; اتفاق جنيف حول أفغانستان.. لماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان اتفاق جنيف حول أفغانستان.. لماذا؟

الكاتب علي شاه

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1988

مشاهدات 80

نشر في العدد 877

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 09-أغسطس-1988

بعد أن تمكن المجاهدون الأفغان من السيطرة على أكثر من ٨٠ بالمائة من أرض أفغانستان بدأ سعي الاتحاد السوفيتي بالبحث عن أسلوب للانسحاب من أفغانستان يحفظ له ماء وجهه... وبعد وصول غورباتشوف لقمة السلطة في الاتحاد السوفيتي وجد تأييدًا من الولايات المتحدة لسياسته الانفتاحية نحو الغرب وداخل بلاده... إضافة إلى أن قلق الإدارة الأمريكية من تمكن المجاهدين الأفغان من استلام السلطة في أفغانستان بعد سقوط النظام الشيوعي في كابل كان الدافع الأساسي للقاء القوتين العظميين بهدف الوصول إلى اتفاق لتحقيق السلام في أفغانستان وبضمان الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

وكان الهدف الظاهر من هذا الاتفاق هو سحب القوات السوفيتية من أفغانستان وتحقيق السلام إلا أن الأهداف الحقيقية للاتفاق تتمثل بالتالي:

١- دفع المجاهدين بعيدًا عن مسيرة السلام باعتبار أنهم لا يمثلون الشعب الأفغاني.

٢- ترسيخ الاعتراف بنظام كابل.

٣- حصر القضية الأفغانية في إطارها المحلي بعد انتشارها العالمي.

٤- تثبيط همة المجاهدين القتالية ودفعهم تجاه أسلوب الحوار والمفاوضة.

٥- زرع الاختلاف والانقسام بين المجاهدين.

٦- تحسين صورة الاتحاد السوفيتي أمام الرأي العام العالمي.

٧- الانعكاسات السلبية على الأوضاع الداخلية وتذمر الشعب السوفيتي بسبب ازدياد حجم الخسائر البشرية وارتفاع التكاليف المادية.

مصداقية الاتحاد السوفيتي في السلام:

ورغم أن الاتحاد السوفيتي يرغب في الانسحاب من أفغانستان إلا أن هذا لا يعني أنه يرغب في تحقيق السلام الصحيح، فالملاحظ أن الفترة السابقة شهدت تعزيزًا عسكريًّا كبيرًا للقوات الأفغانية الحكومية، سواء من حيث الكم أو النوع وبشكل يفوق الاحتياجات الحقيقية لتلك القوات... كما أنها عملت جاهدة ومن خلال عميلها نجيب الله على زرع الانقسام الطائفي والعرقي والقبلي بين الأفغان.. وأيضًا لا بد أن نشير إلى محاولات السوفييت الحثيثة لتثبيت وجودهم في المناطق الشمالية من أفغانستان بهدف الاستيلاء على تلك المناطق في حال اندفاع المجاهدين نحو العاصمة كابل... والمعروف أن المناطق الشمالية هي الأهم من الناحية الاستراتيجية لمجاورتها للجمهوريات الإسلامية الواقعة تحت السيطرة الروسية.

ولو كان الاتحاد السوفيتي صادقًا في رغبته بالسلام لتوجه نحو المجاهدين للتفاوض معهم بشأن انسحابه من أفغانستان... ولهذا فإن من حق المجاهدين رفض التحركات الأخيرة نحو ما سمي بمسيرة السلام لعدم توفر أدنى قدر من الثقة بمصداقية التوجهات السوفيتية.

ماذا عن الموقف الأمريكي؟

إن النقطة الأساسية في المسألة الأفغانية التي اجتمعت عليها القوتان العظميان تتمثل في رفض هاتين القوتين لوجود حكومة إسلامية في أفغانستان على اعتبار أن سيطرة المجاهدين على أفغانستان وإقامة أول حكم إسلامي في العصر الحديث من شأنه أن يعرض المصالح الاستراتيجية لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للخطر.

ويعبر الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون عن هذه الحقيقة في تحذيره الذي وجهه للقيادة السوفيتية عام ١٩٨٥ بضرورة التفاهم مع الولايات المتحدة لمنع قيام قوة إسلامية يمكن أن تؤثر على المصالح الاستراتيجية للدولتين... ومن خلال هذا التحذير يمكننا فهم حقيقة التوجهات الأمريكية بالنسبة للقضية الأفغانية... كما يمكننا أيضًا فهم أبعاد اتفاق القوتين العظميين على ما أطلقا عليه اسم مسيرةالسلام في أفغانستان!

ولا بد هنا أن نشير إلى أن موقف القيادة السوفيتية الجديدة من المبادئ الشيوعية وإعلانها عن إجراءات انفتاحيه نحو الغرب وضرب المفاهيم والسياسات التي كانت سائدة في الاتحاد السوفيتي على صعيد الحريات العامة السياسية والدينية «المسيحية واليهودية» لاقت تشجيعًا من الغرب، وانعكس ذلك على الإعلام الغربي والأمريكي بشكل خاص حيث جعل من غورباتشوف بطلًا تاريخيًّا ومنقذًا لشعوب الاتحاد السوفيتي، وبالمقابل فإن القيادة السوفيتية أبدت للغرب صدق توجهاتها الجديدة من خلال منح المسيحيين واليهود دعمًا في المجتمع السوفيتي «الذي كان قائمًا على رفض الدين» ووصل الأمر إلى حد إقامة احتفال رسمي بذكرى دخول المسيحية إلى روسيا واجتماع غورباتشوف مع كبار رجال الدين المسيحي، وتحدث غورباتشوف عن المسائل الروحية وأثرها في المجتمع ودعوة ريغان لزيارة كاتدرائية موسكو خلال زيارته الأخيرة.

أما ما يشاع عن مساندة الإدارة الأمريكية للمجاهدين الأفغان فهو أمر لا يتعدى حدود المصالح التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من دعمها للمجاهدين، والذي لا يشكل في حقيقته سوى جزءًا ضئيلًا بالنسبة للاحتياجات العقلية للمجاهدين... والضجة الإعلامية التي رافقت هذه المساعدات كانت تهدف إلى تشويه سمعة الجهاد الإسلامي في أفغانستان الذي كان يوجه ضرباته المتتالية والقوية في أكبر عملية استنزاف حقيقي للقوة العسكرية السوفيتية، وهذا هو الهدف الأساسي لدعم الولايات المتحدة للمجاهدين.

وماذا بعد؟

إن أشد ما يقلق بالنسبة لمسألة الانسحاب الروسي من أفغانستان هو احتمال توقف الجيش الروسي عند حدود المقاطعات الشمالية... ويعتبر هذا الاحتمال قائمًا إذا ما تبين عدم تمكن النظام العميل في كابل من الصمود، وبالتالي فإن الجيش الروسي سيلجأ إلى نشر قواته في المقاطعات الشمالية تمهيدًا لتقسيم أفغانستان إلى قسمين.. والمعتقد أن الولايات المتحدة ستقبل بالإجراء الروسي الهادف إلى منع سيطرة المجاهدين على كامل الأرض الأفغانية ومن ثم إقامة الحكم الإسلامي.

وعلى المجاهدين توخي الحذر الشديد في الأيام المقبلة، فإنها من أخطر أيام الجهاد... والوحدة بين فصائل المجاهدين باتت اليوم أمرًا ملحًّا وضروريًّا أكثر منه في أي يوم مضى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل