; افحص شخصيتك الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان افحص شخصيتك الإسلامية

الكاتب نبيل فولي محمد

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003

مشاهدات 47

نشر في العدد 1564

نشر في الصفحة 38

السبت 16-أغسطس-2003

في هذا الزمن المزدحم بالناس والأشياء، عليك أن تتحسس ذاتك من وقت إلى آخر، تتأكد أنك ما زلت موجودًا، لا بدنًا وجسدًا، ولكن شخصية وهوية.. لن تحتاج في هذا العمل إلى أن تكون كأبي حامد الغزالي «توفي ٥٠٥هـ» الذي راح يتحسس ذاته، ويراقب حواسه وفكره؛ ليستند إلى شكه المنهجي في تحقيق اليقين الثابت في وجود الذات والوجود، صعودا إلى الإيمان بالله تعالى والتصديق برسله وكتبه. 

لن تحتاج –مثله- إلى أن تنظر في الفلسفة وعلم الكلام والفقه والتصوف وثقافة العصر كلها لتعرف أي هذه الطرق يقرب صاحبه إلى الله تعالى أكثر من الطرق الأخرى، وأيها أجدر بان يوصف بأنه علم من علوم الآخرة حسب ممارسة العلماء له في ذلك الزمن.

أنت في زمان آخر تمامًا، وفي دنيا مختلفة حتى عن دنيا من تركوا الحياة منذ نصف قرن فقط، أنت في عالم مزدحم، مزدحم جدًا، لا بالناس فقط، ولا بالسيارات والمنتجات التكنولوجية فحسب، ولكن قبل ذلك بالأفكار وأنماط المعاش، التي لا يبدو أنها تتراوح بين الأبيض الناصع والأسود القائم كما كان الحال في الزمان الفائت، وإنما تتداخل ألوان كثيرة في الفكرة الواحدة والنمط المعيشي الواحد، حتى ظهرت اشتراكية رأسمالية، ورأسمالية مطعمة بأفكار اشتراكية، ويسار إسلامي، وإسلام علماني، وإسلام متشدد، واخر مستنير (!!) وهكذا...! 

  • في العالم 

ولأنك لا يمكن أن تنفصل عن العالم، فأنت مكره على أن تكون «في العالم»، لا خارجه (۱)، لا أبراج عاجية ولا أسمنتية تستطيع أن تفصلك عن العالم من حولك في هذا الزمن.. 

هي إذن معركة لابد منها.. ومادام العيش في هذا الزمن معركة –بمعناها العام– لابد من خوضها، فليخضها المسلم بشجاعة إذن، ولا يرض بأن يُدَاس تحت عجلات الحياة المسرعة، بل يجب عليه أن يكون من صناع التقدم وداعميه و مرشديه.. نعم، لا يصلح في هذا الأمر حتى أن نكون حياديين أو حكامًا نظريين على ما يجري في العالم من صناعة حياة جديدة، يُفرَض علينا شكلها ونمطها ولا نملك بإزائها اختيارًا.. وذلك «لئلا تبدو «أمتنا» للآخرين حملًا زائدًا على البشرية، وكمية هامدة فاتها قطار التاريخ»– كما قال بيان وقعه بعض المثقفين العرب. 

وكما قال شاعرنا القديم: 

ويُقضَى الأمر حين تغيب تيم                            لا يُستأذَنون وهم شهود 

وإذا كان البعض قد قال: «إن التحضر والتمدين والاكتشافات العلمية الحديثة قد فضحت كل الأديان وكشفت عُوَارها، إلا الإسلام الذي مازال متألقًا»، فنحن نريد أن نحقق نتيجة أخرى على قدر كبير من الخطورة والأهمية، وهي: إذا كان التحضر والتمدين والاكتشافات العلمية الحديثة قد زحفت على الهويات حتى بدلتها، ومحت بعضها تمامًا، فإن استجابة الشخصية المسلمة والمجتمع المسلم لهذا الجديد وتفاعلهما معه تفاعلًا إيجابيًا، يمكن أن يتحقق دون مسخ أو تشويه للمقومات الأساسية لهذه الشخصية وهذا المجتمع. 

  • مراجعات 

الفحص والمراجعة وسيلة مهمة لسلامة المسيرة: إذ من خلالها نكتشف مواضع الضعف ومواطن القوة فيما نفحصه، وهذه مجالات لفحص شخصيتنا الإسلامية وما عساها أن تكون عليه من الاقتراب من الإسلام أو الابتعاد عنه:

1-الأوقات: 

دقة المواعيد والمحافظة على الوقت تعد من علامات التدين والتحضر معًا، وهي سمة تتواجد لدى الكثير من الغربيين وغيرهم من ممثلي الحضارة المعاصرة، لكنها عندهم سبب يتحفز من خلاله الانتفاع المادي الأقصى بالحياة وإمكاناتها، ولا علاقة للدين بها من قريب أو بعيد

والجانب السلبي لدى المسلم المعاصر في هذه الناحية هو أن كثيرًا منا لا يدرك قيمة الوقت، ولا خطورة ضرب المواعيد الكاذبة والمُخْلَفة، ولا أن من شأن هذا أن يترك ثغرات مضرة ببنيان المجتمع، ويفقدنا مصداقية التعامل فيما بيننا.. وهذه الممارسات لا شك تخالف أوامر الدين، وتُصادِم أسباب التحضر على السواء. 

لكن هنالك نمط آخر خاطئ في علاقتنا بالوقت والزمن، يمثل زحفًا غريبًا على الشخصية المسلمة، وذلك هو النظر إلى ضبط تعاملنا مع الزمن على أنه عملية مادية صرف، وأن من شأن هذا الضبط أن تزيد معه منافعنا المادية كلما ارتفع. 

ومن الممارسات التي تترجم عن هذا: أن تجد الشخص «المسلم» يضرب مواعيده في وقت الصلاة، ويأبى أداء الصلاة في موعدها أحيانًا؛ لأن وقتها حل في إحدى ساعات الذروة من عمله، وفي رؤيته أنه لن يحدث ضرر كبير لو أخر الصلاة بعض الوقت، أو حتى يصليها مع الصلاة التالية!. 

ولكي نصون شخصيتنا المسلمة من التآكل ينبغي أن تكون نظرتنا إلى الوقت نابعة: 

أولًا– من أنه نعمة من الله تعالى، فكم من موسد تحت التراب حُرم منها، وكم من جنين لم يرد الله له حياة فوق ظهر الأرض، فأعطانا نحن نعمة حُرم منها الكثيرون. 

وثانيًا– يجب أن تتميز خطانا في الحياة بالانضباط والنظام؛ لا لأن هذا شيء ابتدعته الحضارة الغربية، بل هو شيء من نواميس الله في كونه وسننه في خلقه، ومن صادم النواميس صدمته وأردَتْه. 

وثالثًا– ما كان الانتفاع بالمادة غاية الغايات ولا هدف الأهداف، إلا عند من يريد الدنيا ولا يرى للآخرة قيمة تجعلها جديرة بالاهتمام والعمل لها، فالمسلم يهتم بالدنيا.. يرى اهتمامه بها عبادة لأنه يعتمد فيه أنماطًا من الممارسة تتفق مع الدين الذي يرضاه خالق الحياة والأحياء سبحانه وتعالى ولأنه يرى الحياة هي الدار الأولى التي تمثل مرحلة الاختبار. ومن هنا فلا تصادم لدى المسلم الحقيقي بين المحافظة على دينه وشعائر إسلامه، والانضباط في مواعيده والمحافظة على وقته؛ إذ إن هذا الانضباط وتلك المحافظة -حسب هذا المفهوم- ستصير جزءًا من النفط المتناسق في التعامل مع الحياة وشؤونها. 

٢ – الأماكن: 

في اتجاههم نحو التحضر والتمدن، زحف الأوروبيون على الدين الذي حد من انطلاقهم زمنًا طويلًا، وقيدهم بسلطات كثيرة مزعومة، فحدُّوا هم من سلطاته الاجتماعية، وضيقوا دائرة حضوره في السياسة والاقتصاد والعلوم إلى أقصى درجة، وحددوا إقامته في الكنائس والأديرة، فكانت في المنافي المزوقة التي ألقوا بالدين فيها. 

وكثير منا -نحن المسلمين- يرى هذه الرؤية بالنسبة للإسلام، فلا يجعل له بيتًا إلا المسجد، ولا موضعًا يحيا فيه إلا المحاريب، فإذا خرجت قدم المسلم الأولى من المسجد صار. عندهم في شيء آخر تمامًا لا تنطبق عليه أحكام الدين، ولا يخضع لما يخضع له المسجد من أحكام وآداب وأخلاق بوجه من الوجوه. 

وهذه النظرة هي نفسها التي نفت الدين في أوروبا من الحياة إلى زوايا النسيان، لكن الإسلام ليس هذا من طبيعته؛ إذ لابد له أن يتمشَّى في عروق الحياة والأحياء، ويتحرك في ظاهر الحياة وباطنها، ويخالط فكر أصحابه وقلوبهم، ويبرز في أفعالهم وأقوالهم، وينبعث من الحنايا؛ وإن ظن الناس أن ضغط الحياة قد قلل من سلطانه، وأذهب من تألقه. 

إن المسلم الذي يراجع شخصيته وهو يخوض غمار الحياة بقوة تنتج وتضيف، ولا تكتفي بأن تتفرج وتنتقد؛ هذا المسلم يجب أن يتحقق من أن التآكل والذوبان لم يلحق بشخصيته، ولم يؤثر على رؤيته الإسلامية للمكان وهي أن المسجد -برغم أهميته– هو مكان من أماكن الدنيا، التي يجب أن يحيا فيها الإسلام، وبتعبير أدق: التي يجب أن يحيا فيها المسلم بالإسلام وأخلاقه وعقائده. 

بل إن للمسجد من السلطان القلبي والروحي ما يجعلنا نتهدب بإزائه، وأما الأسواق والبيوت والشوارع ومحال العمل والتجارة، فليس لها من هذا الروح شيء، فلو غالب المسلم طبائع الأشياء، وراعى تشريعات دينه وأخلاقه العظيمة في هذه الأماكن، فلمِثل هذا أجر عند الله وأي أجر! ولعل هذا هو ما جعل صلاة البيوت -فيما عدا الفريضة- أفضل من صلاة المسجد، ففي المتفق عليه من حديث زيد بن ثابت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». 

3- ماذا تقول؟ 

قد لا نعير كبير اهتمام لبعض الألفاظ الأجنبية التي نحشرها في أحاديثنا العلمية حشرًا؛ نظرًا للبطء الشديد في عملية تعريب العلوم -وهي مشكلة أخرى غير ما نحن بصدده- لكن الذي يهمنا الحديث عنه هنا هو هجرنا للألفاظ والتعبيرات العربية الإسلامية في مواقف الحياة اليومية، فحيثما استعملنا ألفاظًا غير عربية في تحية أو طلب أو شكر أو توجيه أو تمنٍ أو رجاء... دللنا بذلك على تآكل في القسمات الدقيقة لشخصيتنا؛ إذ المواقف الصغيرة هي المترجم الحقيقي عن الأفعال التلقائية والعفوية لنا، وهذه الأخيرة هي نحن الحقيقيون، أو الأنا الحقيقية التي تؤثر بشكل مباشر في الاختيار أثناء المواقف الكبيرة والحاسمة في الحياة. 

4- التعامل مع الناس:

تستمد القيم والعادات سلطتها عند البعض من مجرد قدَمِها، ويبقى الحفاظ عليها عند هؤلاء حفاظًا على الهوية، مهما تصادمت هذه القيم والعادات مع التحديث والتطوير الذي تشهده الحياة «اليابان مثلًا»، كما تستمد القيم والعادات سلطتها أحيانًا أخرى من ثبوت نفعها في الحياة العملية، فالجدوى المتعلقة بها هي التي تكسبها الشرعية، وتمنحها جواز المرور إلى الواقع الاجتماعي «الغرب المعاصر». 

الخطورة على مثل هذه القيم والعادات تنبع من أنها عُرضة للتآكل في الحالة الأولى، وعرضة للتبدل من وقت إلى آخر في الحالة الثانية... فما نظرة المسلم إلى هذه القضية؟ 

يجيب عن هذا موقف الإسلام من قيم الجاهلية وعاداتها، فقد جاء هذا الدين والحياةُ خليطٌ من الخير «كالنجدة والشجاعة والكرم» والشر «كشرب الخمر والقمار ووأد الإناث»، وإن كانت الغلبة للشر، فحرِّم ما هو شر، وكشف عُواره، وأبان عن خطورته، وأقر وجود ما هو خير، لكنه ربطه بالعقيدة، وعلقه بأصول الإسلام الكبرى، فما أكثر ما سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..» فليفعل كذا، ويقول: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله, ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» «رواه أبو داود».

إن سبب تآكل الكثير من أخلاق المجتمعات الإسلامية المعاصرة -كصلة الرحم والشهامة والكرم والتراحم وغيرها- هو أن هذه الاخلاق استقرت كعادات اعتدناها، وأعراف ورثناها عن أسلافنا، لا دينًا نمارسه، وتنتقل به ومعه في أطوار التحضر، فلا ننرعه عنا، ولا نتنازل عن شيء منه؛ لأن أخلاقنا قائمة على عقيدتنا، وعاداتنا تستمد شرعيتها من توافقها مع أصول الإسلام، ولأن ديننا بأخلاقه وعقائده وشعائره دافع نحو التقدم لو وعاه أصحابه جيدًا. 

  • الهامش 

(1) على حد تعبير الفكر الوجودي حين يغرق في إثبات الذاتية للإنسان حتى نفى ملحدوهم وجود الله من خلال هذا الإثبات، في حين سعى المتدينون من الوجوديين، مثل -كيركيجورد- إلى إثبات وجود الله اتكاء على فكرة سبق الوجود على الماهية، وإثبات الهوية الفردية للإنسان.

الرابط المختصر :