; فزاعة الإسلاميين. أو التراجع الديمقراطي في المغرب (۲ - ۲) استراتيجية الدولة في إنهاء الحراك الشعبي | مجلة المجتمع

العنوان فزاعة الإسلاميين. أو التراجع الديمقراطي في المغرب (۲ - ۲) استراتيجية الدولة في إنهاء الحراك الشعبي

الكاتب بلال التليدي

تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2011

مشاهدات 58

نشر في العدد 1960

نشر في الصفحة 40

السبت 09-يوليو-2011

(*) باحث في المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة

تناولنا في السابق الفروقات الجوهرية بين الحالة التونسية والحالة المغربية، وألقينا الضوء على معلمين اثنين من معالم الإستراتيجية التي تم استخدامها في المغرب في التعاطي مع الحراك الشعبي، ويتعلق الأمر بامتصاص الغضب الجماهيري واحتوائه، ثم محاولة تفكيكه باعتماد جملة من السياسات التي اجتمعت كلها في محاولة تحييد القوى السياسية، وفصل النضال الاجتماعي عن النضال السياسي وتفجير التناقضات الثانوية بين مكونات الحراك الشعبي.

الحكومة تبرر اللجوء إلى الخيار الأمني بأن الاحتجاجات يقوم بها ثلاثة مكونات متطرفة: «النهج الديمقراطي القاعدي» و«العدل والإحسان» و«السلفية»

 تيار الوسط أمام تحديين: إما المشاركة في الاحتجاجات والتعرض لضغوط كبيرة من الدولة أو الاصطفاف مع النظام وفقدان رصيده الشعبي

وفي هذا العدد، نتناول العنوان الثالث والأبرز في إستراتيجية السلطات المغربية في إنهاء الحراك الشعبي واستعادة المبادرة.

 لن نلزم أنفسنا بتحليل التحول داخل إستراتيجية الدولة، وهل كان ذلك ناتجا عن تناقضات داخل مركب السلطة، فالتحليل في هذه العناصر بدون وجود معطيات يبقى مجرد تخمينات، ولذلك سنترك ذلك جانبا، ونعتمد على المؤشرات الملموسة، ضمن هذه السياسة يمكن أن نتحدث عن أربعة معالم أساسية:

استثمار تداعيات تفجيرات «أركانة»

بمراكش:

وقد تم ذلك على مستويين الأول: بتحوير أولويات الأجندة الوطنية من الإصلاح السياسي والدستوري إلى الأولوية الأمنية، فخطاب وزير الداخلية عقب هذه التفجيرات كان واضحا في دعوة المغاربة «إلى التلاحم وجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار»، والثاني: بإدخال عنصر تنظيم القاعدة على الخط، وحديث وزارة الداخلية عن أن الخطر لا يزال قائما مما يستدعي التوجه نحو الأولوية الأمنية، والتي تستدعي أول ما تستدعي فك الاحتجاجات الشعبية.

استثمار الورقة السلفية

يتمثل العنوان الثاني في هذه السياسة في استثمار الورقة السلفية، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة عن طريقة الأنظمة العربية الأخرى، إذ جمعت مقاربة استثمار الورقة السلفية بين محاولة إقناع الغرب بضرورة دعم الدولة في إنهاء الاحتجاج عبر التلويح بالخطر السلفي الذي دخل على خط الاحتجاج الشعبي، وبين إحداث خلط داخل الحركة الديمقراطية من جهة، وداخل مكونات الحركة الإسلامية من جهة أخرى، فدخول السلفيين إلى الحراك الشعبي يضع المكونات العلمانية والديمقراطية أمام تحدي النموذج المجتمعي كما أن دخول السلفيين على خط الاحتجاج يشوش على شعبية الحركة الإسلامية التي لعبت التطورات الديمقراطية الأخيرة في زيادة رصيدها الجماهيري ومصداقيتها السياسية.. والذي عمق هذا الخلط وأعطى لاستثمار الورقة السلفية فعاليتها هو ما حدث في سجن «سلا»، من تضييق واستفزاز المعتقلي السلفية دفع بهم إلى القيام بردود فعل وصفت بالبربرية والوحشية؛ حيث تم استثمارها إعلاميا للتشويش على صورة الحراك الشعبي حين «اخترقه» السلفيون.

السياسة الثقافية في خدمة هدف تفكيك الحراك الشعبي:

وتتمثل هذه السياسة في الإصرار على فرض مهرجان موازين بالرغم من الاحتجاجات العارمة التي كانت تطالب بإلغائه و دمقرطة الفعل الثقافي والمطالبة بتحرير الثقافة من النزوع السلطوي ومن توظيفها الأهداف سياسية.

المقاربة الأمنية والإسناد الإعلامي

كان من الطبيعي تبرير اللجوء إلى الخيار الأمني بعدما ساد خطاب رسمي، يعتبر أن الحراك الشعبي لم يعد له مبرر بعدما تم عزله، ولم يتبق منه سوى ثلاثة مكونات تعتبرها الدولة متطرفة: «النهج الديمقراطي القاعدي» «حركة ماركسية لينينية»، و«العدل والإحسان» وما يسمى بـ«السلفية». وهي الحصيلة التي اجتهدت إستراتيجية الدولة أن تقنع جميع المكونات السياسية بأن الحراك الشعبي آل إليها، وأنها هي القوى العدمية الرافضة للإصلاح المعرقلة لأي تطور الممثلة للتطرف والتي تتبنى نموذجًا مجتمعيًا ظلاميًا.

هذه هي الصورة التي انتهى إليها الحراك الشعبي، أو للدقة، هي الصورة التي حرصت الدولة أن ينتهي إليها الحراك الشعبي، وهي الصورة التي تسعى وسائل إعلام مقربة من الدولة أن تقدمها للرأي العام، وتسعى المقاربة الأمنية أن تمنع أي صورة أخرى مغايرة، وتسعى الضغوط السياسية أن تقنع القوى السياسية بها حتى لا تتورط فيما لا يحمد عقباه.

مستقبل الإصلاح الديمقراطي

عمليا، نحن أمام وضع أقل شيء يمكن أن يوصف به هو أنه وضع قلق لا يشعر فيه أي فاعل سياسي بالأمان، سواء تعلق الأمر بالفاعل المركزي «الدولة»، أو بقية الفاعلين السياسيين الآخرين.

 للوضوح أكثر، نحن أمام ثلاث إجابات مركزية جواب تقدمه الدولة باعتبارها فاعلًا مركزيا، ويتلخص مضمونه في الدعوة إلى وقف التظاهر وإنهاء الحراك الشعبي فوريا، بحجة أن الدولة عبرت عن إرادتها في الإصلاح وأعلنت عما يكفي من التدابير والإجراءات الإصلاحية.

وجواب يقدمه فاعلون سياسيون في أقصى المعادلة السياسية، ويتلخص مضمونه في مقولة: لا إصلاح بدون اقتلاع بنية النظام باعتبارها تمثل الشجرة التي تظلل الفساد. 

وجواب ثالث يحمله تيار الوسط المعتدل ويمثله القوى الوطنية الديمقراطية، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية المشاركة في العملية السياسية - يتلخص مضمونه في مقولة: لقد عبرت الدولة عن نواياها للإصلاح، لكن حتى الآن لم تترجم هذه النية في إصلاحات سياسية حقيقية.

ثلاثة سيناريوهات على أرض الواقع نحن أمام ثلاثة

سيناريوهات:

1-سيناريو عنفي تنتصر فيه المقاربة الأمنية على المقاربة السياسية، وتتحول فيه الدولة باسم حماية الأمن والاستقرار السياسي ليس فقط كخصم ضد القوى الراديكالية التي لا تزال تصرّ على الاحتجاج، ولكن أيضا كخصم التيار الوسط إن رفض الخضوع لضغوطاتها للاصطفاف معها ضد «أعدائها».

ثلاثة سيناريوهات متوقعة:

  • «عنفي»، تنتصر فيه المقاربة الأمنية على المقاربة السياسية... وتتحول فيه الدولة كخصم ضد قوى المجتمع ومن بينها التيار الوسطي 
  • «إصلاحي» تضطر فيه الدولة إلى إقرار إصلاحات سياسية متوافق حولها بعد أن يفشل رهانها في الضغط على تيار الوسط 
  • سيناريو ثالث يدفع تيار الوسط إلى الالتحاق بالاحتجاج الشعبي الفرض الإصلاحات السياسية إن لم تبدأ الدولة أي خطوات ملموسة
  1.  سيناريو إصلاحي، تضطر فيه الدولة بعد أن يفشل رهانها في الضغط على تيار الوسط إلى أن تقر إصلاحات سياسية متوافق حولها، وفي هذا السيناريو يتوقع أن يساهم مسار الإصلاحات في الإنهاء التدريجي للاحتجاج.
  2. سيناريو ثالث يدفع تيار الوسط إلى الالتحاق بالاحتجاج الشعبي لفرض الإصلاحات السياسية إن لم تباشر الدولة أي إصلاحات ومورست عليه ضغوط لتبديد رصيد المصداقية التي بناها جماهيريا منذ انطلاق الحراك الشعبي بالمغرب.

أزمة ثقة

على أن المحدد الرئيس في هذه السيناريوهات هو تيار الوسط ليس باعتباره يمثل فاعلا مركزيًا مؤثرًا في صناعة القرار السياسي، ولكن لوجود أزمة ثقة بين الطرفين في أقصى المعادلة، ولكون جوابهما معا محكومًا بمنطق الضغط من أجل فرض الأمر الواقع وتعديل موازين للقوى المختلة، ولكون المعركة في نهاية المطاف يحددها بالضرورة نوع الاصطفاف الذي يختاره تيار الوسط الذي يوجد اليوم أمام أمرين أحلاهما مر يتعلق الأول بالتعرض إلى ضغوط سياسية من قبل الدولة من أجل الاصطفاف في منطقها وسحب جميع المكونات والإمكانات والموارد التي تمتلكها من ساحة الفعل الشعبي لتقوية منطق الدولة وإضعاف وعزل المنطق المقابل، ويتعلق الثاني بسمعة ورصيد تيار الوسط بخصوص مواقفه في معركة الإصلاحات وتداعيات ذلك على مواقعه الاجتماعية والسياسية.

 في ظل هذا التعقيد، يمكن أن يتضارب في ذهن تيار الوسط ثلاث مقولات أساسية.. إن السيناريو الأرجح في المغرب، أن يميل صناع القرار السياسي إلى المزاوجة بين المقاربة السياسية لمنع تيار الوسط من الاصطفاف مع ما تبقى من مكونات الحراك الشعبي- المكونات الراديكالية - والمقاربة الأمنية لتخويف بقية مكونات المجتمع من الانضمام إلى الحراك الشعبي.

والأرجح في هذا السيناريو أن يخف حجم الاحتجاج كلما قل الضغط على تيار الوسط وكلما انتصرت المقاربة السياسية على المقاربة الأمنية في منطق الدولة في تدبير تعاطيها مع الحراك الشعبي.

الرابط المختصر :