العنوان اعترافات زوجة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 69
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 20-أبريل-1993
قبل زواجي كنت أضع في ذهني صورةً
خياليةً لزواجٍ مثاليٍ ناجحٍ، يضرب به المثل، وبعد زواجي حرصت كثيرًا على أن تكون
الصورة واقِعًا أعيشه، ومن هنا بدأت مشاكلي التي ساعد على تراكمها مثاليتي
الشديدة، والطيبة التي عرفت بها دومًا بين أهلي وصحبي.
كان زوجي شابًّا ملتزِمًا بصلاته
وعبادته، لكن حياته الاجتماعية كانت مختلفةً نوعًا ما، مع حرصه الشديد ذاك على
العبادات، بما في ذلك سفره للعمرة بين فترةٍ وأخرى. لقد كان من النوع الذي يؤمن
بأن يؤدي فروضه العبادية، ثم بعد ذلك يتصرف كما يحلو له بالطبع، لقد أدهشني ذلك
منه، لكنني لم [أسأله] يومًا عن هذا التناقض في شخصيته. دافعي وراء ذلك كان حرصي
الشديد على أن أكون زوجةً مثاليةً مطيعةً لزوجها، لم أكن أحب أن يصدر مني بتاتًا
ما يضايقه أو ما يكرهه، لذلك تركته يتصرف دومًا كما يحب ويريد. كان يجلس الساعات
الطوال أمام التلفاز كي يشاهد الأفلام الخليعة الماجنة، فلا أشتكي أو أعترض، فقط
أكتفي بالانسحاب لغرفتي متألِّمَةً صابِرَةً، أدعو له بالهداية والرشاد.
ظننت أن صمتي وطيبتي ستجعلانه يعدل
من سلوكه ذاك، لكن توقعاتي كانت خاطئةً، وكنت أعلل نفسي دومًا بأنه حريص على
الصلاة في وقتها، وهي كفيلة بنهيه عما هو فيه، المسألة مسألة وقتٍ ليس إلا، يجب
ألا أشكو أو أتذمر، عليَّ أن أكون دومًا زوجةً مثاليةً في صبرها وطيبتها... إلخ.
وهكذا استمررت في معاملتي له؛ القسوة
منه أقابلها بحبٍ وتسامحٍ كبيرٍ، التجاهل منه لدوري في حياته كزوجةٍ كنت أقابله
بصبرٍ وطيبةٍ متناهيةٍ، كنت أراه يقسو فأزداد حبًّا وحنانًا، كنت أراه يجهل فأحلم،
ويثور فأرضيه، ويتكبر فأتواضع له؛ في ذهني دومًا صورة الزواج المثالي الذي يجب ألا
يخدش أو يتهدم.
مرت السنون وأنا أزداد حبًّا له
وطاعةً عمياء، وهو يزداد قسوةً وجفاءً، عرف طريقه إلى رفاق السوء، ثم إلى معاقرة
الخمر وما سواها من محرمات، فلم أعترض أو أستنكر، وإن كنت في داخلي أتألم أشد
الألم، ولا يدرك العذاب الذي عشته إلا الله تعالى.
لعلكم تتساءلون لِمَ لمْ أعترض أو
أخاصمه، أو أقوم بأي عملٍ آخر يردعه عما هو فيه؟ فعلًا [لِمَ] لم أفعل كل ذلك؟
لأنني ببساطَةٍ شديدةٍ كنت أعتقد أن الزوجة المثالية يجب ألا تعترض على أي خطأٍ من
زوجها! لذلك رحت في المقابل أغدق عليه حبًّا وعطاءً، وكنت متيقنةً أن تصرفي هذا
سيجعله يخجل من نفسه، ويقلع عما هو فيه، لكنه لدهشتي الشديدة ازداد إمعانًا في غيه
وانحرافه. صار يعاملني بجفاءٍ شديدٍ وقسوةٍ متناهيةٍ، واعتبر وجودي ملغِيًا من
حياته نهائِيًّا، ومن جهة ثانية راح يغرق في الموبقات حتى أذنيه، لكنه لم يترك
الصلاة يومًا، وهذا ما كان يعطيني دومًا شيئًا من الأمل في صلاح حاله، لكن الصبر
طال، والسنوات مرت وحاله لم يتغير، بل يزداد سوءًا. زاد جفاؤه لي، واحتقاره، وكثرت
إهانته لي في الخلوة، وأمام الملأ؛ عندها شعرت بأن قلبي بدأ يتغير تجاهه، بدأت أشك
في حقيقة الزوجة المثالية التي عشتها منذ أول زواجي، توقفت عن نبع الحب والحنان
الذي كنت أغدق عليه منه بلا مقابل، وفي إيثارٍ متناهٍ.
جلست الساعات الطوال أفكر في حالي معه، كيف وصلت الأمور بيننا إلى هذا الحد؟ لماذا لم يتحقق لي أبدًا حلم الزواج المثالي الذي كنت أنشده؟! فكرت أيّامًا ولياليَ عديدةً، وأخيرًا اهتديت إلى السبب؛ إنه ببساطَةٍ طيبتي ومثاليتي الشديدة، لقد أخطأت بمفهوم الزوجة المثالية الذي سلكته طوال علاقتي معه؛ ظننت أن الزوجة المثالية يجب ألا تحتج، ألا تعترض، ألا تبدي رأيها في أي أمرٍ.. عودته منذ البداية على أنني لا شيء في حياته، وهكذا صار ينظر إلي ويتصرف معي، حتى عندما رأيته ينحرف عن الطريق القويم لم أتدخل لنصحه وإصلاحه، اكتفيت بالسلاح السلبي: الدموع والدعاء.. وهكذا ضاع مني عشرون عامًا مضت على حياتي معه، لم يتبدل فيها شيء، عشرون عامًا وأنا آمل في إصلاحه، والعشرون سنة مرت وهو يزداد من سيئ إلى أسوأ. أعترف أنني أضعته بطيبتي وسذاجتي المتناهية.. نعم أعترف، ولكن بعد فوات الأوان.
م. ن. و- الروضة
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل