العنوان اغتيال الوعي، وعودة الأوثان المقدسة
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 55
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 66
السبت 02-يونيو-2007
ربما كان الاستبداد والتسلط السياسي أشنع صور الاعتداء على كرامة الفرد وإنسانيته، ولكن هناك لحظات في الحياة يكون فيها الاستبداد الفكري أشنع حالًا وأعمق أثرًا على تحطيم دافعية الإنسان نحو الحرية، أو تهميشًا لإرادته في التعبير عن قناعاته وآرائه، أو تكريسًا لمذلة الاتباع لمن له الحق المطلق في المعارف والأحكام وشؤون الواقع وحتى الغيب؟!
فالطغيان المادي وإن كان يضرب الإنسان بعصا من حديد، إلا أن الطغيان الفكري يخنق الإنسان بحبل من حرير!
وحينما تكبل عقول الأفراد بالتخويف والتهميش والتسطيح تصبح المجتمعات سجنًا كبيرًا يمنع فيه الأفراد من التفكير والتعبير، ويرسفون من حيث لا يشعرون في قيود الخوف من نقد أو مخالفة لوثن المعبود وإلا أصبح كل جريء متمردًا منبوذًا مخالفًا للجموع المرعوبة، وهذا ما فعلته زمرة من الأوثان البشرية قضوا فيها على أمم لم تعد للحياة إلا بعد زوال عروش التسلط الفكري عنهم كما حصل للألمان في عهد هتلر أو الطليان مع موسليني أو ماوتسي تونج في الصين، أو ستالين في روسيا كأمثلة صارخة للإبادة الفكرية الجماعية وتقديس الوثن الأوحد.
أما في عصرنا الحاضر- ونحن في مرحلة استحالة تكبيل العقول بالأفكار المقفلة نتيجة للانفتاح الفضائي وتوسع وتنوع وسائل الاتصال بالعالم- فقد أصبحت بالتالي مجتمعاتنا الإسلامية في حيرة من تعدد الخيارات الإصلاحية وانجذابها للتيارات الفكرية المتكالبة على كسب أسواقها الجديدة الواعدة فظهرت أزمة حقيقية لدى الفرد المسلم في عدم القدرة على التمييز بين تلك المنتجات الوافدة من الأفكار والمشاريع وما هو الأصلح للتطبيق والأنسب للعمل، وظننا أن نجاح بعض تلك المشاريع الفكرية في بلدانها فيه العلاج الجذري والكافي لمشكلات بلادنا فالديمقراطية على سبيل المثال أصبحت جوقة كل التيارات المتنافرة في عالمنا الإسلامي، ولما تم استنباتها في مجتمعاتنا من خلال توسعة الشراكة الحزبية في إدارة السلطة وتعميم التجربة الانتخابية أنتجت لنا مرضًا خطيرًا كان من أسباب الشقاء في نكساتنا التاريخية، من خلال عودة القبيلة، وتكريس العنصرية الإقليمية، وتأجيج نار الطائفية التي جعلت من الدولة الواحدة دويلات متحفزة للاشتعال من أدنى فتيل بينما كان الأولى والأسلم- في نقل أي مشروع- أن نفحص تربة البناء ونمهد الأرض للعمل حتى لا نخسر بعد بذل الجهد أرضنا ومشروع البناء.
كما أن المسلم اليوم يقف أمام مشاهد محبطة يراها بعينيه، وإن كان لا يدرك أثرها المباشر عليه كالصراع بين الأجنحة والتيارات السياسية في بلاده أو تزاحم الإشكاليات الفكرية وتهاوي القيم الدينية أمام النزعات المادية السلطوية؛ لذا فهو في أمس الحاجة لأن يقوي دفاعاته من الاختراق الثقافي والقيمي، ويعيد بناء فكره ليكون صامدًا من لفحات الأطروحات العقلانية النافرة أو الأيدلوجيات المتطرفة، من أجل تلك الحيثيات أضحينا في أمس الحاجة لعودة الوعي الديني للصمود والوعي الحضاري للنهوض، ولعلي أبين وأؤكد مدى أهمية الحاجة للوعي في ظروفنا الراهنة وبنائه في النفوس والعقول من خلال هذين المؤشرين.
أولًا: المتأمل في مراحل تاريخنا الماضي يراه أشبه بالحلقات المترابطة، وإن كانت متفاوتة القوة لكنها متلاحمة بانسجام بسبب المشترك الديني والثقافي المتجذر في الأعماق، وعندما تختل تلك الرابطة الفكرية ويضعف دور الإيمان والعلم والفكر الناضج، يتحلل ذلك الترابط وتتراجع حلقاته إلى القاع كسلسلة انفكت إحدى حلقاتها وهوت إلى الأسفل.
لذلك كان الاهتمام بالروابط الدينية والفكرية له أثره الكبير في قوة الأمة، والفرصة اليوم سانحة لمن يملك الوعي اللازم لتقوية مكامن الضعف لدينا، وأعتقد أن الواعين في الأمة فكريًا ودينيًا هم الحلقة المفقودة التي سينسجم الكل في فلكهم ويتعاون الجميع مع مشاريعهم.
ثانيًا: إن كثرة التحديات الراهنة وعلى جميع المستويات الحياتية أبرزت أسئلة ملحة في ذهن المسلم عن: ما موقفه تجاه الانفتاح مع الأمم الأخرى وضرورة التعايش السلمي معها لوجود مصالح مشتركة تجمعهم؟ وما الثوابت التي لا بد من حفظها والمتغيرات التي تقبل المرونة في تعاطيها؟ وما مستقبلنا مع تسلط الشركات العابرة والإعلام الفضائي؟ وكيف نواجه حشود البطالة والنزوع للاستهلاك ومقاومة الظواهر السلوكية الخاطئة والانحرافات الخلقية؟ وغيرها من الأسئلة التي تتهيب النخب السياسية والعلمية والشرعية من مناقشتها بما يقنع الشباب- على وجه الخصوص- بالحلول الواقعية العملية.
فطبيعي أن ينشد الشباب لمن يفهم حالهم ويملك حلولًا واقعية لأزماتهم الساخنة حتى مع بساطتها وضعف إمكانياتها، فشبابنا اليوم- بعد فترة قليلة قد لا تتجاوز عقدًا من الزمن- هم من سيتولى قيادتنا شئنا أم أبينا.
وفي كل يوم أزداد قناعة بأن الوعي وترسيخه في البناء الذاتي والمجتمعي هو واجب المرحلتين الراهنة والقادمة، وأن أي اغتيال لدوره أو تهميش لفاعليته في الدعوة والتربية والإصلاح هو بداية الإعداد لعصر التطرف والعنف الفكري والتغالب الاجتماعي، وعودة «الأوثان» المقدسة.