; استقلال كوسوفا.. فرحة ناقصة | مجلة المجتمع

العنوان استقلال كوسوفا.. فرحة ناقصة

الكاتب عبد الحكيم مرة

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008

مشاهدات 68

نشر في العدد 1790

نشر في الصفحة 14

السبت 23-فبراير-2008

حقيقة الموقفين الأوروبي والأمريكي تتلخص في الطمع بثروات الإقليم المعدنية إضافة إلى رغبتهما في تحويله إلى قاعدة عسكرية

 

سيقوم الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد الاستقلال بتسيير شؤون الدولة وسيحل ۱۸۰۰ عسكري أوروبي مكان القوات التابعة للأمم المتحدة المتواجدة في الإقليم

 

الإقليم يتمتع بثروات معدنية هائلة يقدرها الخبراء بحوالي ١٦ مليار طن من الفحم و ٢٠ مليار طن من الزنك والرصاص إضافة إلى ١٥ مليار طن من النيكل

 

أخيرًا تم الإعلان عن استقلال إقليم كوسوفا يوم الأحد الماضي 17/ 2/ 2007م، وقد انتظر أهالي الإقليم والشعوب المحبة للحرية بشغف تلك الساعة، وشعب كوسوفا الذي عاني الأمرين من حكام بلجراد يستحق العيش مستقلًا على تراب وطنه، لكن هذا الاستقلال على ما يبدو سيكون ناقصًا بعض الشيء، وسيجد الكوسوفيون أنفسهم تحت استعمار من نوع جديد.

 

فالولايات المتحدة الأمريكية وأغلبية الدول الأوروبية دفعت جاهدة لإعلان استقلال الإقليم، ولو بشكل منفرد بغض النظر عن الموقف الدولي عامة، صحيح أنه من الصعب الحصول على إجماع حول الموضوع بسبب مواقف روسيا والصين وصربيا، لكن شدة اندفاع الأوروبيين والأمريكيين لحسم الموضوع لصالح الاستقلال يطرح أكثر من علامة استفهام!!

 هناك حالات مشابهة جدًا لحالة كوسوفا، لكن الموقف الأمريكي والأوروبي ليس واحداً من تلك الحالات، فقضية مسلمي جنوب الفلبين –مندناو– وقضية شمال قبرص «مسلمة». والقضية الشيشانية، وأقاليم شمال القوقاز عامة وغيرها –وكلها مناطق إسلامية– تتشابه من حيث الجوهر مع القضية الكوسوفية ولكنها لا تجد الحماس الأمريكي والأوروبي المؤيد لاستقلالها –على أحقيتها– كما تجده تجاه قضية كوسوفا، وإذا قمنا بتوسيع الدائرة بعض الشيء سنجد أن أقاليم «الباسك» وكورسيكا، وشمال أيرلندا والتيبت وكردستان.... وغيرها الكثير تطالب بالاستقلال عن الدول التي تقول إنها تستعمرها، فكيف سيكون الموقف الأوروبي والأمريكي من إعلان استقلال هذه الأقاليم؟

 وتكاد حقيقة الموقفين الأوروبي والأمريكي تتلخص في أطماع تلك الدول بالثروات المعدنية التي يتمتع بها الإقليم إضافة إلى رغبتهما بتحويله إلى قاعدة عسكرية ورأس حربة في المشروع الأمريكي الأطلسي لمواجهة روسيا وتأمين خطوط إمدادات النفط للعالم الغربي.

فإقليم كوسوفا وفق رأي الخبراء يتمتع بثروات معدنية هائلة، ويقدر الخبراء تلك الثروات بحوالي ١٦ مليار طن من الفحم، و٢٠ مليار طن من الزنك والرصاص، إضافة إلى ١٥ مليار طن من النيكل، وفي ظل عدم وجود فنيين مختصين من السكان المحليين نتيجة سياسة بلجراد الرسمية تجاه الإقليم، فإن مستقبل هذه الثروات سيكون بلا شك بأيدي الشركات الغربية التابعة للدول صاحبة الفضل في العمل لأجل استقلال الإقليم.

وعلى الصعيد العسكري فقد أقامت الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة عسكرية وصفت بأنها الأكبر خارج الأراضي الأمريكية منذ الحرب الفيتنامية، وتم إنشاء معسكر «بوند ستيل» عام ۱۹۹۹م لضمان آمن واستقرار الإقليم وتأمين عودة اللاجئين الذين غادروا الإقليم تحت تهديد الصرب. 

لكن اختيار مكان المعسكر شكك في النوايا الأمريكية حول حقيقة الهدف الذي أقيم من أجله.

ولاشك أن هدف أمريكا الخفي هو حماية إمدادات الطاقة المتدفقة من البحر الأسود إلى جنوب أوروبا، فهناك خط لنقل النفط من ميناء «بورغاس»  البلغاري على البحر الأسود يمر عبر مقدونيا وألبانيا وصولًا لميناء «فلور» على البحر الأدرياتيكي ومن هناك تقوم ناقلات النفط العملاقة «٣٠٠ ألف طن»  بشحن البترول إلى البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، دون الحاجة للمرور في مضيق البوسفور حيث تحدد الحكومة التركية حمولة ناقلات النفط المسموح لها بالعبور بما لا يزيد على ١٥٠ ألف طن. 

كما أن هناك مشروعًا كبيرًا لنقل الغاز الطبيعي من تركيا وصولًا إلى أواسط أوروبا، ومن المتوقع بدء العمل في المشروع بداية العام القادم، وتقدر ميزانية المشروع في مرحلته الأولى بما يقارب 6 مليارات يورو، ويبلغ طول أنابيبه 3300 كلم، ويعرف المشروع اختصارًا باسم «نابوككو»، ويتميز المشروع المقترح بعدد الدول المشتركة فيه تصديراً للغاز «ترکمانستان كازاخستان آذربیجان إيران سورية ومصر»، وسيمر عبر جورجيا وأرمينيا وتركيا ليصل حتى النمسا وسط أوروبا، وستبلغ طاقة الأنبوب في المرحلة الأولى 8 مليارات متر مكعب سنويًا لتصل إلى ١٣.٥ مليارًا عام ٢٠٢٠م، كما يتميز المشروع باستبعاده لروسيا كمصدر رئيس للغاز بالنسبة للدول الأوروبية، وبالتالي التحرر من هيمنتها أو على الأقل تخفيف الضغوط الروسية عليها.

وسيقوم الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد الاستقلال بتسيير شؤون الدولة وسيحل ۱۸۰۰ عسكري أوروبي مكان القوات التابعة للأمم المتحدة الموجودة في الإقليم منذ عام ۱۹۹۹م، تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم «١٢٤٤»، وستكون هذه القوات مستقلة تمامًا وستتلقى أوامرها من قادتها فقط دون أن يكون للرئيس الكوسوفي أو لحكومته أو المجلس النواب أي سيطرة عليها.

وستستمر بالعمل حتى اكتمال تشکیل الجيش الوطني لكوسوفا «٢٥٠٠ عنصر» الذي ستقوم هذه القوات بتدريب أعضائه وتسليحهم، وفق ما ورد في الملاحق السرية المشروع «أهيتساري» مبعوث الأمم المتحدة.

وهكذا سيجد مواطنو كوسوفا أن استقلالهم جزئي، وأن فرحتهم لم تكتمل وأن حقيقة المستعمر وإن تغير ثوبه تبقى واحدة.

الرابط المختصر :