال عام» فلا وجود لمجتمع مدني أصلًا- ونظرية المقاصد هي التي أوجدت الرابطة بين العام والخاص، فهي التي أوضحت، مثلًا، أن من قتل نفسًا واحدة، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحيا نفسًا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن هنا كان «حفظ النفس»، على حد تعبير الفقهاء إحدى الضرورات الخمس ضمن المقاصد العامة. 

3- في المجتمع المدني، وبدءًا بالنموذج الذي أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، يمكن الجمع بين مصلحتي الدنيا والآخرة، أو المعاش والمعاد.

أما في المجتمع الديني بالمعنى السابق شرحه، فلا مجال لرعاية مصالح الحياة الدنيا؛ إذ يتجه الجهد كله إلى الحياة ما بعد الموت لا قبله.

وفي المجتمع البدائي لا يكاد الوعي ينصرف إلى أكثر من تدبير شؤون العيش مع بعض التصورات البدائية عن قوى خارقة، أو آلهة موهومة يجد الإنسان البدائي نفسه مضطرًا للإيمان بها لتأمين حياته الدنيوية فقط.

في الإسلام لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم «بع ما تملك واتبعني» لكنه قال لمن استشاره في ما تصدق به من ماله «الثلث» والثلث كثير.

 

الرابط المختصر :