العنوان احذروا محاولات سرقة ثـمن الصمود الفلسطيني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002
مشاهدات 98
نشر في العدد 1500
نشر في الصفحة 9
السبت 11-مايو-2002
اعتاد الصهاينة ومن ساندهم أن يمكروا بقضايا العرب والمسلمين ويستدرجوا بعض القيادات العربية إلى مزالق وارتكاسات تدفع ثمنها الشعوب من حقوقها المغتصبة التي تسعى لاستردادها، ومن أمالها وأمانيها المرتقبة التي يقف البعض عائقًا أمام تحقيقها، وقد تكرر ذلك المكر والخداع مرات عدة طوال القرن الميلادي المنصرم على الأقل منذ الثورة العربية عام 1916م وحتى القضاء على الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت عام ۱۹۸۷م باتفاقات التسوية الهزيلة في أوسلو وغيرها.
واليوم وبعد عملية الاجتياح العسكري الغاشم التي قامت بها قوات الاحتلال لمناطق الضفة الغربية وبعد الصمود البطولي للشعب الفلسطيني الذي دفع ثمنه المئات من الشهداء والألوف من الجرحى والمشردين يعاود الصهاينة ومن ساندهم الكرة ويحاولون القفز فوق الواقع لتحقيق مكسب جديد على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.
وعودة بالذاكرة إلى ما قبل عملية الاجتياح نرى أن انتفاضة الأقصى قد نجحت في تحقيق إنجاز كبير العملية التحرر الوطني الفلسطيني تتمثل في العمليات الاستشهادية وعمليات المقاومة الكبيرة والكثيرة التي الحقت بالاحتلال خسارة بشرية ومادية لم يكن يتوقعها في أسوا الكوابيس، وبدا أن المقاومة قد اكتسبت صبغة جهادية وأصبحت خيارًا ممكنًا أثبت الواقع فاعليته وقدرته على التأثير.
وهربًا من ذلك الواقع الأليم لجا الكيان الصهيوني بكل أحزابه اليميني منها واليساري.. العلماني منها والتلمودي إلى الاتفاق على صيغة حكومة ائتلاف وطني تزعمه مجرم الحرب شارون، بهدف محاولة تغيير كفة الميزان وانتقاص الفلسطينيين النجاحات التي حققوها فكان الاجتياح الغاشم.
واليوم تحاول الآلة السياسية والدبلوماسية والإعلامية الصهيونية ومن عاونها في الغرب الترويج لصورة جديدة مفادها أن الفلسطينيين قد خسروا كل ما في أيديهم من أوراق، وأن السلطة الفلسطينية قد فقدت كل مقومات وجودها، ومن ثم فلا مناص من أن تسلم السلطة بالهزيمة وتقبل الفتات الذي سبق أن رفضته، وقد عبر عن ذلك رئيس الوزراء الصهيوني السابق إيهود باراك بقوله إنه يجب على عرفات أن يعود للمفاوضات على أساس عرض كامب ديفيد الثانية الذي لم يعط الفلسطينيين سوى موطئ قدم في القدس الشرقية مقابل التنازل عن السيادة على الحرم القدسي وحرمان اللاجئين من العودة إلى ديارهم، فضلًا عن قائمة طويلة من التنازلات.
إن من أكبر الخطر والخطأ الانجرار وراء تلك الدعاوى الصهيونية أو القبول بأن الفلسطينيين قد خسروا في اجتياح الضفة الغربية بالضربة القاضية وليس أمامهم سوى التسليم.
صحيح أن الفلسطينيين خسروا الكثير من الأرواح في عملية الاجتياح الهمجي اللا إنساني وعلى وجه الخصوص في مخيم جنين، ولكن الأصح إنه كانت هناك مقاومة بطولية أبداها الفلسطينيون في المخيم وفي نابلس وغيرهما، وأن هناك خسارة كبيرة قد نزلت بالجانب الآخر.
فقد قتل من الصهاينة أكثر ممن قتلوا في بعض الحروب التي خاضوها مع جيوش نظامية وتأثرت عشرات القطاعات الاقتصادية حتى اضطرت حكومة العدو إلى اللجوء لخطة طوارئ لإنقاذ الاقتصاد. وأفلس أكثر من ٣٧ ألف مؤسسة تجارية وتسارعت معدلات الهجرة اليهودية إلى خارج فلسطين، وقلت الهجرة إلى داخلها وهناك تأثيرات كثيرة يصعب حصرها في هذه العجالة لكن يمكن إجمالها في أن الخوف أصبح سيد الموقف والانهيار هو المصير المرتقب.
وخارج الكيان الصهيوني تبدو أيضًا التأثيرات مختلفة قوية ومهمة، فهناك حملة نقطة للغاية في البلدان العربية والإسلامية لمقاطعة بضائع الدول التي تدعم الكيان الصهيوني كانت نتائجها الأولية مشجعة، وقد اضطرت الولايات المتحدة لبذل مئات الملايين من الدولارات في حملات دعائية تستهدف تجميل صورتها أمام الجماهير العربية والإسلامية وأصبحت بذلك لأول مرة في موقع الدفاع عن النفس بعد أن كانت تتجاهل الرأي العام العربي والإسلامي تجاهلًا تامًّا.
ومن المهم للغاية أن تدرك الحكومات عناصر القوة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني والتي تمتلكها الأمة الإسلامية التي تقف وراء الشعب الفلسطيني وأن تقتنع بجدوى تلك العناصر، فهذا مما يزيد من ثبات مواقفها في مواجهة الضغوط الموجهة إليها من الخارج.
إن المعركة مع الاحتلال الصهيوني ممتدة وهي معركة أجيال.. وقد بدأ ميزان القوى يتغير بفضل الله سبحانه ثم بتضحيات المخلصين من أبناء الأمة.. ولا ينبغي بحال أن يُسمح لمغامر مشهور أو مدعٍ للبطولة محتال أن يورط الأمة فيما لا تريد أو يسهم في سرقة إنجازاتها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أو انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء: 71)