; استراتيجية «الزيت والزيتون» الفلسطينية في مواجهة الحصار الاقتصادي | مجلة المجتمع

العنوان استراتيجية «الزيت والزيتون» الفلسطينية في مواجهة الحصار الاقتصادي

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 922

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 27-يونيو-1989

لجأت قوات الاحتلال الصهيوني إلى مختلف الوسائل والأساليب من أجل إيقاف الانتفاضة المباركة أو الحد من عنفوانها واتساعها، وقد ركزت سلطات الاحتلال في البداية على وسائل القمع والعنف والقهر من أجل إرهاب الشعب الفلسطيني وردعه. لكن كل إجراءات القمع اليهودي وكل أسلحته لم تجد شيئًا مع الشعب الفلسطيني، بل إن هذه الممارسات الوحشية لم تزد جماهير الانتفاضة المباركة إلا إصرارًا وتصميمًا على مواصلة المواجهة والتصدي للاحتلال، وعجز الجيش اليهودي عن وقف الانتفاضة وأفلست كل إجراءاته، فلجأت سلطات الاحتلال إلى سياسة أخرى من سياساتها الهادفة إلى وقف الانتفاضة، هذه السياسة تسمى «سياسة التجويع».

  • سياسة التجويع والتفقير:

يلخص أحد الصهاينة المفهوم «الإسرائيلي» لسياسة العدو هذه قائلًا: هناك سياسة تهدف إلى «تجويع» المواطنين «وتصعيب» الحياة عليهم من الناحية الاقتصادية لكي يفكروا في جدوى استمرارهم في الانتفاضة، ومن المؤكد أن أوضاعهم ستصل في نهاية الأمر إلى حد لا يستطيعون تحمله

وبالفعل.. فقد أصبح متوسط دخل المواطنين في فلسطين المحتلة يقل عن مستوى الحد الأدنى للفقر حسب التحديدات العالمية، وأصبح المواطنون يتحدثون الآن عن سياسة جديدة تمارَس ضدهم وهي سياسة «التفقير».

فسلطات الاحتلال تهدف إلى تضييق الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني ومطاردته في رزقه ولقمة عيشه؛ حتى ينشغل في توفير هذه الأمور عن المشاركة في الانتفاضة أو الاستجابة في فعالياتها.

ولذلك عملت سلطات الاحتلال على تدمير بنية الاقتصاد الفلسطيني بمختلف الوسائل والأساليب، فقامت بمنع تصدير المنتجات الزراعية إلى الأردن، مما أدى إلى هبوط الأسعار، بينما الأسواق المحلية مشلولة بمنع التجول وأشكال الحصار الأخرى، ونتيجة لذلك أصبحت دخول المزارعين منخفضة جدًّا. كما قامت سلطات العدو بحرق آلاف منالدونمات الزراعية للفلسطينيين وقطع مئات الأشجار المثمرة ورش المواد السامة عليها، بل واستخدام طائرات الهليكوبتر من أجل نشر المواد السامة على أكبر مساحات ممكنة

كما قامت بمنع دخول الأموال إلى فلسطين، وحددت كمية الأموال المسموح للشخص حملها، كما شددت على الجمعيات والمؤسسات الخيرية والإنسانية وراقبت كل طرق إدخال أو تهريب الأموال من أجل خنق الناس ومنع تمويل الانتفاضة.

ومن جانب آخر قامت سلطات الاحتلال بفرض الضرائب الباهظة على السكان من أجل استنزاف أموالهم وإرهاقهم بالالتزامات المالية التي لا تطاق، إضافة إلى الكثير من الطلبات التي تهدف إلى إفقار الناس وتجويعهم وشغلهم بتوفير الاحتياجات المالية، كمسألة تبديل الهويات بين الفترة والأخرى وتغيير أرقام السيارات، إضافة إلى الحكم بغرامات مالية قاسية على كل أب يشتبه أن ابنه قد رشق الحجارة على جنود العدو، وقد تصل هذه الغرامات إلى أكثر من عشرة آلاف شيكل... وغيرها الكثير من وسائل الحصار والتدمير الاقتصادي لشعبنا تحت الاحتلال.

  • أخلاقيات الجهاد:

لكن هل تأثرت الانتفاضة الباسلة؟! وهل ضعفت؟! وهل حقًّا انشغل الناس بتدبير الأموال من أجل دفعها لسلطات الاحتلال على شكل غرامات وضرائب؟! وهل نجحت سياسة «التفقير» أو سياسة «التجويع» أو سياسة «تصعيب» الحياة على شعبنا من النيل من عزيمته وإرادته وتصميمه على المواجهة؟

المراقب لطبيعة تطور الأمور في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين وفي كل مدينة وقرية ومخيم وحارة وزاروب، يلحظ أن الأمور سارت عكس ما تشتهي «إسرائيل»، فالقمع الاقتصادي وسياسة الإفقار والتجويع أوجدت شعبًا جديدًا، وأبرزت أخلاقيات بين الفلسطينيين يمكن تسميتها «أخلاقيات الجهاد».

وفي هذا السياق يمكن أن نتحدث عن الأمور والنقاط التالية:

  • الانتفاضة.. أكثر عنفًا

من المؤكد أن الانتفاضة البطلة في فلسطين المحتلة لم تتأثر بكل إجراءات القمع والتشديد الاقتصادي، وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات زادت حدتها وضراوتها في الآونة الأخيرة، إلا أن الملاحظ لدى جميع المراقبين والمتابعين لتطورات الانتفاضة في فلسطين المحتلة، أن هذه الانتفاضة ازدادت اشتعالًا وأصبحت أكثر عنفًا، ونظرة في «معدلات الاستشهاد» و«معدلات الاعتقال» في صفوف شعبنا تؤكد أن القمع والتنكيل لم يولد عند شعبنا إلا إصرارًا على استمرار الانتفاضة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولًا.

  • يقتسمون الرغيف:

 إن الأخلاقيات الإسلامية بدأت تعود وبتسارع ملحوظ لتحكم شكل العلاقات بين الناس في فلسطين المحتلة، وأؤكد هنا على أخلاقيات التكافل الاجتماعي، وأخلاقيات التراحم والتعاطف، وأخلاقيات الجسد والقلب الواحد، أخلاقيات «والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره لا يجد حاجته». ولعلنا سعدنا كثيرًا بالاستماع إلى أحاديث القادمين من فلسطين المحتلة وهم يقصون علينا بكل فخر واعتزاز حكايات من تكاتف أهل فلسطين وتكافلهم

«بعض الملاك يعلنون أنهم أعفوا المستأجرين من دفع الإيجار بضعة أشهر، وبعضهم امتنع عن طلب الأجرة أو خفض الأجور، أصحاب الأعمال يرفعون أجور العمال لدعم صمودهم وتعويضهم، أصحاب المتاجر يفتحون محلاتهم ومخازنهم لأبطال السواعد الرامية ويطلبون منهم أخذ ما يشاءون لتوزيعه على المحتاجين والمتضررين، القرى والمخيمات تتعاطف مع بعضها بعضًا، فعند حصار بلدة أو قرية تجد جاراتها تقوم بالاستنفار لتهريب المواد الغذائية والأدوية لها، حتى من أرض الـ ٤٨، ومن داخل ما يسمى «الحزام الأخضر»، ومن المناطق التي تبرأ البعض منها وانسلخ عنها، جاءت الإغاثة وحُملت السيارات بالمواد الغذائية ونظمت حملات جمع التبرعات من أجل دعم صمود الشعب في مواجهة المحتل، أصبح الناس يقتسمون الرغيف لأنهم يعلمون أن هذا هو طريق النصر». 

  • لجان الإغاثة والتموين:

إن الشعب الفلسطيني أنشأ ومنذ فترة مبكرة من عمر الانتفاضة مؤسساته الخاصة به، وانسلخ عن الاحتلال وأجهزته.

وهكذا انتشرت اللجان المتخصصة في جوانب الحياة المختلفة، وفي مجال حديثنا حول القمع الاقتصادي اليهودي والتحدي الفلسطيني له، فإننا نجد لجان الإغاثة ولجان التموين قد أخذت دورها الرائد في دعم صمود الشعب وتأكيد التكافل بينه.

أحد الرموز الإسلامية في فلسطين المحتلة تحدث حول هذا قائلًا: «لقد شكلنا -بفضل الله- لجان الإغاثة الإسلامية في كل المدن والقرى والمخيمات، وهذه اللجان مهمتها توزيع المعونات على المتضررين وتفقد أحوال الأسر الفلسطينية وزيارة ومتابعة الأسر التي فقدت عائلها بسبب اعتقاله أو استشهاده، والقيام على حاجاتها وتوفير ما يلزمها».

ويضيف قائلًا: «لقد لعبت هذه اللجان دورًا حساسًا في نجاح الإضرابات ودعم صمود المخيمات والقرى أثناء فرض سلطات الاحتلال الحصار لفترات طويلة عليها، ويقوم شباب الإغاثة الإسلامية بتيسير شاحنات الدعم والمواد الغذائية إلى القرى والمدن والمخيمات، ويقومون بحث المواطنين على تخزين ما يستطيعونه منها استعدادًا لأيام الإضرابات والمواجهات والحصار العسكري الطويل«.

وفي غير أيام الإضرابات الشاملة أو فعاليات المواجهة والتحدي المحددة في البيانات، كانت فرق «السواعد الرامية» تطلب من المواطنين في كل قرية تخزين ما يستطيعونه انتظارًا لموعد تصعيد المواجهة والتحدي في قريتهم أو مخيمهم، بحيث يتم توزيع أدوار وأوقات المواجهة في تناسق وتنظيم دقيق يربك سلطات الاحتلال.

  • اقتصاد حرب:

كذلك كانت هناك دعوة لكل قرية أو بلدة ولكل أسرة لإنتاج أكبر قدر ممكن من الأغذية محليًّا كجزء من التحرك صوب الاعتماد على الذات ومقاطعة المنتوجات الإسرائيلية، وهذه الدعوة أصبحت ضرورة ملحة في ضوء أن كثيرًا من المناطق تعاني نقصًا من الغذاء أثناء فترات الحصار ومنع التجول. وفي هذا السياق ظهرت «لجان الزراعة»، وقام الشباب المسلم بتوزيع «الشتلات» على المواطنين، وباشروا بزراعتها ومساعدة السكان على ذلك كإشارة ولفتة إلى أهمية الزراعة المنزلية لتوفير جزء من الحاجات الأساسية

واهتمت حركة حماس والقيادة الموحدة بدعوة الناس إلى مقاطعة البضائع «الإسرائيلية» التي يوجد لها بديل محلي. وهكذا شهدت أشهر الربيع زراعة كل قطعة أرض، بينما نشطت ربات البيوت بتربية الدواجن والأرانب والأغنام لتوفير اللحوم والألبان والبيض.

كذلك ركزت بيانات الانتفاضة «حماس والقيادة الموحدة» على توجيه الناس إلى الاقتصاد في الكهرباء والماء والاقتصاد في الوقود إلى الحد الأدنى والامتناع عن استخدام السيارات إلا في الحالات الضرورية، والامتناع عن شراء الكماليات، والامتناع عن دفع الضرائب والغرامات للمحاكم العسكرية «الإسرائيلية». وباختصار فقد أصبح اقتصاد الفلسطينيين اقتصاد حرب.  

  • التجويع لا يهمهم

ومما كان له أثره في إفشال محاولات اليهود لوقف الانتفاضة عن طريق الضغوط الاقتصادية، أن عنصر الشباب صغار السن هم الذين يشكلون عنصر المواجهة والتحدي الأساسي ضد قوات الاحتلال، وهؤلاء الشباب لا يعيرون مسائل الضغط الاقتصادي والتضييق والغرامات والضرائب أدنى اهتمام، وكل ما يهمهم هو مواجهة الاحتلال واصطياد جنوده وقتلهم والثأر للشهداء والمعتقلين، فهؤلاء لا يحسبون الحسابات الكثيرة ولا يقلبون الأمور ولا يزِنونها من كل الوجوه كما يفعل الكبار

وهذا الأمر أعطى الانتفاضة زخمًا وقوة إلى قوتها.

  • استراتيجية الزيت والزيتون:

وأخيرًا فإن الشعب الفلسطيني الآن في «مرحلة اللاعودة»، وهم كما أكدوا هذا «يصعدون درجات السلم، وكلما صعدوا درجة حرقوا التي قبلها»، فليس لهم إلا الاستمرار والتقدم، وهم يعلمون أن إيقاف الانتفاضة يعني الموت لشعبنا وإجهاض جهاده وتضحياته، واستفراد العدو به، وعودة مرحلة أخرى بغيضة من مراحل الاستكبار اليهودي.

لقد وصلت الأوضاع بالفلسطينيين أنه إذا اقتضت الأمور أن يعيشوا على الخبز والزيت والزيتون ويقتسمون لقمة الخبز، فإنهم لن يتوقفوا عن فعل ذلك من أجل أن تبقى الانتفاضة الأمل، رمز العزة والصمود

 

 

الرابط المختصر :