العنوان اسمحوا لنا أن نغضبكم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1982
مشاهدات 54
نشر في العدد 576
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 22-يونيو-1982
«أنتم» متألمون، وحزينون، ومسحوقون، ومعذبون، ولكنكم -مع ذلك كله- لستم غاضبين، فهل تسمحون لنا أن نغضبكم؟
بالأمس كانوا يعبئونكم، ويستدرجونكم إلى الساحات الواسعة في المدن العربية الكبيرة، لتتظاهروا، وتمزقوا حناجركم بالهتاف، ولتورموا أكفكم بالتصفيق، «وهم» يخطبون فيكم من فوق شرفاتهم الأنيقة، ويهزون لكم بأيديهم، ويبتسمون.
ومن الشرفات الأنيقة كانوا يمطرونكم «بالكلمات» الأنيقة: بالحرية، والوحدة، والتحرير، والكفاح، والنضال، والصمود، والتصدي، واسترداد الأرض المغتصبة، وبسائر «العقاقير» التي وصفوها لكم، بعد أن شخصوا أدواءكم، فوجدوا أنكم -يا «أنتم»- مصابون بكل بلايا هذا العالم التاعس.
واليوم عندما حصدت «إسرائيل» إخوانكم اللبنانيين والفلسطينيين، وعبرت سلاسل دباباتها على أشلائهم وابتسامات أطفالهم، اليوم فرسان الشرفات الأنيقة يسخرون من بؤسكم، وحزنكم، وعذابكم، فهل تغضبون؟ اسمحوا لنا -إذن- أن نغضبكم!.
•بعضهم -أشهر فرسان الشرفات الأنيقة- أثبت لكم أنه لن يدخل المعركة ضد العدو الغازي، ولن يدافع عن إخوانكم الفلسطينيين واللبنانيين، ولن يطلق صاروخًا واحدًا باتجاه طائرة إسرائيلية، ولن يسمح -حتى- بوصول معدات الإنقاذ الطبية إليهم عبر عاصمته، وهو يستقبل كل يوم المكوك الأمريكي القادم من «إسرائيل»، ويلبي كل طلباته، ويقوم بوقف إطلاق النار كما تريد «إسرائيل»، وسيوقف إطلاق النار دائمًا، وهو يفعل ذلك كله لأسباب «فنية».
فتألموا يا «أنتم»، واحزنوا، وانسحقوا كما ترتضون، أو كما لا ترتضون، ولكن ألا تغضبون؟! اسمحوا لنا -إذن- أن نغضبكم!.
◘بعضهم الآخر -المكتوب عليه أن تلد الأرض تحت قدميه ذهبًا- لن «يتمكن» من قطع الدعم عن البعض الأول -المتواطئ مع العدو «لأسباب فنية»- ولن ينصت هذا البعض الآخر إليكم مهما رفعتم أصواتكم في تل الزعتر أو في حماة أو في أي مكان مذبوح مهدوم دام مستباح، و«أنتم» ربما تعرفون لماذا يستمر الدعم من «بعض» إلى «بعض»، ولكم أن تفسروا ذلك كيفما شئتم: ابتزاز، خوف، صمت، دهشة، رضى، حب، «ومن الحب ما يسحق الشعوب».
والبعض الآخر هذا أيضًا لن يفرض حظرًا نفطيًا على أحد ممن يؤيد إسرائيل ويدعمها، لا على أمريكا، ولا على صواحبها الأوربيات، ولعل عدم الحظر هذا يرجع كذلك إلى «أسباب فنية»، ولكن من نوع آخر.
ومهما يكن -وما أفظع ما هو كائن- «فأنتم» قد تعرفون لماذا يستمر الدعم، ولماذا يستمر النفط، ولماذا يستمر ذبح الفلسطينيين واللبنانيين، ولكن ألن تعرفوا كيف تغضبون؟ اسمحوا لنا -إذن- أن نغضبكم!.
◘«هم» مختلفون فيما بينهم، ومتنابذون، والأسباب كثيرة، و«أنتم» لا علاقة لكم بخلافاتهم وتنابذهم، فهذا شأنهم وحدهم: يتعانقون حين يشاؤون، ويتشاتمون حين يشاؤون، ويتآمر بعضهم على بعض حين يشاؤون.
«وهم» قرروا منذ فترة ألا يتفقوا، هكذا يريدون، أو هكذا يراد لهم، إنهم لن يتفقوا -حتى- على «الحد الأدنى»، ولو صرتم «أنتم» في الحد الأعلى من الألم والذبح والجنون!
فمؤتمر وزراء خارجيتهم لم ينعقد بعد، وهو بالتالي لم يمهد لمؤتمر قمتهم بعد، ومؤتمر قمتهم الذي يقولون إنهم يرغبون في أن يكون عاجلًا، لن يكون عاجلًا؛ لأن آخر قطرة دم فلسطيني ولبناني لم تنزف بعد، وإذا انعقد مؤتمر قمتهم هذا فاحلموا -يا «أنتم»- أنه سوف يحقق آمالكم العريضة التي نثروها على رؤوسكم من شرفاتهم الأنيقة، مثلما حققتها مؤتمرات قممهم السابقة أملًا أملًا «حتى العظم».
ومن يدري؟ فلعلهم يجتمعون، ويعتكفون طويلًا في القاعات المغلقة للجامعة العربية، ويطيلون التفكير والمناقشة في «الأهداف المصيرية، والقضايا الهامة، والمنعطفات الخطيرة، وآمال شعبنا «العظيم».
ويعلنون في نهاية القمة الموعودة «شجبهم واستنكارهم» لذبح آخر طفل فلسطيني في بيروت، ثم يعودون إلى عواصمهم، وإلى شرفاتهم الأنيقة، وأنتم تنظرون، أفلا تغضبون؟ اسمحوا لنا -إذن- أن نغضبكم!.
أبو إياد -من أحشاء اللهب والدم- ينادي في اليوم الرابع عشر «للغزو- المؤامرة»: «إنهم» ثلاثة أصناف: متواطئون، أو صامتون، أو متفرجون، والصمت تواطؤ، والتفرج تواطؤ كذلك.
وأبو إياد من أحشاء اللهب والدم -يحذر- يحذركم، ويحذرهم-: إذا كان الدور الآن على بيروت، فهو غدًا على دمشق، وحماة، وحلب، «وأنتم» لا يمكن أن تكونوا متواطئين مثلهم، ولا صامتين مثلهم، ولا متفرجين مثلهم، أفلا تكونوا شيئًا ما غير التواطؤ والصمت والتفرج؟ أفلا تكونوا -مثلًا- غاضبين؟!
اسمحوا لنا -إذن- أن نغضبكم!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل