العنوان في الساحة المصرية- أين حزب الوفد الجديد؟!
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1988
مشاهدات 76
نشر في العدد 857
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 08-مارس-1988
القاهرة- من
مراسل المجتمع:
عندما ظهر حزب
"الوفد الجديد" في ساحة العمل السياسي في مصر، تنبأ له بعض المراقبين
بمستقبل يحمل معه التفاؤل، أكثر مما يستند إلى أرض الواقع. وتمادت التحليلات
السياسية والصحفية في التبشير بدور حزب الوفد الجديد في العمل الحزبي في مصر، بل
وتأثيره في مستقبل الحياة المصرية عمومًا.
وربما وجدت هذه
التحليلات بعض العذر، فقد كان حزب الوفد "القديم" يتمتع بقاعدة شعبية
واسعة، إضافة إلى الترحيب الشعبي الذي ظهر بعد عودة الحزب إلى ساحة العمل السياسي
في خريف 1983، وكان ذلك قبيل الانتخابات البرلمانية بنحو 6 أشهر. وأدى هذا الترحيب
-بالإضافة إلى نجاح قادة الحزب في التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين في
الانتخابات- إلى تصدر الحزب "الوليد" زعامة المعارضة، وحصوله على عدد من
النواب في مجلس الشعب وصل إلى 58 نائبًا، بالرغم من وجود أحزاب معارضة أخرى مثل
حزب العمل الاشتراكي، وحزب الأحرار، وحزب التجمع الوحدوي. بعد مرور أكثر من 4
سنوات على عودة الحزب إلى نشاطه.. نطرح تساؤلًا: أين حزب الوفد الجديد؟!
بدأ حزب الوفد
الجديد نشاطه عقب السماح للأحزاب السياسية بالعمل. كان ذلك في عام 1978، ولكنه
أعلن تجميد نشاطه بعد 3 أشهر، احتجاجًا على بعض الممارسات السياسية لرئيس الدولة
في ذلك الوقت. ثم عاد الحزب واستأنف النشاط بعد رفع دعوى أمام القضاء وحصل على حكم
يسمح له بمزاولة العمل السياسي. وفي نفس الوقت حصل الأستاذ فؤاد باشا سراج الدين،
رئيس الحزب وسكرتير حزب الوفد القديم، على حكم قضائي برفع العزل السياسي عنه،
والذي كانت قد فرضته قرارات حركة يوليو على عدد من السياسيين قبل 1952. كانت عودة
الحزب في نوفمبر 1983. وكان مقررًا أن تجرى الانتخابات النيابية في مايو 1984، أي
بعد عودة الحزب بنحو 6 أشهر.
جاءت الانتخابات
البرلمانية كأول اختبار عملي للحزب وقيادته وشعبيته، وبالفعل كانت المدة الزمنية
المتاحة قصيرة، ولكن الحزب وقيادته نجحوا في استغلالها. وساعدهم في ذلك أمور 3
رئيسية:
أولها: نجاح
الحزب في الاتفاق مع جماعة الإخوان المسلمين على مساندته في الانتخابات وله أكبر
الأثر في حصول الحزب على نسبة 15% من جملة الأصوات الانتخابية، بالرغم من التزوير
الذي حدث لصالح حزب الحكومة. وثانيها: أن الحزب كان في رأي الكثيرين هو حزب الوقوف
في وجه الحكومة أو البديل الأفضل لها، وبخاصة أنه لم يخرج من "جيب"
الحكومة مثل الأحزاب المعارضة الأخرى. وثالثها: أن الحزب استغل وفاء بعض العائلات
لحزب الوفد القديم "الذي تزعمه سعد زغلول ومصطفى النحاس" ورشح من بينها
أفرادًا، وبذلك تمكن من تجميع أصوات هذه العائلات، وهي منتشرة في عدد من
المحافظات.
وفقد الحزب
زعامة المعارضة
وعمومًا، فقد
كانت هناك ظروف كثيرة -رغم قصر المدة- مهيأة لحزب الوفد الجديد لتولي زعامة
المعارضة في انتخابات مايو 1984، وحصل الحزب -كما أسلفنا- على نسبة 15% من أصوات
الناخبين، في حين حصلت بقية الأحزاب المعارضة "العمل الاشتراكي- الأحرار-
التجمع الوحدوي" على حوالي 12% فقط من جملة الأصوات. ولكن الأمر تغير في
انتخابات أبريل 1987، حيث تراجعت النسبة التي حصل عليها الوفد إلى 10.9% من جملة
الأصوات، وبالتالي فقد الحزب زعامة المعارضة وأصبح له 27 نائبًا فقط؛ أي نقص
أعضاؤه في مجلس الشعب بأكثر من 50%، وانتقلت زعامة المعارضة إلى حزب العمل
الاشتراكي رسميًّا، بينما انتقلت زعامة المعارضة واقعيًّا إلى نواب الإخوان
المسلمين؛ حيث إن عدد نواب الإخوان في المجلس 36 نائبًا، وحزب الوفد 27 نائبًا،
وحزب العمل 22 نائبًا، وحزب الأحرار نائبان. ومن هنا فقد حزب الوفد الكثير في
انتخابات أبريل 1987؛ حيث رفض التحالف مع جماعة الإخوان، بالإضافة إلى فشله على
مدى السنوات 3 -من مايو 1984 إلى أبريل 1987- في الاتصال بالجماهير، وإقناعهم
بسياسات الحزب. ومن المفارقات الغريبة التي حصلت لحزب الوفد في الانتخابات الأخيرة
"أبريل 1987" أنه ممثل في المجلس بنحو 20 نائبًا من العمال والفلاحين،
و7 فقط من الفئات! وهو ما يمثل ضربة للعمل البرلماني لحزب الوفد الذي خاض أساسًا
نسبة الـ50% عمال وفلاحين، أعضاء في مجلس الشعب، وسبب هذه المفارقة هو الانتخابات
التي فصلها الحزب الوطني سبيلًا!
وحزب الوفد
الجديد هو حزب ليبرالي، يؤمن بالعلمانية كفلسفة ثابتة له؛ بمعنى فصل الدين عن
الدولة، بالرغم من محاولات رئيس الحزب نفي ذلك. وقد تخلص الحزب من أحد الرموز
الإسلامية، حيث كان عضوًا في الهيئة العليا، وهو فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل،
وقد بدأ الصراع بين الشيخ صلاح وبين الهيئة العليا بعدما تبين الخط العلماني
للحزب، وعدم إحلال النظرة الإسلامية محل النظرة الحزبية للأمور.
ويحاول حزب
الوفد كذلك أن يثبت أنه حزب الوحدة الوطنية؛ بمعنى أنه الحزب الذي يؤيده الأقباط،
ولذا اختار السكرتير العام للحزب قبطيًّا، وعددًا من القيادات القبطية في الهيكل
التنظيمي للحزب، ولكن الأحزاب الأخرى سواء حزب الحكومة أو الأحزاب المعارضة انتزعت
منه هذا السلاح.
من يخلف سراج
الدين؟
ويمكن القول بأن
حزب الوفد الجديد يعتمد بصورة كبيرة في هيكله التنظيمي وصورته العامة على شخصية
رئيسه الأستاذ فؤاد سراج الدين، والذي وصل إلى درجة متقدمة من العمر "84
سنة" لا تمكنه من التفاعل مع الأمور بصورة سريعة، وتجعل حساباته كذلك على
المستوى السياسي والمستوى العام لا يحالفها التوفيق في كثير من الأحيان. ويدور
الحديث الآن حول من يخلف سراج الدين في زعامة الحزب، بينما يتولى شقيقه الأستاذ
ياسين سراج الدين رئاسة الهيئة البرلمانية للحزب، فهل سيخلفه في رئاسة الحزب أم
لا؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام.
المهم أن حزب
الوفد، بالرغم من مرور أكثر من 4 سنوات على عودته لممارسة نشاطه في ساحة العمل
السياسي، إلا أنه لم يتمكن من إعداد كوادر مؤهلة لكسب ثقة الجماهير والتفاعل معها
بالقدر المطلوب. وبالتالي لم يتمكن من كسب أرض جديدة في العمل الجماهيري، إن لم
نقل: إنه خسر بعضها!
وصحيفة الوفد
التي تصدر يوميًّا منذ مارس 1987 هي الصحيفة الناطقة بلسان الحزب، وهي أول صحيفة
حزبية يومية تصدر منذ حركة يوليو 1952. وبالرغم من أن توزيع الصحيفة يفوق مثيلاتها
من الصحف الحزبية الأخرى، إلا أنها تعاني من الانفصال الواضح بين ممارسات الحزب
وبين ما يكتب فيها، وهي في كثير من الأحيان تعبر عن صحفيين أكثر مما تعبر عن
وفديين. وتعتمد الصحيفة على الصفحات الرياضية والحوادث وكذلك صفحات الفن، لزيادة
توزيعها، وهذا هو السر في ارتفاع أرقام التوزيع بين مثيلاتها من الصحف الحزبية
الأخرى.
عدم الذكاء
السياسي:
ومواقف حزب
الوفد السياسية والجماهيرية تتسم بسوء التقدير للأمور وعدم الذكاء السياسي، وموقف
الحزب من ترشيح الرئيس مبارك لفترة رئاسية ثانية أوضح دليل على ذلك. ففي الوقت
الذي التقى فيه الأستاذ فؤاد سراج الدين رئيس الحزب بالرئيس مبارك قبيل الإعلان عن
التجديد لفترة ثانية، وصرح للصحف القومية والحزبية، وأعلن أمام الهيئة العليا
للحزب ثقته وتقديره للرئيس مبارك وامتدحه في أكثر من مكان، نجد أن الحزب يتخذ
موقفًا هزيلًا حيث يعلن معارضته لـ"إجراءات" ترشيح مبارك، وأنه ليس له
اعتراض على شخص الرئيس، وينجح الدكتور رفعت المحجوب في إحداث التصدع في الهيئة
البرلمانية للحزب، ويعلن 6 من نواب الوفد استقالتهم من الحزب لموقفه "غير
الواضح" من ترشيح الرئيس مبارك، بينما ينسحب النواب الباقون من جلسة مجلس
الشعب احتجاجًا على "إجراءات" ترشيح مبارك! ويبدو حزب الوفد كأنه لا
يعارض ترشيح الرئيس ولا يؤيده كذلك!
أما موقف الحزب
مثلًا من الخطة الخمسية الثانية، التي تنفذها الحكومة، والتي تعمل تحت رعاية
الرئيس مبارك، فمختلف؛ حيث يؤيد الحزب -على طول الخط- آراء الحكومة، ويبدو الأستاذ
ياسين سراج الدين، ممثل الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، وكأنه يتحدث نيابة عن
الحكومة، تأييدًا ودفاعًا عن الخطة الخمسية الثانية! فيقول مثلًا: إن اللجنة
الاقتصادية بحزب الوفد أعدت تقريرًا لا يختلف كثيرًا عن بيان الحكومة، بل يكاد
يتطابق معه، وكذلك اللجنة الصحية وهكذا.
وتكاد تكون
مواقف نواب حزب الوفد -عدا نائب 1 أو 2- تتفق تمامًا مع وجهات نظر الحكومة، بغض
النظر عن تصور الحزب لرد الفعل الجماهيري إزاء هذا الموقف، ومدى استعداد الشعب
للتفاعل مع حزب معارض أقرب إلى حزب الحكومة منه إلى شيء آخر. وهناك معنى يحاول حزب
الوفد دائمًا أن يصل إلى الحكومة، وهو أن حزب الوفد هو جزء من النظام، وأنه لا خوف
منه، ولكن الخوف هو من حزب العمل، الذي يحتضن التيار الإسلامي، وهو الأولى
بالمواجهة والتضييق، وأنه الخارج على النظام، والذي يمكن أن يهدده، وهو معنى لا
يخفى أن له آثارًا سلبية على المستقبل الجماهيري لحزب الوفد، بغض النظر عن تقدير
السلطة لذلك.
التيار الإسلامي
خطر على الوفد:
وينظر حزب الوفد
إلى الاتجاهات الأخرى نظرة فيها شيء من الاستهانة بها، فيما عدا الاتجاه الإسلامي؛
حيث صرح عدد من قادة الحزب أن الخطر الحقيقي هو خطر الاتجاه الإسلامي، وهو الذي
ينبغي التصدي له وأن المعركة الحقيقية ليست مع الحزب الوطني، أو حزب التجمع
اليساري، ولكنها مع التيار الإسلامي. وقد أخذت هذه الكتابات بعدًا أكبر بعد
انتخابات أبريل 1987، التي دخلها الوفد بعيدًا عن التحالفات وتعرض خلالها لحرب
أعصاب: هل يحصل على نسبة الـ8% اللازمة لتمثيله في البرلمان أم لا؟
وحزب الوفد -في
النهاية- لم يحقق حتى الآن أية مكاسب في القطاعات الجماهيرية مثل انتخابات
النقابات المهنية أو نوادي هيئات التدريس بالجامعات أو الاتحادات الطلابية، اللهم
إلا في نقابة المحامين، حيث فازت بعض القيادات التي كانت ممثلة في مجلس النقابة
قبل إعلان ظهور حزب الوفد الجديد. وكثير من تلك القطاعات الجماهيرية لم يرشح الحزب
فيها أحدًا؛ لأنه ليس له وجود، وكان من المنتظر أن يكون الحال على غير هذه الحال،
وأن يبدو أثر الحزب في الشارع المصري وكذلك في ساحة العمل السياسي بصورة أفضل، لكن
الواقع يقول بغير ذلك.
إن النظرة
المستقبلية لحزب "الوفد الجديد" تقول بأنه ما لم يتمكن الحزب من تكوين
وبلورة رؤية واضحة للقضايا التي تشغل المجتمع المصري، بحيث يتفاعل معها رجل الشارع
العادي، وما لم يتمكن الحزب من اتخاذ مواقف متناسقة مع أهدافه ومبادئه، وما لم يسع
الحزب إلى التأثير في الجماهير بصورة تختلف عن الواقع الحالي، ما لم يحدث ذلك
بالإضافة إلى إعداد هيكل تنظيمي قوي يستفيد من خبرة الشيوخ ويعتمد على نشاط
الشباب، فإن مستقبل الحزب في العمل السياسي لن يكون واضحًا، خصوصًا وأن أكثر ما
يدعوه للتماسك الآن هو وجود الأستاذ فؤاد سراج الدين على رأسه، فهل يتحول حزب
الوفد الجديد -حزب الطبقة الغنية- إلى حزب النصف في المائة؟! أم تتمكن قيادته
الطاعنة في السن من الخروج من أزمته في التعامل مع الواقع السياسي ومع الجماهير
إلى بر الأمان.. هذا ما سوف تحمله الأيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل