; إلام ندعو.. وكيف..؟ (9) سر الخلاف وعلة المختلفين | مجلة المجتمع

العنوان إلام ندعو.. وكيف..؟ (9) سر الخلاف وعلة المختلفين

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1972

مشاهدات 70

نشر في العدد 124

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 31-أكتوبر-1972

إلام ندعو.. وكيف..؟ ٩

سر الخلاف وعلة المختلفين

بقلم: الأستاذ محمد سلامة جبر

قلت في كلمة سابقة:

الخلاف حتم لازم لا مفر منه، وقدر جازم لا محيص عنه، غير أن المنصف من يقول «قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب»  والسعيد من يقول: «إذا تعارض قولي والحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط» والمؤمن المستسلم لله من يقول: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» وإلا، فليس إلا التحكم الجائر، واتباع الهوى المضل.

﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ولقد وقع الخلاف أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع أيام خلفائه الراشدين المهديين، واستمر وقوعه منذ تلك العصور إلى عصرنا وحتى تقوم الساعة بذلك جرت سنة الله، واقتضته حكمته.

غير أن للاجتهاد شروطًا، وللخلاف حدودًا، وللجدل بحثًا عن الحق قواعد وآدابًا .

فمن اجتهد بغير أهلية هلك.

ومن خالف فيما لا يجوز الخلاف فيه ابتدع.

ومن تجاوز الأدب في مناظرة العلماء، فبئس ما صنع، لذا فلا ينبغي ملاينة كل مخالف، ولا إقرار كل خلاف، فمن بعض المخالفين من يظهر من خلافه أن الخلاف غايته، والعناد سجيته، والكبرياء على الحق طبيعته، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله «الكبر بطر الحق، وغمط الناس» وبطر الحق رده، وغمط الناس ازدراؤهم .

• •

«ضرورة الخلاف»

ومع ذلك فالخلاف ضرورة لا مفر منها، لأنه ناشئ عن حقيقة لا مراء فيها، ومترتب على واقع لا خروج عنه، ومتفرع عن أصل لا فكاك منه، ذلك هو أصل الخلقة، فما خلق الله اثنين يتشابهان من كل وجه حتى لا يتصور بينهما خلاف أصلًا.

وتلك هي الفردية، واستنادًا إلى هذه الحقيقة التي ثبتت علميًا في عصرنا هذا أصبحت البصمات دليل اتهام أو براءة.

ولهذه الحقيقة يرفض كل جسم أن يزرع فيه جزءًا من جسم آخر إلا أن يحتال الأطباء في خداع الجسم بوسائلهم الخاصة حتى لا يدرك أنه قد زرع فيه عضو غريب عنه.

وتلك مسلمة علمية أثبتت ما قاله علماؤنا بالنظر وعللوه باتساع القدرة الإلهية.

وكما كانت الفردية حقيقة من الناحية العضوية، هي كذلك حقيقة من الناحيتين النفسية والعقلية.

ولعل أبلغ دليل على تحقق ذلك الاختصاص وأهميته في الخلق، ظهوره واضحًا في أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ولو كان الكمال يقاس بالمتر ويوزن بالرطل، لكان من مقتضى كمال الأنبياء أن يوجدوا على خلقة واحدة.

ولكنهم متفاوتون، ولكل منهم خاصة تفرد بها.

غير أن تلك الخاصية لا تستلزم الأفضلية.

فالعبد الصالح في سورة الكهف تفرد عن موسى عليه السلام بخاصة معلومة عبر عنها بقوله: «إنك على علم علمكه الله لست أعلمه، وأنا على علم علمنيه ربي لست تعلمه».

وما كان العبد الصالح بأفضل من موسى عليه السلام وهو نبي الله.

ولكن.. يريد الله أن يعلمنا ولقد خالف موسى العبد الصالح، وخالف سليمان داود إذ يحكمان في الحرث، وخالف موسى أخاه هارون لسكوته على عبادة بني إسرائيل العجل، فلما أدلى حجته وقال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي  واستغفر موسى لنفسه ولأخيه.

ولقد عجب رسولنا صلى الله عليه وسلم من يوسف وصبره حين دعي إلى الخروج من السجن ومقابلة الملك فقال عليه السلام ﴿ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ  فقد روی این جرير الطبري في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم بشيء حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر».

وفي رواية أخرى «لو بعث إلي، لأسرعت في الإجابة وما ابتغيت العذر»

وما كان يوسف بأصبر من محمد صلى الله عليهما وعلى أنبيائه أجمعين.

ولكنها الفردية.. واختصاص كل بخاصة..

وهؤلاء أنبياء الله، ولو كان الرأي الواحد دليل كمال لكان الأنبياء في ذلك لنا قدوة، ولكنهم كانوا كما أراد الله من كل منهم أن يكون، تعليمًا لنا وتبيينًا ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ

ولقد كان الصديق رضي الله عنه يسوي في العطاء بين الناس ولا يقدم سابقًا في الإسلام على لاحق ويقول: «إنما أجرهم على الله» بينما كان عمر رضي الله عنه يخص أقوامًا على أقوام حسب سابقتهم، أو منفعتهم للمسلمين، أو أثرهم في دفع الضرر عن المسلمين كالمجاهدين أو بحسب حاجتهم.

وهذا في غير مال الزكاة والصدقة، بل من الفيئ ونحوه وكان عمر رضي الله عنه يمنع أقرباءه بينما كان عثمان رضي الله عنه يعطيهم، ولما سئل قال: «كان عمر يمنع أقرباءه لله وأنا أعطيهم لله». واتحدا في الصدق والإخلاص، وتباينًا في النظر والمذهب.

والله أعلم بمن هو أهدى سبيلًا..

غير أن الذي نعلمه، ونوقن به، ونلقى الله عليه إن شاء الله، أن كلهم على الحق المبين وصراط الله المستقيم، وأنهم مبرءون بإذن الله عن الهوى، ومطهرون بفضله عن النظر إلى غرض من الأغراض الدنى، قد أخلصوا نفوسهم لله، وباعوها وأموالهم بأن لهم الجنة، فرضي الله عنهم، وأكرمنا باللحاق بهم، وهدانا إلى اتباع سنتهم الراشدة كما أمرنا بذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم «علیکم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ».

«من حكمة الخلاف»

من حكمة الخلاف، أن تكتمل العقول بإذن ربها وتفقه القلوب بفضل باريها، ويدرك الناس منازلهم التي كتب الله لهم، ويصلوا إلى غاياتهم التي قدرها لهم، ويحققوا من خلال ذلك ما يريده منهم مولاهم، فما كان التلقي بغير فقه بقادر على أن يصنع فقهًا، ولا كان العلم بغير فكر بمستطيع أن يوجد مفكرًا، والفقه إعمال الفكر، وإعمال الفكر: النظر في الدليل والمدلول، والتأمل في النتيجة والمقدمة، والغوص إلى الأعماق لاستخراج الدر من خبايا الأصداف. 

والخلاف يستحث ذلك كله..

الخلاف سوط يسوق المفكر لمعرفة الحق من الباطل، الخلاف جمرة تتوقد في قلب طالب المعرفة تدفعه إلى زيادة العلم والمعرفة حتى يطمئن قلبه ويهدأ جنانه، الخلاف استفزاز لعقلك ليعمل، فإذا كان الخلاف لا ينقضي كان عقلك دائم الحياة والعمل، متلهف إلى معرفة الحق الذي اختلف الناس فيه، منبعثًا إلى بلوغ اليقين الذي يطمئن القلب إليه.

حتى إذا أضلته السبل، وأعيته الوسائل، واحترق بلظى الشوق إلى الإدراك والمعرفة.

فإن عرف أن له ربًا يهدي ويضل، فأتى البيوت من أبوابها، وعالج فتحها بمفاتيحها، هداه الله.

وإلا كان مثله كمثل الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان، إلا أن يمن عليه مولاه فينجيه.

وسيكون مثله -إن كان في ضلال- حربًا على الفئة المؤمنة، ومن وجه آخر، عاملًا من عوامل نموها وارتقائها، فبدون أن نستثير الجسم بغزوه بجراثيم بعض الأمراض فإن الجسم لن يكتسب المناعة اللازمة.

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 112)، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران 186).

وهكذا كان خلاف من خالف بجميع أنواع الخلاف ودرجاته، ابتداءً من خلاف مؤمن لأخيه المؤمن فيما يرى كل منهما أنه الحق، وانتهاءً بحرب الذين أوتوا الكتاب من قبلنا والمشركين ومن تبعهم في حربهم لنا، كان هذا الخلاف ضرورة لا بد منها لحياة الفئة المؤمنة وحيويتها ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(آل عمران 141 - 142)

• • •

ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله.. وبعد:

فإلى الذين يشفقون على الجماعة من الخلاف أقول: لا تخافوا من خلاف الرأي، ولكن، سلوا الله النجاة من خلاف الهوى.

ورحم الله البوصيري اذ يقول: «إن الهوى ما تولى يصم أو يصم.. ولقد صدق.. فليس شيء کالهوی يباعد بين القلوب ويفرق بين الإخوة».

ولسنا بمنجاة من الهوى وإن حسبنا أنفسنا كذلك، فمن منا يقبل بسمعه وقلبه إلى دليل مخالفه فلعله يكشف عن خطأ قوله ويرى الحق مع من خالفه؟

ومن منا الوقاف عند سماع كلام الله أو حديث رسول الله ولا يسارع بالرد والتأويل؟ ومن منا من تنزه عن حب الغلبة والظهور في عرضه رأيه والتدليل عليه؟

ومن منا من وطن نفسه صادقًا على النزول عن رأيه حين يتبين له الحق في دليل أخيه؟

أقول ذلك ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ

فاللهم يا غفور يا رحيم اجعلنا ممن رحمت ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ اللهم آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1034

67

الثلاثاء 19-يناير-1993

وقفات في سورة الكهف