العنوان أيها الراقدون تحت التراب: كفى مواتًا!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1484
نشر في الصفحة 47
السبت 12-يناير-2002
الحقيقة الجلية الواضحة للعيان والتي أصبحت ظاهرة كالشمس في رائعة النهار، أن هذه الأمة لم تتقدم ولا قيد أنملة، بل لا أكون مبالغًا إذا قلت إنها تنتكس إلى الوراء، وفقدت إحساسها بالزمن، وشعورها بالحياة من حولها، وعميت عن الطريق السديد والعمل الرشيد، وانسلت من الحياة وانزوت خارج التاريخ، وطأطأت رأسها ومدت ظهرها تارة للاستعمار وأخرى للاستعباد والعمالة، ونسيت أنها تعيش في دنيا السباع التي تقتات على لحوم الضعفاء، وتخالط الذئاب والثعالب التي تتحين الأوقات للانقضاض على فرائسها من الغافلين النائمين، والأمة العربية والإسلامية اليوم تزدرد وتلتهم وتؤكل وتجثم الوحوش على صدرها، وتتحول في بطون تلك الوحوش إلى قوة وحيوية لها.
فمثلًا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن فلسطين احتُلت من قِبل اليهود بسهولة بالغة نتيجة للوهن العربي، والضياع العربي، ثم تعمق الكيان الصهيوني حربيًّا وعلميًّا في الفراغ العربي الذي حولته إسرائيل إلى قوة لها، وكان إخفاق الوطن العربي في تطوير نفسه وإمكاناته الهائلة هو المعين الأكبر للصهاينة على التعملق، فكانت قوة الصهاينة مشروطة بعدم قدرة العرب على تطوير منظومتهم الوطنية للعلم والتقانة التكنولوجية.
العصابات النازحة من هنا وهناك، تلك «الدولة اللقيطة» كما كانت تسميها الدول العربية أو «المزعومة» كما كانت تسميها الأنظمة التقدمية قد تعملقت وفجرت، ويجب على الأنظمة أن تخجل، بل تتوارى اليوم أمامها لأن إسرائيل قامت وقعدوا وعملت وضيعوا، وجدت وهزلوا، وسهرت وناموا، أنشأت برنامج سلاحها النووي بمساعدة فرنسية في أواخر الخمسينيات، وأنشأت أيضًا برامج بحوث واسعة في الحرب البيولوجية والكيماوية التي وضعت الأساس للمركب الصناعي -العسكري الإسرائيلي الذي كان نتاجًا لجهود وزارة الدفاع- وتضمن البرنامج -الذي أنشئ خلال تلك الفترة- تصنيع أسلحة خفيفة وأسلحة ثقيلة ومدفعية ذاتية الحركة وإنتاج دبابات وطائرات قتال نفاثة، وتصميم وإنتاج طائرات بدون طيار، وأنظمة أسلحة بحرية تشمل زوارق وأنظمة قيادة ورقابة وصواريخ مضادة، وتطوير أنظمة إرشاد وقنابل ومعدات تشويش إلكترونية، وإنتاج كل سلاسل أنظمة المواصلات العسكرية.
وكان الاستعداد للصناعات العسكرية الإسرائيلية مبكرًا قبل وجود الكيان الصهيوني، ففي عام ١٩٣٠م تأسست الصناعات العسكرية ضمن منظمة الهاجانا الصهيونية، وهي الآن شركة تملكها الدولة، وكانت توظف في عام ۱۹۸۳م 15,000 موظف، وبلغت قيمة إنتاجها ٥٥٠ مليون دولار، وفي ذلك الوقت قامت بتصدير٤٠% من إنتاجها.
وأنشئت صناعات الطيران الإسرائيلي (IAI) وهي مؤسسة تملكها الدولة في عام ١٩٤٥م، وكانت متخصصة في الأصل في إصلاح الطائرات، وفي عام ۱۹۸۳م كان لديها ۲۰ ألف موظف، ويبلغ حجم إنتاجها المليارات، وتصدر حوالي ٣٠٪ من الإنتاج.
وأنشأ الكيان الصهيوني مؤسسة رافاييل لتطوير وسائط القتال في عام ١٩٤٨م، وأسس شركة تلراد التي وضعت أسس الصناعات العسكرية المحلية، وقامت بصناعة قذائف المدفعية وشركة تديران التي تخصصت في صناعة الطائرات بدون طيار. هذا عدا كثير من الشركات الصناعية المساعدة التي تلبي الحاجة الحربية والمدنية والبحرية، وقد تقدمت إسرائيل كذلك في الصناعات المدنية، فكونت لذلك الشركات المدنية التي أدرجت أسهمها في أسواق الأسهم والسندات العالمية، لأن هذه المؤسسات والشركات عالية التقانة في بلد صغير، فأسست شركة السنت ليمتد في عام ١٩٦٩م لتصنيع المعدات الطبية، وفي عام ۱۹۷۸م بلغت دورة إنتاجها عشرين مليون دولار، وفي ۱۹۹۰ م غدت ١٦٠ مليون دولار وتصدر ۹۰% من إنتاجها، كما أنشأت شركة ستيكس ليمتد في عام ١٩٦٨م، وهي شركة رائدة على مستوى عالمي لمعالجة الألوان والرسوم الحاسوبية بلغت مبيعاتها ٣٥٢ مليون دولار في عام ۱۹۹۰م، وشركة تيفا للمواد الصيدلية، كما كونت شركات عدة لصناعة الإلكترونيات بلغت ٧٥ شركة بلغت مبيعاتها ملياري دولار في العام، وتصدر ٦٧% من إنتاجها وتخصص الكثير من إنتاجها للأنظمة العسكرية.
كما استطاع الكيان الصهيوني أن ينشئ مع أمريكا «مؤسسة البحث والتطوير الإسرائيلية الأمريكية»، حيث قامت هذه المؤسسة بالكثير الكثير من المشروعات، وطورت الكثير الكثير من الاختراعات والتقنيات، واستطاع الكيان الصهيوني أن يحصل على كثير من الأسرار النووية والبيولوجية، وحصل على معرفة عظيمة علمية وتقنية أمريكية سرية بدون عناء، وعلى هذا فإن تلك التطورات الراهنة في الكيان الصهيوني ستمكنه من زيادة تفوقه الحربي على الأوطان العربية مجتمعة، وبما أنه لم تصدر إشارات عن الحكومات العربية بأنها تعتزم اتباع سياسات تقنية مختلفة، فإن تقديرات الخبراء تقرر أن الوطن العربي سيواجه في حوالي سنين عدة الكيان الصهيوني المتفوق حربيًّا وعلميًّا وتكنولوجيًّا وتقنيًّا، فيكون بذلك قادرًا على إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية مجتمعة، وفي الوقت نفسه إبادة كافة المدن العربية التي يفوق عدد سكانها ٢٥٠ مليون نسمة بالأسلحة النووية، ويكون كذلك قادرًا على التفوق في مجال الصناعات المدنية والحربية والنشر والاتصال على الوطن العربي كله بمقدار الضعف أو أكثر، كما أنه سيكون قادرًا على مساواة إنتاجه الاقتصادي بإنتاج الوطن العربي كله، وبعد.
لا شك أنه يؤلم كل عربي ومسلم أن يرى تلك الفجوة الهائلة بين الكيان الصهيوني والأمة العربية التي لا تريد أن تطور أسلوبها السياسي والعلمي والاجتماعي، ولا تريد كذلك أن تعي الخطر المحدق بها وهي ترى الكيان الصهيوني يعد العدة لقضم الأراضي العربية وسحق الإنسان العربي، والسؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: إلى متى هذا الموت العقلي والعمى البصري؟ وإلى متى يظل الفساد والضياع والجهل هو سيد الموقف؟! إن الكيان الصهيوني وحلفاءه سيفعلون ما يريدون ما دام ميزان القوى العسكري والاقتصادي والتكنولوجي لصالحهم ويزداد ميلًا ميلًا يومًا بعد يوم، فما الذي يمنع الكيان الصهيوني من تحقيق حلمه في التوسع من النيل إلى الفرات؟!
يجب أن تعرف الشعوب هذه الحقائق حتى ترى أمرها وتدبر شأنها قبل فوات الأوان، فلم يعد هناك وقت للضياع ولا للهزل، فالتبعة ثقيلة والطريق طويل، وكفى مواتًا أيها الراقدون تحت التراب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.