العنوان أيها الأمريكان: حررتمونا.. أم استعبدتمونا؟!
الكاتب عبدالرزاق خليفة الشايجي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 04-يناير-2000
(*) العميد المساعد بكلية الشريعة جامعة الكويت.
شنت صحيفة الواشنطن تايمز الأمريكية حربًا لا هوادة فيها على الكويت والكويتيين ونواب مجلس الأمة، وخاصة د. وليد الطبطبائي، حيث نشرت الصحيفة في 11 ديسمبر الماضي مقالًا يعبر عن خيبة أملها لفشل البرلمان الكويتي في تمرير القانون الخاص بحقوق المرأة السياسية مشيرة بسلبية إلى مواقف بعض السياسيين المعارضين للقانون.
جاء ذلك ضمن المقال الموسوم بـ«Kuwait Fizzled Bombshell« وأقرب ترجمة لها هي «قنبلة الكويت الفقاعية»، يبدأ المقال بالتهكم على وصف الكويتيين لبلدهم بأنها أكثر بلدان الخليج تحضرًا، لكن بعد التصويت على قانون المرأة نتصور بأن الكويتيين يبالغون بإعطاء هذه التسمية لبلدهم.
بعد ذلك تطرقت الصحيفة إلى الأسباب التي أدت إلى سقوط قانون المرأة وأكدت أن السبب الرئيس للفشل هو تراجع المجتمع الكويتي نفسه، وتساءلت كيف يصوت أنصار الحكومة في مجلس الأمة ضد المشروع؟ وأجابت عن التساؤل بالقول: يبدو أن الحكومة لا تريد الضغط على نوابها لتمرير القانون.. واضح جدًا أن الحكومة لا تؤمن فعلًا بتوسيع مفهوم المشاركة السياسية.
وعلقت على الموقف الحكومي بالقول إن ذلك أمر مؤسف لأن الولايات المتحدة التي قادت قوات التحالف الغربي الذي حرر الكويت قد سعت لدى الحكومة الكويتية بطلب إعطاء المرأة حقوقها السياسية، وكان من المفروض على الحكومة أن تضغط على نوابها في المجلس، واستمرت الصحيفة في تعليقها قائلة: مع الأسف لم تقدم الحكومة الكويتية أي شيء ملموس يمكن من خلاله تلمس شكر وتقدير الكويت للولايات المتحدة على تحريرها. وعادت الصحيفة تعلق على موقف النواب بالقول: يمكن للمشرعين الكويتيين تقديم الشكر للولايات المتحدة للمساعدات العسكرية والاقتصادية، لكن النائب الطبطبائي علق -والحديث ما زال للواشنطن بوست- قائلًا: إن قضية التصويت قضية داخلية ونحن لا نقبل تدخل السفير الأمريكي أو أي شخص آخر، جاء تعليق الطبطبائي ردًا على البرقية التي بعثها الرئيس الأمريكي كلينتون لأمير الكويت يهنئه على توقيع مرسوم المرأة.
وأنهت الصحيفة تعليقها بالقول: «إذا كان النائب الطبطبائي يعارض التدخل الأمريكي لنرى ماذا سيفعل إذا تم تهديد الكويت مرة أخرى، فإذا حدث ذلك فعلًا فعلى النائب الطبطبائي أن يفكر مليًا قبل أن يعلق على موضوع المرأة وحقوقها، ربما في المرة المقبلة التي يهدد فيها صدام الكويت يكون مناسبًا جدًا تقديم قانون حقوق المرأة».
أمام هذا الهجوم «الفج»، والتدخل في الشؤون الداخلية لم يستطع مدير المكتب الإعلامي الكويتي في واشنطن الدكتور شفيق الغبرا المعروف باتجاهاته الليبرالية وعشقه لأمريكا إلا أن يرد ردًا لطيفًا مؤدبًا مدعيًّا أن الحقوق السياسية للمرأة الكويتية لن تتحقق من دون جهد أو في ليلة وضحاها، وأضاف الغبرا موضحًا في رده اللطيف: «إنه نتيجة لتوازن القوى في الكويت فإن السلطة التنفيذية العليا لا تحصل على مرادها دائمًا»، جاء ذلك في توضيحه المنشور في جريدة الوطن «21/12/1999م»
وإن كان هذا موقف د. الغبرا الذي يمليه عليه منصبه فإن رفيقه في التجمع الوطني الديمقراطي د. شملان العيسى برر الهجوم الأمريكي غير المبرر عبر مقاله المنشور في السياسة «٢٠/١٢/ ۱۹۹۹م»، بأن «ما ورد في «الواشنطن تايمز» وجهة نظر لا يمكن تجاهلها والتغافل عنها أو إهمالها، لا من النواب ولا الحكومة ولا الشعب الكويتي، ويجب الحذر من المغالاة في التطرف وطرح وجهات النظر التي تهدد أمن الكويت الخارجي وعدم التعرض للأمور التي قد تهدد مصالحنا الوطنية، كما علينا أن نعي تمامًا مدى الضرر الذي قد يلحق بعلاقتنا مع الولايات المتحدة والدول الغربية».
أقول: للأسف أن تصدر هذه العبارات من أستاذ علوم سياسية يعي تمامًا أن أمريكا ما دافعت عن الكويت «لسواد عيون أهلها» إنما دفاعًا عن مصالحها الحيوية في المنطقة من ناحية، ومن ناحية أخرى للحفاظ على التوازنات السياسية، حيث أكد أكثر من مسؤول أمريكي استمرارية التزام الولايات المتحدة بأمن واستقرار منطقة الخليج في ظل وجود مصالحها بالمنطقة.
فعلى سبيل المثال قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى ريتشارد ميرفي في مقابلة خاصة مع وكالة الأنباء الكويتية يوم ۱۹/۱۲/ ۱۹۹۹م، أجرتها معه خلال حضوره مؤتمرًا دوليًّا حول القدس في العاصمة البريطانية لندن أن أمريكا «لن تغادر الخليج بسهولة»، مشيرًا إلى أن مصلحة بلاده بعيدة المدى تحتم عليها البقاء في المنطقة، وأضاف إن من مصلحة أمريكا أن تجد وسيلة تجعل من وجودها لفترة طويلة في الخليج مقبولًا ومريحًا بما فيه الكفاية، مؤكدًا أن «التزامنا سوف يتبع مصالحنا».
وهذا يفسر ما قامت به أمريكا مؤخرًا من تعزيز قواعدها الجوية في الكويت حيث صرح وزير الدفاع وليام كوهين في مؤتمره الصحفي الذي عقده في الكويت بأن «ما نريده هو زيادة قدرة قواعدنا على استيعاب قوات، والتأكد من أن لدينا مجالًا أوسع للطائرات وتسهيلات أخرى لاستقبال عدد كبير من الطائرات»، وبالطبع كل هذا من أموال الكويت فقد صرح كوهين بأن كلفة مشروع الإقامة الأمريكية الدائمة في الكويت قرابة ۱۷۳ مليون دولار، وستتوزع النفقات بين أمريكا والكويت ثم قال في آخر تصريحه الذي نشرته جريدة الشرق الأوسط في عددها «٧٦٣٦»: «إن الشعب والحكومة في الكويت كانا في غاية الكرم في دعمهما للمشاركة في أهداف الولايات المتحدة في المنطقة ونأمل في أن نستمر في تلقي دعم الشعب الكويتي».
إن ظن صحيفة «الواشنطن بوست» أن أمريكا بمجرد دفاعها عن مصالحها في الخليج واستماتتها في المحافظة على التوازنات السياسية مع تحمل دول الخليج نصيبًا كبيرًا من تكاليف الإقامة الأمريكية الدائمة في الخليج يجبر دول المنطقة على «الانبطاح» لها لتفعل فيها ما يحلو لها لهو ظن خاطئ إذ إن على الساسة الأمريكان أن يتفهموا خصوصية المجتمع الكويتي وأن يعلموا أن أي محاولة لفرض ما يخالف قيم الشعب ويخترق النسيج الاجتماعي للمجتمع الكويتي سيكون له الأثر السلبي على اللحمة الداخلية.
لقد كان الأجدر به «الواشنطن بوست» أن تحترم إرادة الشعب الكويتي الذي عبر عن رأيه عن تصويت مجلس الأمة الكويتي الذي انحاز لهوية الشعب وفق النظم الديمقراطية التي تنادي بها «ماما أمريكا»، وألا تتدخل في أمور داخلية خلص مجلس الأمة إلى رفضها أو إقرارها.
كان الأولى بـ«الواشنطن بوست» على حد تعبير المجتمع أن تهاجم الأنظمة المستبدة في عالمنا العربي التي تنتهك أبسط حقوق الإنسان، وتزور إرادة شعوبها جهارًا نهارًا، وتداس فيها الدساتير والقوانين وحقوق الإنسان، وقواعد الديمقراطية بالأقدام من قبل أنظمة انقلابية صنعها الغرب لتحقق مصالحه.
ولا أخالني بحاجة إلى بيان المزيد من العربدة الأمريكية في الخليج، وخاصة الكويت، لكن لي رجاء أن تعتبر السفارة الأمريكية بالكويت مقالي هذا بمثابة رد من كاتب في «صحيفة كويتية»، على «صحيفة أمريكية»، وأن تكتفي بترجمة المقالة ولا تحمل نفسها عناء الرد لأن ليبرالي الكويت سيكفونها المؤونة.
عرب ولكن لو نزعت قشورهم
لوجدت أن اللب أمريكان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل