; في فقه الدعوة (29) الانتظار | مجلة المجتمع

العنوان في فقه الدعوة (29) الانتظار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

مشاهدات 32

نشر في العدد 130

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

تحيتان من أعماق القلب أجد نفسي مضطرًا إلى أن أهديهما إلى أستاذين فاضلين؛ فإن من خلق المسلم أن يعترف بالفضل لأهله، وأن لا يبخس المحسن حقه في الشهادة له بالإحسان.

التحية الأولى: إلى الأستاذ الكريم سعيد الأفغاني بدمشق، لمقاله الجريء القيم في العدد (169) من مجلة العربي الكويتية، الصادر في أول كانون الأول (ديسمبر) سنة 1972م بعنوان «سبب خلع السلطان عبدالحميد»، والذي استعان فيه بوثيقة بخط السلطان نفسه كشف فيها عن حقيقة انقلاب حزب الاتحاد والترقي عليه، وأرجع سبب الانقلاب إلى رفضه القاطع لإلحاح رجال الحزب في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ومعنى ذلك أن قصة إعلان الدستور ما هي إلا تمويه وخدعة.

والمقال يدل على وعي كامل للتفسير الحركي الإسلامي لتاريخ الحقبة الأخيرة من حياة الخلافة الإسلامية، وفيه من بيان إخلاص وإيمان وذكاء السلطان عبدالحميد ما يبدد الأوهام العالقة في أذهان الناس بتأثير مناهج تدريس التاريخ في البلاد العربية.

وتكمن الأهمية البالغة للمقال في أنه يؤيد ما كان يقوله دعاة الإسلام ويشكك الناس في صحته، وواضح أن العلم بدور اليهود في إقصاء الخلافة الإسلامية يؤثر تأثيرًا كبيرًا في تكوين فقه الدعوة، ولذلك تكون مطالعة الدعاة لهذا المقال مفيدة جدًا، وتعتبر مكملة لمطالعة هذه المقالات في فقه الدعوة.

والتحية الثانية: إلى الأستاذ المؤرخ محمد جميل بيهم بلبنان، وإن جاءت متأخرة فإن مقال الأستاذ الأفغاني يوجبها، وذلك أن الأستاذ بيهم سبق له وأن نشر قبل ثلاث سنوات في مجلة الأسبوع العربي اللبنانية مقالين مهمين جدًا عن السلطان عبدالحميد -رحمه الله- أعلن فيهما -في شبه توبة إيمانية- سحب الاتهامات التي كالها للسلطان في أربع كتب ألفها عن التاريخ العثماني، وبيّن وقوعه في الخطأ، وبراءة السلطان مما نُسب إليه تحت تأثير العواطف والدعاية، ولا شك أن الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه فضيلة كبرى توجب أن نكرر له التحية باسم دعاة الإسلام.

وللفائدة التي يحوزها الداعية المسلم من مطالعة مقالي الأستاذ بيهم، ولصعوبة الاطلاع عليهما، فإني -إن شاء الله تعالى- سأنشرهما في ذيل مقالات إحياء فقه الدعوة إن جُمعت في كتاب ومعهما مقال الأستاذ الأفغاني.

ويطيب لي أن أبعث بتحية ثالثة إلى الأستاذ الدكتور مصطفى محمود، بمناسبة برنامجه الأسبوعي الناجح «العلم والإيمان» الذي يقدمه ليلة كل جمعة من التلفزيون الكويتي. والحقيقة أني لم أشاهد برنامجه قبل، وإنما شاهدت منه الحلقتين الأخيرتين اللتين عرض فيهما أفلامًا علمية حقيقية دقيقة عن كريات الدم الحمراء وعن طريقة انتشار البذور النباتية، وفيهما رأيت من العجائب ما يزيد الإيمان حقًا بأن الله خالق كل شيء وحركة وفعل في هذا الكون، وسمعت معهما من تعقيبات الدكتور الفاضل ما رقق قلبي، وأنصح المسلمين كافة أن يشاهدوا هذا البرنامج الرائع، وأحث دعاة الإسلام على دفع الناشئة الإسلامية لمشاهدته، والاستدراك معي في تحية الأستاذ مصطفى محمود، والدعاء له بأن يجزيه الله نعم الثواب.

======================================================================================================================================

● الكتاب.. والبأس الشديد!

هو الحديد مكمل القرآن.

كلام مقدس قاله الله تعالى، محكم غير متشابه، ماضٍ غير منسوخ، أراده -عزّت إرادته- أن يكون للدعوة الإسلامية شعارًا، ودستور عمل، ومَعلَم طريق، فجعله جل وعلا في آية تتلوها الملايين كل يوم، أن: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: 25).  

فكل قلب أحكمت أقطاره ولم تتشابه، ومضت إلى الخير عزيمته ولم تنسخ، فهم هذه الآية فهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لها.

ففهمها أبو بكر -رضي الله عنه-، فكانت حروب الردة.

وفهمها عمر الفاروق -رضي الله عنه- المشتق لقبه من أسماء السيف، فكان منه الإقرار لمن لوح له بالسيف أداة تقويم إن زاغ واتبع الهوى.

وتواصت أجيال المسلمين بعدهما بهذا السلوك وتواصت بالقرآن، فبعدوا عن الخسران.

حتى إذا خسروا، وفق الله ابن تيمية -رحمه الله- يتلو عليهم هذه الآية، ويفسرها، ويقول لهم: «ذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان، وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط، وليعلم الله من ينصره ورسله، ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي، وسيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرا»(1).

ويؤكد لهم أنه: «إذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، وكان السيف تابعًا لذلك، كان أمر الإسلام قائمًا»(2).

• ارتقاء المدارج مع السالكين.. لا الطفرة

ولكن الإمام البنا رحمه الله أوجب الابتعاد عن التهور، وحذر المتحمسين الملحاحين، وعلمهم أن: «من خصائص هذه الدعوة كذلك: التدرج في الخطوات، وانتظار الزمن، وعدم التسرع بالنتائج، فلكل أجل كتاب»(3).

وكرر عليهم: أن الدعاة الفقهاء: «شعارهم في ذلك: الزمن جزء من العلاج»(4).

وبذلك حدد الإمام علاجًا رابعًا يحمي الدعوة من أنواع التورط والاندفاع غير الهادف ويقيها المصارع، وأطلق عليه اسم: «الانتظار».

وهكذا، فإن من تمام واجب التربية الإسلامية الحركية في مرحلتها الحاضرة: غرس الاستعداد النفسي للانتظار الذي تكمل أثناءه صناعة الاختصاصات التي تتولى الانتشار والتوسع الميداني، ثم ما يتطلبه هذا الانتظار الإيجابي من الإقلال المرحلي في ولوج السياسة.

إننا نجد أنفسنا في الحقيقة -ما دمنا نبذل الجهود التربوية بتواصل- أثبت من أن نأبه لشيوع هذه الأفكار الأرضية المستوردة ونتقبل أخبار انتصارات هذه الأحزاب بشجاعة، فإنها ليست إلا من الانتصارات الوقتية غير المؤهلة للدوام، وستعصف بها جهودنا التربوية متى ما صدق عليها وصف التربية وخرجت عن حد الفورة والارتجال.

بل أبعد من ذلك، فلعلها حكمة الله في انتصار هذه الضلالات؛ لأنها عجزت عن صنع الواقع السعيد الذي وعدت الناس به ولم [يبصروه] من بعد ما [سمعوه] في مناهجهم، وعجزهم هذا معناه فشل لجهودهم التربوية، إنها لفضيحة كبرى تعيشها الأنظمة الفاسدة والدكتاتوريات التي أرادت حرف الناس عن الإسلام هي في وجهها الآخر اختصار الطريق لدعاة الإسلام.

إنه الطريق التربوي: صعب.. طويل بطيء.. يسبقنا فيه الأرضيون لوقت يسقط فيه بعضنا.. وتفوتنا بعض المغانم فيه.. لكنه طريق مأمون، ثابت، مضمون.

وقد يرى البعض أن هذا الطريق البطيء لا يعود الدعاة على التضحية، ويرى أننا نسقطها من حسابنا.

ولكن الأمر ليس كما رأى، فإن التضحية مطلوبة، ولكن في وقتها، ولا تؤتى مفتعلة، وخير الدعاة من بذر بذورها في نفوس إخوانه منذ الآن.

إنه طريق واحد أصيل لا ثاني له: طريق التربية التدريجي الذي أوجزه الأستاذ المرشد حسن الهضيبي بقوله: «أقيموا دولة الإسلام في صدوركم، تقم في أرضكم».

وخطواته: أن تشيع الوعي الإسلامي، وتجمع، وتربي، وتتوسع في اتزان، وتنتشر في تأنٍّ، وتنتظر حتى تكتمل الاختصاصات وترقب ضعف من تسلط زورًا، وترفع يدك إلى الله داعيًا أن يرحم المسلمين، حتى يسقط رداؤك عن منكبيك، فإن سقط اعتليت.

الهوامش:

(1) (2) مجموع فتاوى ابن تيمية 10/ 13، 20/ 393.

(3) (4) مجلة (الدعوة) المصرية عدد 67.

الرابط المختصر :