العنوان اضطهاد المرأة في يومها العالمي
الكاتب د. سعيد حارب
تاريخ النشر السبت 12-ديسمبر-2009
مشاهدات 48
نشر في العدد 1880
نشر في الصفحة 33
السبت 12-ديسمبر-2009
«الحرمة «المرأة» مثل الجوزة ما تعرفها حتى تكسرها».. يسود هذا المثل وغيره من الأمثال السيئة بين عامة الناس، وتتحدث عن المرأة بدونية واحتقار وكأنها جاءت إلى الدنيا كرها وليس بقدر الله كما جاء الرجل، ورغم أن كثيرًا من الناس في منطقة الخليج وغيرها من المناطق قد حصل على قدر كبير من التعليم فإنه ما زال ينظر إلى المرأة نظرة متخلفة مثلما كان ينظر إليها جده أو من سبقه.
وإذا كان لأولئك السابقين عذرهم بسبب الجهل وسيادة المفاهيم الاجتماعية المتخلفة، فما عذر من حصل على التعليم وعاش عصر «التنوير» كما يسمونه؟ إذ إن الأمر لا يقتصر على بعض المنغلقين اجتماعيًا أو المتشددين دينيًا، بل إن كثيرًا ممن يدعي التحرر والانفتاح مازال يحمل النظرة نفسها حول المرأة، التي لم يري فيها سوى صورتها وجمالها وليس روحها وفكرها، ولعل المتتبع لما يكتب ويعرض في وسائل الإعلام يجد أن كثيرا من هؤلاء المتحررين يتعامل مع المرأة باعتبارها سلعة أو «شيئا» يمكن أن يكون مصدرًا للربح والتجارة.
ومقارنة بسيطة بين المرأة التي تقدم في وسائل الإعلام من خلال منجزاتها وعطائها، والمرأة التي تقدم كسلعة في الإعلان والترويج للسلع والإغراء، يتبين لنا أن النتيجة ستكون لصالح الصورة الثانية للمرأة، ومن خلال هذه الرؤية يتم التعامل مع المرأة، مما أنتج واقعا مريرًا تعيشه كثير من النساء في العالم، فقبل أسبوعين مر اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة وكان مناسبة لكشف واقع المرأة وما تتعرض له من اضطهاد استدعى تشكيل مجالس ولجان وإصدار تقارير وقرارات لمواجهة هذه الظاهرة التي لم تقتصر على مجتمع دون آخر أو دولة دون غيرها، وكأن شعوب العالم أجمعت على اضطهادها .
وتختلف صور الاضطهاد بين اللفظي والإجتماعي والجسدي، إذ تشير التقارير إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء تعرضت للضرب، وفي الولايات المتحدة توجد حالة اغتصاب كل 1.3 دقيقة، أي ۷۸ حالة اغتصاب في الساعة، وفي دراسة لإحدى المجلات أشارت إلى أن ٥٢% من النساء الفلسطينيات تعرضن للضرب مرة واحدة على الأقل، بينما تعرضت ٤٧% من النساء الأردنيات لذلك، وأن ٩٥% من ضحايا العنف في فرنسا من النساء، وفي الهند 8 من كل ۱۰نساء تعرضن للعنف.
تقارير دولية
ولا تخلو التقارير الدولية والإقليمية من الإشارة إلى العنف الموجه ضد المرأة، فقد أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية الذي صدر في شهر يوليو الماضي إلى أن ٣١,٤% من النساء في الجزائر تعرضن للعنف الجسدي، بينما تعرضت 21.8% من نساء سوريا لذلك العنف، وفي العراق بلغت النسبة ۲۲٫۷% من النساء، وفي لبنان ٣٥%، وفي مصر ٣٥%، وفي اليمن ٥٠٪، مما يشير إلى ازدياد هذه الظاهرة وانتشارها على مساحات واسعة من البلاد العربية.
ولعل مما يزيد من خطورة الأمر أن ظاهرة العنف ضد النساء في البلاد العربية ترتبط بالمنظور الاجتماعي الذي يعلي من مكانة الرجل، ويغض الطرف عن ممارساته حتى ولو كانت مخالفة لتعاليم الدين أو القيم الاجتماعية باعتبار أنه رجل لا يعيبه شيء، بينما شرف المرأة مثل عود الكبريت كما يشيع بين كثير من العرب، ولذا ينتشر في بعض البلاد العربية ما يسمى بجرائم الشرف، حيث يتم قتل المرأة أو حبسها وإهانتها بسبب الشك في سلوكها، دون أن يعمد أحد إلى التأكد من ذلك أو معالجة المشكلة.
وقد كشفت الأحداث في بعض البلدان العربية أن تلك الجرائم أودت بحياة نساء وفتيات بريئات كن ضحايا الشك ونخوة الرجل، ولذا فإن العنف ضد المرأة مبرر حتى لو كان في ذلك مخالفة لتعاليم الإسلام الذي أمر بحسن معاملة النساء وحفظ حقوقهن التي أمر الله بها والثقة في مكانة وكرامة المرأة المسلمة، وعدم الحكم بالشك بل لا بد من التيقن في أية قضية، وأن ذلك مرجعه إلى القضاء وليس إلى شكوك الناس وأهوائهم، وتعتبر حالات الحروب من أكثر الظروف التي تفتح الباب أمام اضطهاد المرأة، بل إن النساء والأطفال هم أكثر ضحايا هذه الحروب، ولعل ما حدث في العراق أوضح دليل على ذلك.
مسؤولية دينية واجتماعية
إن حماية المرأة من العنف والاضطهاد مسؤولية دينية واجتماعية وأخلاقية، ففي ظل الواقع الذي تعيشه المرأة فإنها تحتاج إلى سياج قانوني، ورؤية اجتماعية تنبع من التعاليم الإسلامية التي تعلي من شأن المرأة وترفع مكانتها باعتبارها جزءا من الوجود الإنساني القائم على الرجل والمرأة، ومن خلال تحديد الأدوار التكاملية التي يقوم بها كل فرد وليس من خلال المواجهة والصراع الذي ترسمه بعض المفاهيم سواء حملت صورة التخلف أو الحداثة، فالعلاقة بين المرأة والرجل ليست معركة بل هي شراكة وتعاون من أجل سير الحياة الإنسانية، وإذا كان الآخرون يواجهون مشكلة اضطهاد المرأة الأسباب مختلفة، فإن القضية بالنسبة لنا واضحة، وهي أن الواقع الاجتماعي يتحمل النصيب الأعظم من أسباب هذه المشكلة، وما لم تعالج هذه الأسباب، فسيبقى بعضنا ينظر إلى المرأة باعتبارها «جوزة لا بد من كسرها» !