العنوان اتفاق عرفات الجديد مع الصهاينة ترسيخ لدعائم الاحتلال الصهيوني لفلسطين
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1169
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 03-أكتوبر-1995
بعد مرور عامين على اتفاق «أوسلو 1» الذي وقع في واشنطن في 13/9/1993م، وشكّل نقطة انعطاف حادة في تاريخ الصراع العربي والإسلامي - الصهيوني، عادت السُلطة الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات لتوقع في طابا اتفاق «أوسلو 2» في 25/9/1995م، والذي سيتم بموجبه تنفيذ الشق الثاني من المرحلة الانتقالية من الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي والمتعلق بتوسيع الحكم الذاتي إلى مناطق الضفة الغربية وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي فيها.
وكما كان متوقعًا فقد قدمت السُلطة الفلسطينية - وكعادتها عند توقيع أي اتفاق- المزيد من التنازلات لصالح الطرف الإسرائيلي، ولكن تنازلاتها هذه المرة فاقت في حجمها كل التوقعات وأظهرت مدى «الانبطاح» والخضوع للشروط والإملاءات الإسرائيلية، وإذا كانت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني أفضل ألف مرة من اتفاق «أوسلو 1» كما وصفها الصحفي المصري محمد حسنين هيكل، فإن «أوسلو 1» أفضل بكثير من الاتفاق الجديد «أوسلو 2» الذي جاء منسجمًا بصورة كاملة مع التصور والرؤية الإسرائيلية للقضايا مدار التفاوض.
وكان للدور المصري النشط والضغوط التي مارسها المسؤولون المصريون أثر كبير في دفع السُلطة الفلسطينية على الموافقة على الاتفاقية بصورتها الحالية، وكما هو الحال دائمًا فقد أطلق المسؤولون في السُلطة الفلسطينية الكثير من التصريحات المتشددة التي أكدت أن السُلطة تضع مجموعة من الشروط حول القضايا المطروحة، وأنها لن تُوقّع دون تحقيقها، وخاصة فيما يتعلق بالوضع في مدينة الخليل التي بدت للوهلة الأولى كعقبة أمام التوصل لاتفاق سريع بين السُلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، ولكن جميع هذه التصريحات تلاشت وتبخرت وعادت السُلطة لتقبل بالمواصفات الإسرائيلية للاتفاق.
مظاهر الفرح والسعادة كانت واضحة على الجانب الإسرائيلي، وخاصة المسؤولين في الحكومة الذين تفاخروا بتحقيق الإنجاز الجديد، مؤكدين أنه يخدم المصالح الإسرائيلية، ولا يقلل من حجم هذا الفرح ما صدر من تصريحات معارضة للاتفاق عن بعض رموز اليمين الإسرائيلي الذين يقفون أصلًا في خندق المعارضة، وبالتالي كان متوقعًا أن يصدر عنهم مثل هذا الموقف المعارض الذي يتفق مع موقفهم من التفاوض على المسار الفلسطيني.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن يحرص المسؤولون الصهاينة على أن يتم توقيع الاتفاق الجديد في عيد رأس السنة العبرية، فقد تكرر هذا الأمر في معاهدة كامب ديفيد ووادي عربة اللتين تزامننا مع مناسبات دينية أو وطنية صهيونية، وهو ما يؤكد أن الأمر مقصود ومخطط له، وقد أشارت وكالات الأنباء التي تابعت مفاوضات يوم التوقيع إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز كان ينظر إلى ساعته عدة مرات في ذلك اليوم، وأنه كان في غاية الحرص على أن يتم توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى في يوم رأس السنة العبرية.
عرفات من جانبه كان يدرك الرغبة الإسرائيلية بأن يرتبط توقيع الاتفاق بأحد الرموز الدينية والوطنية للإسرائيليين، ولذلك لم يبخل عليهم بالتهنئة بالعام العبري الجديد، وطلب من بيريز نقل أمنياته إلى «أبناء عمومتنا اليهود والشعب الإسرائيلي» على حد تعبير عرفات!!
أما على الجانب الفلسطيني فكانت الصورة مغايرة ومختلفة تمامًا، فالفرح والسعادة الإسرائيلية بالاتفاق قابلها إحباط وسخط فلسطيني لم يقتصر على القوى المعارضة، بل امتد ليشمل قطاعات واسعة جدًا من الشعب الفلسطيني التي عبرت عن عدم رضاها عن الاتفاق، وكان أهالي مدينة الخليل الأكثر معارضة ورفضًا للاتفاق الذي وصفه بعضهم بــ «الفضيحة» نتيجة تجاوز قيادة السُلطة لمطالب أهالي الخليل بعدم توقيع الاتفاق بصورته المعروضة والتي تبقى السيطرة على المدينة بيد الصهاينة وتكرّس وجود المستوطنين داخل المدينة.
حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أكدت على لسان ناطقها الرسمي إبراهيم غوشة، رفضها للاتفاق الجديد، وقالت: إن هدفه هو «الإجهاز على المقاومة الفلسطينية»، وأكدت أنها ستبقى ملتزمة بمسيرة المقاومة والجهاد مهما كانت الاستحقاقات والثمن، وأضافت «حماس»، أن اتفاقية «أوسلو 2» أخطر وأكثر تعقيدًا من الاتفاقات السابقة، وأنها رسمت الحدود شبه النهائية لما سيكون عليه الوضع في المرحلة النهائية.
ونددت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش بالاتفاقية الجديدة، وقالت إنها أسوأ من «أوسلو 1» التي وقعت عام ١٩٩٣م وأنها تأتي لضمان السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وهاجمت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة الاتفاقية وقالت إنها لا تلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، وأنها لذلك لن يكون بإمكانها تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وأضافت أن الاتفاقية الجديدة تتضمن عناصر تفجيرية عديدة تجعلها غير قابلة للتطبيق والاستقرار.
ولكن ياسر عرفات الذي خرج غاضبًا من الاجتماعات في طابا حينما شاهد لأول مرة خرائط إعادة الانتشار في الضفة له رأي آخر، فهو يعتبر الاتفاق الجديد إنجازًا كبيرًا، ليس لأنه نجح في الحصول على شروط معقولة أو مُرْضية في الاتفاق الجديد، وإنما لأنه أثبت أن غزة - أريحا لم تكن أولًا وأخيرًا كما قالت المعارضة!! وقد تفاخر عرفات بذلك صراحة وبصورة علنية تدعو للسخرية، لقد كان عرفات حريصًا على الدخول إلى مناطق في الضفة الغربية إضافة لأريحا بأي ثمن ومهما بلغ حجم التنازلات واستغلت «إسرائيل» هذه الرغبة الجامحة لدى عرفات، وتمكنت من فرض أجندتها التفاوضية.
تشدد إسرائيلي وتنازلات فلسطينية:
أشاد وزير الخارجية البريطاني مالكوم ريفكند في معرض تعليقه على الاتفاق الجديد: بـــ «التنازلات الصعبة التي قام بها الجانبان» والحقيقة أن التنازلات كانت من جانب واحد، وليس من الجانبين، وقد كانت عقدة الأمن عنصرًا بارزًا في تفكير القيادة الإسرائيلية وفي تعاملها مع جميع القضايا التفاوضية المطروحة على بساط البحث، وتمكنت بالفعل من تحقيق رؤيتها الأمنية بصورة كاملة في الاتفاق الجديد على تطبيق الشق الثاني من المرحلة الانتقالية، وكان الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي، قد قسم عملية التفاوض إلى مرحلتين «انتقالية» تستمر ثلاثة أعوام، وتقسّم إلى شقين: شق يتعلق بغزة وأريحا، والآخر يتعلق بالضفة الغربية، و«نهائية» تبدأ في إبريل «نيسان» القادم حول جملة من القضايا المعقدة تشمل القدس، واللاجئين، والمستوطنات، والترتيبات الأمنية، والحدود، والعلاقات، والتعاون مع الدول الأخرى.
وأبرز الملاحظات التي يمكن الوقوف عندها في اتفاق أوسلو الجديد الذي جاء في 450 صفحة، ونشرت حتى الآن خطوطه العريضة فقط.
حماس: الاتفاق يهدف إلى الإجهاز على المقاومة الفلسطينية.. وأهالي الخليل ساخطون على الاتفاق.
1- إعادة الانتشار:
نَص الاتفاق على تقسيم الضفة الغربية «عدا القدس» إلى ثلاث مناطق وهي:
أ- المدن الست الرئيسية «نابلس، وطولكرم، وجنين، ورام الله، وبيت لحم، وقلقيلية» إضافة إلى جزء من مدينة الخليل، وستكون هذه المدن تحت إشراف السُلطة الفلسطينية من الناحية المدنية والأمنية.
ب- المستوطنات والمنشآت العسكرية والمناطق المحيطة بها، والمناطق الريفية، وسيكون الإشراف عليها كاملًا من قِبَل السلطات الإسرائيلية.
جــ- المدن الصغيرة، والبلدان، وسيكون عليها إشراف أمني مشترك من خلال دوريات مشتركة في بعض الطرق، أما الإشراف على المسائل المدنية فسيكون للسُلطة الفلسطينية، على أن يكون الإشراف على الأمن الشامل إسرائيليًا.
وستتم إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج المناطق المتفق عليها على ثلاث مراحل تستغرق ۱۸ شهرًا، وستصل مساحة المناطق التي سيتم انتشار قوات الجيش الإسرائيلي خارجها نحو 30% فقط من مساحة الضفة «دون القدس» وفق تصريحات المسؤولين الفلسطينيين.
وتطبيق الاتفاق في هذا الجانب بصورته المطروحة سيكون له انعكاسات خطيرة، حيث إنه سيؤدي إلى تقسيم المناطق الفلسطينية إلى «جيتوات» وجُزر معزولة محاطة بأطواق عسكرية خانقة، فالسيطرة الأمنية الفلسطينية ستقتصر على المدن دون القرى والمناطق الريفية المحيطة بها، وهو ما سيؤدي إلى خلق هذه المدن وتعقيد اتصالها بالقرى التابعة لها وبالمدن الرئيسية الأخرى، وسيبقى الأمن بصورة فعلية بيد السلطات الإسرائيلية التي ستملك إغلاق أو فتح هذه المدن، كما يحدث في غزة وأريحا الآن، حيث أغلقت المنطقتان عدة مرات من الجانب الإسرائيلي وفق رغبته وإرادته.
وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين أنه «بعد إبرام اتفاق توسيع الحكم الذاتي ستحتفظ «إسرائيل» بالإشراف على القسم الأكبر من الضفة الغربية»!! كما أكد في كلمة ألقاها بعد توقيع الاتفاق بأحرفه الأولى في طابا أن لدى «إسرائيل» قضيتين أساسيتين لا تراجع عنهما وهما: عدم العودة إلى حدود ما قبل الخامس من يونيو «حزيران» ١٩٦٧م، وإبقاء القدس عاصمة موحدة تحت السيادة الإسرائيلية.
2- المستوطنات:
أثار الاتفاق الجديد الكثير من التساؤلات حول مستقبل المستوطنات الصهيونية في الضفة والقطاع، فمع أن المستوطنات من القضايا المؤجلة للمرحلة النهائية، التي تبدأ العام القادم، فإن الاتفاق الجديد يكرس بقاء المستوطنات ويغلق الأبواب أمام إزالتها أو إزالة غالبيتها في المستقبل، فقد اتفق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي على إقامة عشرات الطرق الالتفافية التي توصل بين المستوطنات المتناثرة في أراضي الضفة والتي يبلغ عددها ١٢٠ مستوطنة يسكنها نحو ١٣٠ ألفًا، وتبلغ كلفة الطرق الالتفافية التي خسر الفلسطينيون بسببها مساحات واسعة من الأراضي، ومئات الملايين من الدولارات ويستغرق العمل بها شهورًا طويلة، فإذا كانت المستوطنات خاضعة للنقاش حقيقة في المرحلة النهائية التي تفصلنا عنها ستة شهور فقط، فلماذا تقام هذه الطرق الالتفافية؟
3- مدينة الخليل:
نَص الاتفاق على تطبيق ترتيبات أمنية خاصة في مدينة الخليل سيبقى المستوطنون بموجبها في ثلاثة تجمعات في قلب المدينة، وسيشرف الجيش الإسرائيلي على مناطق سكن المستوطنين وعلى الطرق المؤدية إليها، والطرق التي توصلها بمستوطنة كريات أربع المحيطة بالمدينة، وعلى الرغم من أن مساحة المناطق اليهودية في قلب الخليل لا تتجاوز مساحتها ۲۰ دونما يسكنها ٤٠٠ مستوطن يهودي، فإن مساحة المنطقة التي ستخضع لسيطرة القوات الإسرائيلية بموجب الاتفاق تبلغ مساحتها 3500 دونم، وقد أكد رئيس بلدية الخليل مصطفى النتشة أن أهالي الخليل غير راضين عن الاتفاق الذي يكرس وجود المستوطنين في المدينة، وأنهم أصيبوا بإحباط وخيبة أمل من الاتفاق الذي لا يلبي تطلعاتهم وطموحاتهم، وتجدر الإشارة إلى أن النتشة محسوب على السُلطة الفلسطينية، وشارك في مفاوضات طابا، ولكنه لم يستطع تقبل الصورة التي انتهى إليها الاتفاق فيما يخص مدينة الخليل.
4- المعتقلون:
أثارت قضية المعتقلين خلافات واسعة بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين، ونقلت وكالات الأنباء أن عرفات خرج غاضبًا من اجتماعات اللحظات الأخيرة التي سبقت إقرار الاتفاق بسبب الموقف الإسرائيلي من قضية المعتقلين، وصرخ قائلًا: «لسنا عبيدًا»، ولكنه عاد بعد أن تلقى اتصالات هاتفية من مسؤولين مصريين وأمريكيين إلى قاعة الاجتماعات ليوافق على ما كان يرفضه سابقًا!!
وينُص الاتفاق على جدولة الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين على ثلاث مراحل؛ بحيث يتم الإفراج عن 1500 معتقل في الدفعة الأولى يوم توقيع الاتفاق الرسمي في البيت الأبيض، أما الدفعة الثانية فيتم الإفراج عنها عشية إجراء الانتخابات الفلسطينية لمجلس الحكم الذاتي في شهر «مارس» آذار المقبل، ولم يحدد الاتفاق موعد الإفراج عن الدفعة الثالثة وترك الباب مفتوحًا لمزيد من المفاوضات حول المسألة.
وقد أشارت مصادر المعارضة الفلسطينية إلى أن عملية الإفراج عن المعتقلين ستكون مشكلة، ولن تشمل سوى المؤيدين لعملية «السلام» وسيتم الإفراج في الدفعة الأولى عن معتقلين أنهوا ثلثي مدة حكمهم، ولن تشمل الإفراجات في أي من مراحلها معتقلين تتهم «إسرائيل» بالتورط في سفك دماء «إسرائيلية».
رابين: إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة على القسم الأكبر من الضفة الغربية.
5- الانتخابات:
كان المقرر وفق اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣م إجراء انتخابات مجلس الحكم الذاتي في شهر يوليو «تموز» ١٩٩٤م، ولكنها تأخرت كثيرًا عن موعدها بسبب الخلاف على موضوع إعادة الانتشار الذي يسبق الانتخابات، ومن المقرر وفق الاتفاق الجديد إجراء الانتخابات في شهر «مارس» آذار المقبل، بعد تأخير دام ۲۰ شهرًا.
وقد نَص الاتفاق على إجراء انتخابات لتشكيل مجلس حكم ذاتي يتكون من ٨٢ عضوًا ويتمتع بصلاحيات تنفيذية وتشريعية في مجال اختصاصه، وقد تبدو موافقة «إسرائيل» على عدد ۸۲ عضوًا تنازلًا من الجانب الإسرائيلي لأن هذا العدد يقترب من الرقم الذي طرحه المفاوضون الفلسطينيون «۱۰۰ عضو» ولأن «إسرائيل» وافقت على أن يكون للمجلس صلاحيات تشريعية، ولكن حقيقة الأمر غير ذلك. فالجانب الإسرائيلي يشدد دائمًا على المضامين العملية في اتفاقاته ويقدم تنازلات شكلية لا تقدم ولا تؤخر لإشعار الطرف الآخر بأنه قدّم تنازلًا ما.
فعدد أعضاء المجلس ليس مهمًا بقدر أهمية صلاحياته التي وافقت «إسرائيل» على وصفها بالتشريعية، على الرغم من أن حقيقتها بخلاف ذلك، فسقف المجلس محدود باتفاق أوسلو الأول والثاني، والصلاحيات التشريعية تنحصر في مجال اختصاص المجلس وهي ترتبط بالصلاحيات والسلطات التي نقلها الجانب الإسرائيلي للفلسطينيين في عدد من المجالات، وأن يكون للمجلس أية صلاحيات أو مسؤوليات في مجال العلاقات الخارجية بما في ذلك إقامة السفارات أو القنصليات أو أي نوع من التمثيليات الدبلوماسية.
والتصور الفلسطيني للانتخابات التشريعية التي تحدثت عنها المعارضة الفلسطينية وغالبية القوى الفلسطينية تبتعد كثيرًا عما تم التوصل إليه، وبالتالي فالاتفاق لا يغير شيئًا من موقف هذه القوى من عدم المشاركة في الانتخابات، حيث تطالب هذه القوى بانتخابات تشريعية تقرر برلمانًا وقيادة فلسطينية تمثل الفلسطينيين في جميع مواقعهم، ولا تكون مرتبطة بسقف اتفاق «أوسلو 2».
والجانب الخطير الأخير في الاتفاق بخصوص الانتخابات هو الجزء المتعلق بمشاركة الفلسطينيين في مدينة القدس، حيث نَص الاتفاق على أن يشارك سكان القدس في الانتخابات بواسطة مغلفات «ظروف» بريدية، ورفضت «إسرائيل» جميع العروض التي قدمها الجانب الفلسطيني لحل المشكلة من خلال وضع صناديق الاقتراع في المساجد والكنائس أو في حافلات متنقلة، واضطر الجانب الفلسطيني في النهاية للنزول عند الإرادة الإسرائيلية التي حققت ما أرادت، ولم تقدم أي تنازل يعطي ولو مؤشرًا ضعيفًا جدًا على أي نوع من السيادة للفلسطينيين على القدس.
ورفضت ترشيح أي مواطن من القدس إلا إذا كان له مكان إقامة آخر خارج القدس في الضفة الغربية.
6- أبقى الاتفاق السيطرة الإسرائيلية على الأماكن المقدسة في الضفة، حيث سيحتفظ الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل وعلى قبر راحيل في بيت لحم، وهذا يشكل تنازلًا آخر من قِبَل الجانب الفلسطيني.
7- أكد الاتفاق على وجوب أن تلغي منظمة التحرير الفلسطينية خلال شهرين بعد إجراء الانتخابات البنود الواردة في ميثاق المنظمة وتدعو إلى تدمير دولة «إسرائيل» وهو ما سيؤدي إلى تفريغ الميثاق من مضمونه وإلغائه عمليًا.
8- بعد أن كان الجانب الفلسطيني يطالب بالسيطرة على مياه الضفة الغربية «نحو ٦٠٠ مليون متر مكعب سنويًا»، بدأ يطالب بتقاسم عادل للمياه التي لا يحصل سوى على 20% منها، ثم تقلصت مطالبه إلى ۱۳۰ مليون متر مكعب إضافية سنويًا، ولكنه تنازل عن الاتفاق ووافق على ٢٨ مليون متر مكعب إضافية فقط، لن تكون قادرة على حل الأزمة الخانقة في المياه التي تعاني منها الضفة، وبخاصة مدينة الخليل.
9- أجّل الاتفاق العديد من القضايا التي لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى تفاهم حولها وأهمها مساحة أريحا التي فشل الطرفان سابقًا في الاتفاق عليها في اتفاق القاهرة في 4/5/ ١٩٩٤م والذي شهد مسرحية امتناع عرفات عن التوقيع على الاتفاق فوق المنصة بحضور الرئيس المصري ووزير الخارجية الأمريكي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وكان السبب في حينه الخلاف على مساحة أريحا، وفشل الطرفان مجددًا في حسم هذه المسألة، أما القضية الثانية المهمة التي تم تأجيلها فهي قضية الكهرباء، حيث ترفض «إسرائيل» مطلب السلطة الفلسطينية بالسيطرة على خطوط الضغط العالي، واتفق الطرفان على تأجيل بحث القضية ثلاثة شهور إضافية.
إن الاتفاق الجديد «أوسلو 2» نسخة مكررة ولكنها مشوهة عن الاتفاقات الهزيلة السابقة، التي تصب كلها في خانة خدمة الأهداف والمخططات الصهيونية، ويبدو أن سلسلة التنازلات الفلسطينية ليست لها حدود تتوقف عندها، وأن لدى القيادة الفلسطينية المزيد من التنازلات في جعبتها، والتي سيكون عنوانها الأبرز في المرحلة النهائية التنازل عن القدس، والسيادة، واللاجئين، وإزالة المستوطنات.