; شمولية المنهج الإسلامي تقتضي شمولية تطبيق الشريعة | مجلة المجتمع

العنوان شمولية المنهج الإسلامي تقتضي شمولية تطبيق الشريعة

الكاتب عبدالحميد البعلي

تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010

مشاهدات 60

نشر في العدد 1909

نشر في الصفحة 38

السبت 03-يوليو-2010

فقه الواقع يحتاج إلى اجتهاد جماعي والأحكام الشرعية تعالج الظاهر والباطن في الإنسان 

الشريعة الإسلامية ملزمة بذاتها ولا تحتاج لإرادة الدولة لفرضها على الناس 

لا عمل بغير خطة.. ولا خطة بغير هدف.. وفي الخطط تتعاضد العلوم ومعارفها ولا تتعارض 

إن أسعد الخلق هم أهل العبادة والاستعانة والهداية مجتمعة ، وأشقاهم من عُدم الأمور الثلاثة لقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، شمولية المنهج الذي هو الصراط المُسْتَقِيمَ تقتضي شمولية التطبيق لشريعة الله التي هي خطاب الله المباشر إلى الناس على لسان رسوله محمد ، لقوله تعالى ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18] 

 

والإنسان بشموليته أيضاً هو مبتدأ التطبيق والاستكمال والنموذج المحمدي صلوات الله وسلامه عليه هو المثال الكامل لهداية الإنسان الجوهر العاقل الذي يقتدي بالأسوة الحسنة، ومن هنا يبدأ التطبيق والاستكمال لأحكام الشريعة الغراء ولكن كيف؟ وهو ما نحاول إلقاء الضوء عليه في هذا المقال. 

فالإنسان ظاهر وباطن أي نية ،وعمل وكلاهما واقع بمعنى موجود وحاصل، وقائم في الإنسان ومن الإنسان ذاته، وعلى هذين المحورين (الظاهر . الباطن) تقوم خطة تطبيق الشريعة واستكماله، فالظاهر بمعنى السلوك الحركي الذي تحكمه النظم والقوانين الشرعية وتصوّبه وترشده الأحكام الفقهية والباطن بمعنى النية، تربيه وترقيه الشريعة بأحكامها الاعتقادية والأخلاقية التوجيهية، وهذا وذاك يقتضيان خطة ذات أهداف وتقوم على أولويات واضحة. 

الخطة والهدف

 فلا عمل بغير خطة، أقصد العمل الناجح، ولا خطة بغير هدف، أقصد الخطة الناجحة، وفى الخطط وأنواعها وطبيعتها ومددها وأولوياتها تتعاضد العلوم والمعارف ولا تتعارض، وتتضافر ولا تتنافر وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أيهم أحذق خطة وأبعد نظرا.

ولكن كيف تعمل الخطة على ضبط الظاهر، وتربية وترقية الباطن، وعليهما يدلنا الحديث الجامع للرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وأقام عليه الفقهاء قاعدتهم الكبرى: "الأمور بمقاصدها"، فالنية والقصد محرك العمل، بل ومنشؤه وقائده وسائقه، كما يقول ابن القيم يرحمه الله تعالى، وعليه يجب ألا يكون العمل ضلالا، والمقصد ،عبثا، فكلاهما ممنوع في الدين حتى تتحقق خيرية هذه الأمة، خيريتها التى مناطها الأمر بالمعروف في ظاهرها وباطنها والنهي عن المنكر في ظاهرها وباطنها، يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النعم» (أفضل الإبل) (متفق عليه). 

الشريعة ملزمة بذاتها 

تأمرون بالمعروف فيما يؤمر به من الظاهر والباطن أيضا، وتنهون عن المنكر فيما ينهى عنه من الظاهر والباطن أيضا: 

ولهذا كانت الشريعة كخطاب من الله متعلق بأفعال العباد معلمة وملزمة بذاتها، وذلك بحكم مصادرها الإلهية وطابعها الديني ولهذا نستطيع أن نقول: إنها في الأصل لا تحتاج لإرادة الدولة لإلزام الناس بها، بل إن الدولة ذاتها تلتزم بأحكام الشريعة كشخص من الأشخاص وتخضع لها كغيرها من أشخاص المجتمع، ولكن جرى الواقع على تقنين الأحكام الشرعية كمتطلب من متطلبات العصر والزمان والمكان، وحاجة عامة وضرورية. 

والأحكام الشرعية بأنواعها تعالج الظاهر

فأوامرها ونواهيها، توضع في شكل نظم وتشريعات وقوانين ، وتعالج الباطن بتوجيهها التشريعي أيضا من الترغيب والترهيب، ومن الخوف والرجاء، وكل هذا كامن في قوله تعالى في الآية السابقة ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، وغير ذلك كثير في آي القرآن ونصوص التشريع، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66]، فالتوجيه التشريعي في هذا الخبر القرآني أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي المعنية بالقضية الاقتصادية، وتحتل مكان الصدارة في أولويات اهتمامها، تقدم للناس في العالمين نظاما اقتصاديا يتخذ من العدل عنوانا له وعليه في كل مكونات العملية الاقتصادية، ابتداء بالإنتاج، ومروراً بالتوزيع والتبادل، وانتهاء بالاستهلاك، ثم يجني الناس ثمار تلك العملية الاقتصادية التي تؤدي بهم إلى:

١- الخروج من الفقر المذل المهين - كما وصفه بيان الأمم المتحدة في احتفال الألفية الأخيرة - إلى الرغد الموعود به في القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ﴾ [البقرة: 58]، الرغد الذي أثبته الواقع العملي في عصر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في غضون فترة حكمه العادل والتي لم تزد على ثلاثين شهرا بعد اكتمال مقومات النظام الاقتصادي، وتنامي موارده المالية. 

٢- ما يتبع الانحسار الشديد للفقر إلى حد القضاء عليه- إذ كانوا لا يجدون من يأخذ الصدقات- من الخروج من الخوف إلى الأمن لقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، وغير هذا وذاك كثير. 

واقع الظاهر والباطن يحتاج إلى صحة الفهم وحسن القصد واجتهاد جماعي: 

قلنا : إن الأحكام الشرعية تعالج محوري الظاهر والباطن وفي الإنسان، ولذا وجب أن تمتد خطة التطبيق والاستكمال لأحكام الشريعة إلى واقع هذين المحورين بفهم صحيح وقصد حسن، ثم تطبيق أحدهما على الآخر، فالعالم كما يقول ابن القيم: من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويقول الإمام الجويني: فقه النفس (الباطن) رأس مال المجتهد (البرهان 2/870 رقم ١٤٩٠). 

ألا ترى معي أيها القارئ الراشد أن فقه الواقع على هذا النحو يحتاج إلى اجتهاد جماعي بل هو مناطه، فعن الإمام علي رضي الله قال: "قلت: يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرني؟ قال: «شاوروا فيها الفقهاء والعابدين ولا تمضوا فيه برأي خاص» (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثوقون من أهل الصحيح . مجمع الزوائد 1/178).

قد يقول قائل: أليست تهيئة الأجواء هي لب العمل في محور الباطن؟ أليست دراسة القوانين السارية في مختلف المجالات هي لب العمل في محور الظاهر؟ أليست مراعاة واقع البلاد هي لب العمل في واقع هذا الظاهر وذاك الباطن وكلها جميعا مهام اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بالكويت بمقتضى مرسوم إنشائها، وإنه لعبء ثقيل، وسبح طويل، وصبر جميل، ونصر من الله وفتح قريب.

الرابط المختصر :