العنوان استعلاء الإيمان
الكاتب د. حمود الحطاب
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1976
مشاهدات 85
نشر في العدد 287
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 17-فبراير-1976
وجه الإسلام معتنقيه أول ما وجههم إلى لفتة عظيمة طارت بهم إلى أعالي السماوات؛ حيث انفكت الجاذبية الأرضية عن أرجلهم وأجسامهم وأنفسهم، فأصبحوا سريعي الحركة يقفزون في الكون قفزات عالية، وسر ذلك الانطلاقة العالية للنفس في رحاب الشهادة لله بالوجدانية، ولرسوله بالنبوة، ولدينه بالأحقية، فهي السنة سنة الإيمان التي تقتضي التعالي لا التكبر، ومن هنا يسمو المسلم الناطق بالتوحيد عن صغائر الأمور وتوافهها، فلا تجده راكضًا لاهثًا على المنقطع المندثر، فحدوده السماوات العلى لا الأرض السفلى، وصدق الله عز وجل عندما قرر صفات المؤمنين بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1، 2). وطبيعة الخشوع تقتضي الاندماج الكامل في معاني ما يتلو، وهي معاني سامية سماوية مرتفعة عالية، فمتى ما خشع القلب معها فهو قلب راق يستحق صفة الإيمان. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 3) واللغو يناقض مقتضيات الخشوع؛ إذ إن الخاشع ساكن القلب، وسكون القلب يقتضي عدم تحركه بأية إثارة من الخارج مما لا صلة لها بما خشع فيه القلب وهو الصلاة، وكون القلب لا يلتفت إلى اللغو، وهو ما لا قيمة له من الكلام استماعًا ونطقًا؛ يعني استعلاءه عليه، والمستعلي بهذه الصفات يستحق الفلاح الذي قرره الله عز وجل بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1). ولقد سمت أمة كانت ضعيفة بهذه المعاني من قبل.
من كان يظن أن قبائل العرب المتناثرة سوف تلتقي يومًا من الأيام على مبادئ سامية عالية كمبادئ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1) أن العرب ما كانت تعرف شيئًا اسمه الخشوع، ولا كانت تستعلي بالنفس، وكل ما كانت تعرفه هو التكبر والتعالي بغير حق. وكان التفاخر بينهم والتعالي على شهوات فارغة كالخمر فيقولون: ونشربها فتجعلنا ملوكًا.
يخطئون حين يردون انتصار الأمة الإسلامية إلى التكتل القومي على أساس العربية، فإن العروبة لم تستعل قبل أن تلتقي بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).
هيهات أن يستطيع مبدأ الأرض الترابي رفع الإنسان المثقل كاهله المنحني كتفه وعنقه إلى ملفوظات الأرض وفضالتها، ومن هنا رأينا سرعة زوال هذه العقائد التي ترفض الاستعلاء بفكرها وقلبها وروحها عن دنيا الحاجات والرغبات الضئيلة الضحلة ذات الكثافة المنعدمة.
إن سمو النفس الإنسانية التي سرعان ما تكتسب الشفافية والخفة لا يتحقق إلا بالإيمان، والإيمان لا يدرك أثره من رضي بحكم الطاغوت الأرضي المتمثل في النفس وشهواتها أولًا، ومن ثم السيطرة الاجتماعية للعادات والتقاليد التي تحجب نور الاستعلاء الإيماني وتحجب شمسه الوضاءة المثيرة.
ولاستعلاء الإيمان آثار وطبائع يلمسها من فرغ قلبه لمعرفتها من الغفلة والظلمة، فهي تتولد في نفسية المؤمن كما تتولد الأنسجة والخلايا فتنمي جسمه، ومن هذه الأشياء:
- نمو الشخصية عند المسلم فتجده مستقرًّا مقتنعًا، منشرح الصدر، فرح القلب بما يعتقد، يرى الناس بمنظار التواضع والشفقة، ويتمنى لهم اللحاق بهذا الركب المشرق.
- سلامة الفكر واستقرار النفس يؤدي للفكر السديد، فسداد القول لا ينبع إلا من الاطمئنان بالمصير، ومصير المؤمن لا يتقرر في الدنيا؛ لأنها مرحلة قصيرة عنده، لا يتوقف فيها نجاحه وعدمه إلا بمقدار ما يقدم للأخرى من أعمال.
- طلاقة اللسان؛ فتلكأ اللسان واضطراب الحروف في الحلق نتيجة لسواد القلب بالذنوب، وهذا ما يلمسه المؤمن بعد قيام الليل من خفة في الروح وشفافية في التفكير، وطلاقة في اللسان، والخالق عز وجل يؤكد ذلك لرسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (المزمل: 6).
- ارتخاء عضلات الوجه وظهور الاستبشار عليه، فيقبل الناس عليه بصدور منشرحة لما يجدون في محياه من البشر وطلاقة الاستقبال.
- التواضع؛ فتجده خادمًا راقيًا يسارع في مساعدة الآخرين، كما تجده متلطفًا في ذوقه، لا مسرفًا ولا مفرطًا، وهكذا في كل شأنه.
- العلم؛ فسكون النفس من الاضطراب يفتح فراغات في الذهن تتيح للطبيعة العاقلة للمؤمن أن يتجه إلى ملئها بالصالح المفيد، والمؤمن المستعلي بعيد عن الجهل، قريب من العلم.
- محبة الخير؛ وتتمثل هذه في رغبته في الدعوة الى الله عز وجل، وفيها كل الخير، فهي السعادة في أكثر الأقوال اختصارًا وأجمعها، والفلاح في الدارين؛ الدين والدنيا.
- العدالة؛ فالمؤمن الراقي الإيمان المستعلي في دينه لا يظلم أحدًا؛ لأن الظلم ظلمات، والإيمان نور ألقاه الله في قلبه لا يطفئه بظلمات الظلم والمعصية، كما قيل للشافعي رضي الله عنه: إن الله قد ألقى في قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية.
فمتى ما سلك هذا النور طريقًا محسوسًا في النفس فقد أضاء جوانبها وجلى حقائقها وأسطع شمسها، فالاستعلاء للمؤمن كهرباء ليل وقمره وشمس نهار ونوره.
وعلى مثله قال الشاعر:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
فاشمخ بأنف إسلامك عاليًا فوق الثريا، إن المبادئ الأرضية لن تسمو إلى الأبد.