العنوان اتجاهات الغربيين في فهم أحوال المسلمين
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001
مشاهدات 42
نشر في العدد 1463
نشر في الصفحة 44
السبت 11-أغسطس-2001
من الملفات المفتوحة والساخنة في الغرب ملف الإسلام وعلاقته بالغرب ومستقبله وديناميكيته الماضية والراهنة والمستقبلية وتولي دوائر القرار ومراكز الدراسات الاستراتيجية والاستشرافية حيزاً كبيراً من اهتماماتها للإسلام وكل ما يرتبط به من ثقافات واجتهادات وحركات ومسلكيات سياسية واجتماعية، وكل ما يمت إليه بصلة من قريب أو بعيد، وفي الغرب خمسة اتجاهات أو مدارس تضطلع بعملية تشريح الإسلام لتحقيق أهداف قريبة المدى ومتوسطة المدى وبعيدة المدى وهذه المدارس هي:
1 - المدرسة الأمنية: وهي الملتصقة بدوائر الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، وتقوم هذه المدرسة بتشريح كامل ودقيق وتفصيلي للجماعات الإسلامية، وتتعاون الأجهزة الأمنية الغربية فيما بينها لرصد تحركات الأشخاص المشتبه بانتمائهم إلى هذه الجماعات، وينص قانون الاتحاد الأوروبي في بعض بنوده على ضرورة التنسيق الأمني وتبادل المعلومات والتعاون قائم على أعلى مستواه في هذا المجال، وتستعين هذه الأجهزة بخبراء من العالم العربي والإسلامي في فهم المنطلقات الفكرية والفقه الخاص بهذه الحركات وأفاق تفكيرها واستراتيجياتها. وغرض هذه الأجهزة من تشريح الحركات الإسلامية هو الحفاظ على الأمن القومي ومنع تكرار ما يحدث في بعض بلدان العالم العربي والإسلامي على أراضي الغرب والحيلولة دون تحويل الغرب إلى قواعد للراغبين في الإطاحة بنظمهم وإقامة مشاريع فكرية وسياسية في العالمين العربي والإسلامي مغايرة للعلمانية الغربية.
ويجري ها هنا التنسيق كاملًا مع كثير من الأجهزة الأمنية العربية للحصول على معلومات عن الأشخاص والتنظيمات الإسلامية، والأرشيف الأمني مفتوح دائمًا للغربيين خصوصًا فيما يتعلق بالخصوم الإسلاميين، لكن لم يسبق للأجهزة الأمنية الغربية أن تعاملت مع الإسلاميين على أراضيها بالطريقة التي يعاملون بها في بلادهم. فما دام هؤلاء في نطاق المعارضة الفكرية والسياسية فلا أحد يستطيع أن يطالهم لأن حرية التعبير مكفولة في الدساتير الغربية، لكن إذا أراد أحدهم المساس بالأمن القومي الغربي فيكون بذلك قد جنى على نفسه.
٢- المدرسة المرتبطة بوزارات الهجرة ودوائر الاندماج: حيث لدى هذه الدوائر مراكز للبحوث والدراسات تضطلع بتشريح ثقافة المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم، والغرض منها ليس أمنيًا على الإطلاق بل الغرض فهم المسلمين عن قرب في محاولة لإدماجهم في المجتمعات الجديدة المستقبلة لهم ولوضع قوانين تتماشى مع توجهات المسلمين، ولتجنيب المجتمعات الغربية التصادم مع من يمثلون الظاهرة الإسلامية الوافدة، وتستعين هذه الدوائر أيضًا ببعض الباحثين العرب والمسلمين كما أن لها باحثيها الذين يقومون بزيارات إلى عواصم عربية وإسلامية لفهم أسلوب حياة المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم.
3- المدرسة الأكاديمية: وقوامها مجموعة كبيرة من المستشرقين والباحثين في قضايا العالم العربي والإسلامي ومجموعة من المعاهد والكليات التي تعنى بالحضارة الإسلامية والحوار الإسلامي - الغربي، وتضم هذه المدرسة ثلاثة اتجاهات اتجاه منصف للحضارة الإسلامية ومتفهم للخلل الحاصل في حياة المسلمين والفرق بين مسلكيات المسلمين وتعاليم الإسلام السمحة، واتجاه حاقد يهمه الانتصار لمنطلقاته الأيديولوجية ويحمل الإسلام كل خيبات العالم العربي والإسلامي ويصوره على أنه الخطر المحدق بالمنظومة الغربية، واتجاه ثالث عقلاني واقعي يحاول تفسير الأمور تفسيرًا ابستمولوجيا «معرفيًا» وعلميًا.
٤- مدرسة قوامها مجموعة من مراكز الدراسات الخاصة: والتي تسوق منتوجها البحثي لحساب وزارات خارجية ودوائر قرار ودوائر حساسة وحسب الطلب، وتوظف هذه المراكز خليطًا من الباحثين من مختلف الجنسيات والبلدان، ويمكن القول إن السرعة.. وربما السطحية.. هي طابع الدراسات التي تصدر عن هذه المراكز ذات البعد التجاري.
5- المدرسة الخامسة: قوامها مراكز محدودة لبعض أصحاب النفوذ المللي من نصارى أو یهود، والغرض منها إشعال نار الفتنة مع المسلمين ورسم منهجية علمية للتنصير من خلال فهم المسلمين وكيفية التسلل إلى عقلياتهم.
ويبقى القول إن المسلمين في الغرب وإن كانوا قد تخلصوا من قمع سلطاتهم، وباتوا يعيشون في وضع سياسي واقتصادي متميز، إلا أنهم قد أصبحوا حقل تجارب في مختبرات الأفكار والدراسات، ومن خلالهم تمكنت الدوائر الغربية في حالات غير قليلة من الغوص في شعور ولا شعور مليار مسلم موزعين بين طنجة وجاكرتا، وقد تم كل ذلك بأبخس الأثمان!