العنوان اقتصاد.. 1485
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2002
مشاهدات 77
نشر في العدد 1485
نشر في الصفحة 40
السبت 19-يناير-2002
انتفاضة الطناجر
الأرجنتين.. انهيار التلميذ النجيب لـ «صندوق النقد الدولي»
خالد علي
عندما رفض صندوق النقد الدولي، في 5 ديسمبر الماضي، منح الأرجنتين وهي التلميذ الأمثل له، قرضًا قيمته 1.264 مليار دولار وهي التي تواجه دينًا خارجيًا بقيمة 132 مليار دولار، فجر تلك أزمة لا سابق لها، استدعت استقالة أربعة رؤساء للجمهورية في غضون أسبوعين، فالمواطنون أصابهم الإحباط والضجر من النظام الرأسمالي المطلق الجديد الذي طبقته البلاد، أخذًا بنصيحة المؤسسات الدولية، وتسبب في مشكلات جمة! لذا لم يتوانوا في خرق حالة الطوارئ المعلنة ورفضوا الإجراءات التقشفية التي أعلنتها حكومة الرئيس فرناندو دولاروا، وهتفوا ضد السياسيين: «لصوص.. لصوص»، مما اضطر الرئيس إلى إعلان استقالته في 20 ديسمبر الماضي، ثم تبعه ثلاثة رؤساء آخرين، ولا أحد يعرف مصير الرئيس الجديد.
إن ما انهار في الأرجنتين هو ما كان يعتبره البعض حالة نموذجية من الانصياع لقرارات صندوق النقد الدولي، خلفت معدل بطالة وصل إلى نسبة 20% أي 14 مليون شخص من بين مجموع السكان البالغ عددهم 37 مليون نسمة، يعيشون على عتبة الفقر، فيما تراجعت القدرة الشرائية بنسبة 50% على مدى خمس سنوات.
وحتى يوم 19 ديسمبر الماضي، الذي شهد نزول عشرات الألوف من المواطنين بشكل عفوي إلى الشارع، بدا المجتمع الأرجنتيني وكأنه عاجز من التعبير عن استيائه، رغم ما يتمتع به من تنظيمات سياسية ونقابية قوية، ولأن المواطنين لا يزالون يتذكرون زمن الدكتاتورية العسكرية الدامية «1976 - 1983م»، والهزيمة في حرب جزر فوكلاند أمام بريطانيا عام 1982م، وأزمة التضخم الهائل في عام 1986م، فقد تحملوا ابتزازات السياسيين الذين ما انفكوا يهددونهم بخطر «العودة الى الماضي» أي
الاستبداد والانهيار الاقتصادي، ناسين أو متناسين أن البلاد تعيش بالفعل أسوا مما يحذرون منه، لا بل العديد من دول أمريكا اللاتينية من المكسيك إلى بيرو، ودول أخرى في العالم ممن سارت على النهج نفسه.
الإنصاف يدعونا للقول: إن مشكلات الأرجنتين ليست وليدة الأيام الأخيرة، ففي عهد حكم العسكر ارتفع الدين العام الخارجي من 8 إلى 43 مليار دولار، وبدأ التحضير لخطة إصلاح، شغل فيها الأدوار الرئيسة كل من الجنرال الرئيس خورخي فيديلا، ووزير الاقتصاد مارتينيز دو لا هوز، وأحد كبار موظفي صندوق النقد الدولي دانتي سيموني، الذي كان يعمل لصالح النظام، بالإضافة إلى الخبير الدولي دومينجو كافالو.
وفي عام 1991م عهد الرئيس السابق کارلوس منعم إلى كافالو مهمة مكافحة التضخم الهائل الذي وصل إلى 5000%، وإذا حظي بتأييد المجموعة الدولية المالية، عمد كافالو إلى تطبيق تعليمات الخبراء في واشنطن بكل دقة، من تفكيك القطاع العام عبر تسريح مئات الألوف من الموظفين، إلى الخصخصة وتحرير الاقتصاد والمبادلات الخارجية، إلى رفع معدلات الفائدة الربوية.
وقد ابتدع كافالو نظام التحويل، أي معدل سعر صرف ثابت بين الدولار والبيزو أصبح قيدًا على التصدير.
بعد أربع سنوات من الركود أفلست عشرات الألوف من الشركات، وبالتالي فقد مئات الألوف وظائفهم، وعندما انتخب فرناندو دولاروا من وسط اليسار في 24 أكتوبر عام 1999م كانت الديمقراطية قد باتت واجهة براقة للسياسة الليبرالية الجديدة، وفي الحقيقة كانت هناك إدارة حكومية بلغ فيها الفساد ما يفوق الخيال، وعلى سبيل المثال بلغت قيمة التهرب الضريبي 40 مليار دولار سنويًا، الأمر الذي حرم الخزينة من نصف إيراداتها، ولم يكن سوى 17% من أصحاب الدخول المرتفعة يدفعون ضريبة الدخل.
ومنذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، ارتفع الدين الخارجي من 7.6 مليار دولار إلى 132 مليار دولار «تقديرات أخرى ترى أنه يبلغ 155 مليار دولار»، وذلك بدون الحديث عن الـ40 مليار دولار التي جنتها الدولة من عملية الخصخصة وانتهت بالتبخر.. وفي هذه الأثناء ارتفعت نسبة البطالة من 3% إلى 20%، وحالة الفقر المدقع من 200 ألف شخص إلى 5 ملايين، والفقر العادي من مليون إلى 14 مليون شخص، والأمية من 2% إلى 12%، والأمية الوظيفية من 5% إلى 32%.
في 20 مارس من العام الماضي، عادت الحكومة الأرجنتينية تستنجد بدومينجو كافالو، أو من أطلق عليه صاحب معجزة التسعينيات، فاستغل هذا الفرصة ليطلب من البرلمان صلاحيات خاصة وعمل في 30 يوليو على إقرار« قانون تصفير العجز».
ومن الإجراءات التي اتخذها خفض مخصصات الموظفين وبعض رواتب التقاعد بنسبة 13%، أما مشروع موازنة العام 2002م، فقد اقترح خفضًا في النفقات بنسبة 18.6% مقارنة بموازنة عام 2001، أي حوالى 9.2 مليار دولار.
وفي الأول من ديسمبر الماضي أطلق كافالو عملية «السلب بالقوة»، فتحت ضغط الاستحقاقات المالية الدولية حيث كان على الدولة أن تسدد 750 مليون دولار قبل نهاية العام الميلادي المنصرم، وما يزيد على ملياري دولار قبل نهاية يناير الجاري، قررت الحكومة الحد من السحوبات المصرفية لأصحاب الودائع الخاصة، فلم يعد في إمكان الأرجنتينيين أن يسحبوا أسبوعًا أكثر من 250 دولارًا نقدًا من حساباتهم المصرفية، وبالتأكيد اتخذ هذا الإجراء بعدما كان كبار المضاربين المحليين والدوليين قد أخرجوا من البلاد ما يزيد على 15 مليار دولار حسب بعض المصادر.
لقد وقعت الصدمة على كاهل صغار المودعين والشركات التي لم تعد إثر ذلك قادرة على التصرف بحرية بأموالها، فيما يصيبها الرعب من احتمال انخفاض أسعار العملة الذي يمكن أن يحول مدخرات حياتهم كلها إلى لا شيء وقد استغلت المصارف حال اليأس التي يعيشها المواطنون للحصول على المال نقدًا، ففرضت عمولات على استخدام بطاقات الاعتماد بنسبة 40% على العملة المحلية «البيزوس»، و29% على الدولار محتفظة لنفسها بحق زيادة هذه المعدلات! وقد جاء هذا الإجراء ليزيد على ملايين المواطنين الغارقين في الفقر ملايين عدة من الطبقة الوسطى التي «جردت من رأسمالها».
انتفاضة.. ممنوعة على السياسيين
لكن الأرجنتينيين كان قد فاض بهم الكيل، فإذا بالانتفاضة تودي أولًا بوزير المالية ثم بكامل الحكومة وأخيرًا بالرئيس دولاروا نفسه الذي اضطر الى تقديم استقالته، فقد انقض ألوف الغاضبين - وغالبيتهم من العمال العاطلين عن العمل منذ سنوات والمحرومين من أي إعالة اقتصادية أو اجتماعية - انقضوا على المخازن الكبرى والمحال التجارية ونهبوها من أجل تأمين قوتهم، وبعد خطاب غامض من الرئيس دولاروا، أكد فيه أن أعمال الاحتجاج كانت من تدبير «أعداء الجمهورية»، لجأت الطبقة الوسطى التي أصابها الفقر هي الأخرى إلى أسلوب «كاسيرولازو» وهو أحد أشكال الاحتجاج هناك حيث يقف المحتجون أمام النوافذ، أو ينزلون إلى الشوارع وهم يقرعون على الطناجر وأواني الطبخ «الكاسيرولات» فتحدث دويًا صاخبًا.
الأرجنتينيون لم يرفضوا النظام الاقتصادي فحسب، بل أعلنوا رفضهم لمجمل الطبقة السياسية والنقابية إلا من بعض الأستثناءات النادرة، وإذا كانوا من قبل يخضعون لتعليمات الإضراب أو يتظاهرون في شكل منظم تحت رايات منظماتهم النقابية والسياسية، فإنهم هذه المرة تظاهروا بصفة انفرادية كمواطنين، فلم ترفع خلال التظاهرات أي أعلام باستثناء علم البلاد، وللمرة الأولى منذ ما يزيد على نصف قرن، لم تكن هناك طبول البيرونيين التقليدية الضخمة، أما بعض الزعماء السياسيين الذين حاولوا الانضمام إلى الجماهير فقد طردوا.
ومع تحدي حالة الطوارئ التي أعلنت في 19 ديسمبر، حوَّل التمرد الاجتماعي الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية أفضت إلى أزمة مؤسسات، في اليوم التالي استقال الرئيس دو لا روا، وبعد أربعة أيام من المداولات المحتدمة قررت زمرة السياسة في مجلسي النواب والشيوخ أن يتولى الرئاسة مؤقتًا حاكم مقاطعة سان لويس أدولفو دريجز سا، ووعد سا بوقف سداد الديون، وقام بجملة تعيينات وزارية لم ترق للجمهور فاستمرت الاحتجاجات الجماهيرية، مما اضطره للاستقالة بعد أسبوع واحد وتبعه رئيسان لم يدم كل منهما في منصبه أكثر من 48 ساعة قبل أن ينتهي المنصب إلى السيناتور إدواردو دوهالدي، ولا يعرف أحد إن كان سيُجبر هو الآخر على الاستقالة أم يبقى حتى نهاية مدة الولاية للرئيس الأول في ديسمبر 2003 أو تجري انتخابات مبكرة.
لقد أطلق المجتمع صرخته الصارمة «كفى» في وجه الفساد المستشري، وفي وجه طغمة حاكمة تعيش حياة مرفهة تتقاسم المنافع التي تمنحها إياها المصارف الكبرى والشركات المتعدية الجنسية وبقية مراكز القوة المعولمة، فـ90% من مصارف الأرجنتين و40% من مصانعها في عهدة رأس المال الدولي، في حين أن ما أودع في الخارج من ثروات الزعماء السياسيين والنقابيين وأرباب العمل يبلغ 120 مليار دولار، فـ «التلميذ النموذجي» شكل مدرسة في كل شيء من الاختلاس إلى الانعكاسات الاجتماعية المدمرة.
هل ستعمد الطبقة السياسية إلى معالجة الوضع بشيء من العقلانية، متجاوزة الانقسامات السياسية والمطامع الشخصية ونزاع المصالح؟
لقد أعلن دوهالدي أنه لن يلتزم بعد الآن بتعليمات صندوق النقد الدولي، ووعد بالتخلي عما أسماه نظامًا اقتصاديًا باليًا، وتقديم سياسات جديدة تعيد النمو، وعن الطبقة السياسة قال دوهالدي: «لدينا طبقة سياسية هي في ذاتها نفاية بشرية، وأنا أتحدث أيضًا عن نفسي»، ولو صدقت تصريحات الرئيس ولم تكن مجرد دغدغة لعواطف الثائرين إلا أن ذلك يعني اعترافًا صريحًا بفشل سياسات صندوق النقد الدولي، لا في الأرجنتين وحدها التي طالما نالت الإطراء من مسؤولي الصندوق والمسؤولين الأمريكيين، ولكن في دول أخرى كثيرة مثل المكسيك وتركيا ومصر، لا تختلف عن الأرجنتين كثيرًا في الأوضاع السياسية والاقتصادية، وهي اليوم تعاني أيضًا نتائج تلك السياسات.
ولتجنب الأسوأ فإن على السلطة الجديدة أن تختار إما أن تفضل مصالح الشركات المتعدية الجنسية كما فعلت السلطات على الدوام، وأما أن تعرض نفسها لانتفاضة شعبية جديدة، ويلاحظ بعض المراقبين بشيء من القلق التماثل بين الوضع الحالي والانهيار العالمي الكبير في الثلاثينيات.
قد يبدو أن في هذه المقارنة شيئًا من المبالغة، لكن هذا الاعتقاد يسقط عند النظر في التاريخ، فمن خسارة حرب الفوكلاند إلى سنوات من القمع إلى فقدان ممثلي الشعب صدقيتهم إلى سقوط الثقة في المؤسسات إلى انسداد الآفاق التي يمكن اللجوء إليها إلى الأزمة العالمية.. في هذا السياق كيف يمكن استبعاد الفكرة القائلة بأن الفراغ في السلطة قد يفضي إلى مخرج عبر استبدادية أو محاولة السير في ركاب أحد المغامرين؟
هل تصبح تركيا مثل الأرجنتين؟
جاء في تحذير تضمنه تقرير أعده مفتشو رابطة المراقبة العامة في تركيا وقدموا نسخًا منه إلى كبار رجال الدولة أن قانون البنوك المقرر صدوره، إذا صدر بشكله الحالي فإن تركيا ستتحول إلى أرجنتين ثانية.
القانون اسمه «قانون تنظیم البنوك وإعادة هيكلة القطاع المالي»، لكنه يعرف لدى العامة بـ «قانون شفط البنوك»، ويؤكد معدو التقرير أنه إذا وضع موضع التنفيذ فستشهد تركيا حالات تمرد وعصيان وأعمال نهب وسلب، على غرار ما شهدته الأرجنتين مؤخرًا.
ويوجه التقرير الذي كان في مقدمة جدول أعمال اجتماع مجلس الأمن القومي الأخير الذي عقد يوم 28 ديسمبر الماضي نقدًا شديًدا لوزير الدولة كمال درويش والبيروقراطيين التابعين لوزارته، محذرًا من أن يؤدي القانون الجديد إلى ربط تركيا بالخارج من الناحية الاقتصادية والمالية بصورة دائمة، وبذلك يكون مصيرها مثل مصير الأرجنتين، ومؤكدًا أن القانون الجديد إذا صدر فسيفسح المجال لضخ المبالغ المقدمة من صندوق النقد الدولي إلى شركات معينة محددة سلفًا.
ويقول التقرير:
- إن هدف القانون المزمع إصداره هو تشكيل البنية التحتية لتصفية بنوك القطاع العام، وهناك من يخاف من المسالمة والمحاسبة، لذا فهم يحاولون التسريع بإصدار القانون، بدعوى أن ذلك هو السبيل لمنع تكرار أزمة الأرجنتين.
- السبب الذي يقدمونه لإصدار القانون بصورة أسرع وأقل مشقة وهو «الأزمة الاقتصادية ودعم القطاع الإنتاجي» ما هو إلا ستار يخفي الهدف الحقيقي من القانون.
- المصادر المالية التي ستجلب من الخارج بفوائد مرتفعة وشروط مجحفة لدعم القطاع الإنتاجي كما قيل ستحول إلى بنوك القطاع العام، وستستخدم هذه المصادر في منح قروض جديدة للشركات، ومن الناحية التطبيقية فإن الشركات التي أخذت قروضًا في السنوات السابقة من هذه البنوك وبدعم سياسي، ولم تدفعها بعد ذلك، هي التي ستستفيد من القروض وليست الشركات التي تدعم الاقتصاد الوطني.
- إن المديرين الذين قدموا قروضًا بصورة غير قانونية، والمسؤولين السياسيين عن ذلك لم يتعرضوا للمسالمة والحساب، واضطر لسدادها الموظف والعامل المسكين، أما الذين ثبتت مسؤوليتهم الكاملة عن تقديم القروض غير النظامية فقد شملهم العفو.
- إن الوزير كمال درويش الذي طالما اشتكى من الإدارة السيئة لبنوك القطاع العام، عين هؤلاء المديرين الذين حوكموا من قبل بسبب تقديمهم القروض غير النظامية، وسبق أن شفطت البنوك التي يديرونها ثم حولت إلى صندوق الضمان الحكومي، بعد أن زودهم بدرع من الصلاحيات مع عدم المسؤولية.
- إن الأضرار التي سببتها البنوك الخاصة «المشفوطة» والمحولة إلى صندوق الضمان تبلغ سبعة عشر مليار دولار، بينما لم تزد أضرار بنوك القطاع العام بمجموعها على ملياري دولار، فتكون الأضرار التي سببتها البنوك الخاصة ثمانية أضعاف أضرار بنوك القطاع العام.
- من المحتمل أن تباع بنوك القطاع العام خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 2002م إلى زبائن جاهزين خارج تركيا، ووقوع قطاع التمويل بيد الأجانب يعني ارتباط تركيا بالخارج بصورة دائمة.
- عين في بنوك القطاع العام «مديرون محترفون» جيء بهم من البنوك المشفوطة، وبذلك أصبح التورط في عمليات فساد البنوك وإقامة الدعوى بسبب منح قروض غير نظامية، وسبق العمل في بنك مفلس هي المعايير المطلوبة كي يكون الإنسان مديرًا محترفاً!
- إن بعض المديرين الذين يعملون في هذه البنوك يتقاضون رواتب شهرية تصل إلى خمسة عشر ألف دولار، إن الإسراف والتبذير يسيطران على هذه المؤسسات المالية، ومن أمثلة ذلك:
- صرف البنك الشعبي – وهو أحد بنوك القطاع العام - ثلاثمائة وخمسين ألف دولار على احتفال نظمه يوم 18/11/2001م في جامعة إسطنبول التقنية.
- البنك ذاته أقام حلقة دراسية دفع فيها لكل صحفي له اختصاص في الاقتصاد يومية قدرها سبعمائة وخمسون دولارًا، هؤلاء الصحافيون حاضروا في الحلقة مدة ساعتين فقط.
- رئيس مجلس إدارة بنوك القطاع العام وورال أق ايشيق بني منزلًا على مضيق البوسفور ويواجه العديد من تهم الفساد.
- عضو مجلس إدارة بنوك القطاع العام قدير كوناي عندما كان يعمل في بنك إنتر الذي أعلن إفلاسه استأجر سيارة على حساب البنك بأجرة شهرية قدرها خمسة آلاف وثلاثمائة مارك ألماني، واستأجر منزلًا في المضيق بأجر شهري قدره ألفان وخمسمائة دولار، وكان يتقاضى راتبًا شهريًا قدره عشرة آلاف دولار.
من الواضح أن العلة وأحدة وأن كمال درويش في تركيا يقوم بنفس الدور الذي قام به دومينجو كافالو في الأرجنتين، وعلى كل مواطن في دولة تشكو من نفس الحالة أن يبحث عن نظيرهما في بلده.. فهو السبب، ومن ورائه الأخطبوط بل السرطان المالي الدولي الذي ينهش ثروات الشعوب المقهورة ويراكمها في أيدي قلة معدودة من الانتهازيين الجشعين.
الاقتصاد المصري وأزمة الدولار
عبد الحافظ عزيز
مشكلة الدولار هي أحد مظاهر الأزمة.. والإصلاح الذي تم في الماضي تناول النواحي المالية والنقدية ولم يتناول الإصلاح الهيكلي
ظل الدولار طوال عام 2001م المنصرم ومنذ بداية عام 2002م نجم الحياة الاقتصادية في مصر، ليس ذلك بسبب العوائد الوفيرة التي حققها الاقتصاد المصري من مصادره المعروفة، ولكن بسبب ارتباط الجنيه المصري بالدولار.
وما أشبه اليوم بالبارحة، حيث تعود أحداث الثمانينيات حين كانت تجارة العملة من الأنشطة الرائجة - وهو نشاط لا يزال القانون يجرمه - وإن اختلفت الممارسة بين الماضي والحاضر، ففي الماضي كانت تجارة العملة تتم من خلال الأكشاك الصغيرة المنتشرة بشوارع القاهرة وعبر منافذ صالات بعض البنوك وردهات الفنادق، واليوم يتم هذا النشاط من خلال شركات أنيقة تسمى شركات الصرافة انشئت مع بداية برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر صرف الجنيه في عام 1992م، ولكن منذ بداية أزمة الدولار «هي في الواقع أزمة الجنيه» في عام 1998م والاتهام الرئيس موجه لشركات الصرافة بأنها صانعة الأزمة أو على الأقل المستفيد الأكبر منها من خلال نشاطها غير المعلن في السوق السوداء أو ما يطلق عليه الاقتصاديون والمسؤولون تدليلًا بالسوق الموازية.
فخلال عام 2001م تم تخفيض قيمة الجنيه المصري ثلاث مرات، الأولى في يناير 2001م، والثانية في أغسطس، والثالثة في 13 ديسمبر، وبذلك فقد الجنيه نسبة 30% من قيمته أمام الدولار، ويرى الخبراء أن دخول الفقراء سوف تتأثر بهذه النسبة من حيث تأثر قدرتهم الشرائية، ومن الصعب في ظل هذه الظروف أن تزيد الحكومة دخول هؤلاء بنفس النسبة، فقد يكون موظفو القطاع الحكومي والقطاع العام أسعد حظًا حيث تزداد رواتبهم بنسبة 10% سنويًا بصورة دورية، أما بالنسبة للقطاع الخاص وفي ظل ظروف الركود الحالية فإنهم لم يجدوا أي تعويض.
ولم تكن أزمة الدولار وليدة يوم وليلة، بل هي وليدة سياسات نقدية خاطئة منذ عام 1998م بعد تأثر مصر بأزمة دول جنوب شرق آسيا وزيادة الإقبال على الدولار وإصرار الحكومة على تثبيت سعره، مما جعلها تتدخل وتضخ نحو أكثر من 7 مليارات دولار على مدار 3 سنوات للمحافظة على ثبات سعر الجنيه، في الوقت الذي تتراجع فيه قدرتها على زيادة الصادرات، إذ تراجعت الصادرات وزادت الواردات حتى وصل العجز في الميزان التجاري إلى نحو 13 مليار دولار في عام 2000 - 2001م.
حاولت الحكومة مرارًا لجم سعر الدولار عبر القرارات الإدارية دون جدوى، وأخيرًا عبر وجود سعر معلن من قبل البنك المركزي مع وجود ما سمي بالهامش المرجح والذي حددته الحكومة بنحو 3%، حيث أصبح سعر الدولار بالبنوك وشركات الصرافة يتراوح بين 4.65 و470 جنيه، ويزيد في السوق السوداء ليصل إلى 4.75.
كانت الحكومة المصرية تعلن مرارًا أنه لا توجد أزمة في توفير الدولارات لمن يطلبها، حتى جاء موعد إلقاء بيان الحكومة أمام البرلمان في نهاية عام 1999م، حيث اعترفت الحكومة بوجود الأزمة وقالت إنها تجاوزتها، لكن الحقيقة كانت خلاف ذلك، حيث تأزمت الأمور وظل الدولار في ارتفاع وعادت السوق السوداء، وفي بيان الحكومة أمام البرلمان في عام 2000م أعلن عن سياسة نقدية غريبة وهي ما يمكن تسميته بسياسة «اللا تثبيت واللا تعويم»، إذ تتخوف الحكومة من تعويم الجنيه تحسبًا لعمليات مضاربة كبرى قد تسبب أزمة يكون من الصعب حلها أو تجاوزها.
عادت ظاهرة «الدولرة» تطل برأسها بعد أن اختفت مع بداية التسعينيات من القرن المنتهي، وتولدت لدى العديد من المؤسسات الاقتصادية حساسية تجاه التعامل بالجنيه حتى إن بعض المدارس الخاصة تطلب سداد مصروفات الدراسة بالدولار، كما طلبت بعض شركات السياحة من المعتمرين والحجاج سداد الرسوم بالريال أو الدولار مخافة حدوث انخفاض في قيمة الجنيه.
الصندوق مرة أخرى
وأعلنت الحكومة المصرية مؤخرًا عن بدء مفاوضات مع كل من الصندوق والبنك الدوليين للحصول على نحو ملياري دولار لسد الفجوة واحتياجات الاقتصاد من الدولار، والجدير بالذكر أن الحكومة كانت قد رفضت مطالب صندوق النقد طوال الفترة من 1992م وحتى 1998م بتخفيض قيمة الجنيه، لأن هذا الأمر ستكون له انعكاسات اجتماعية لم تقبلها مصر ذلك الوقت، معتبرة أن أي تخفيض في قيمة العملة لا بد من أن تقابله مرونة في زيادة الصادرات، ولم تكن الحكومة واثقة من الجزء الثاني من المعادلة، أي زيادة الصادرات في حالة انخفاض قيمة الجنيه.
لقد كان موقف الحكومة صحيحًا لكنها لم تكمل الحلقة من حيث ترشيد الواردات التي تزايدت بمعدلات كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية، وإن كان بعض الخبراء ومنهم الدكتور أحمد الغندور، العضو السابق بمجلس إدارة البنك المركزي، يرى أن الحكومة رفضت التخفيض المحمود وقبلت التخفيض المذموم، فعلى مدار ثلاث سنوات والسعر السائد لا يعبر عن آليات العرض والطلب، وكان بإمكان الحكومة تخفيض قيمة الجنيه في عام 1998 م وتحافظ على رصيدها من النقد الأجنبي.
كانت الحكومة المصرية ترفض عرض الصندوق ولديها ما ترتكن إليه من احتياطي من النقد الأجنبي تجاوز 20 مليار دولار، وشبه إجماع على نجاح برنامج الإصلاح المالي والنقدي وتقدم في برنامج الخصخصة وتحسن في الكثير من مؤشرات الاقتصاد الكلي من انخفاض في عجز الموازنة وانخفاض في معدل التضخم، وتحقيق معدل نمو وصل إلى نحو 5%، بينما اليوم تكاد مصر تكون على النقيض من تلك الإيجابيات، حيث انخفض الاحتياطي النقدي إلى نحو 14 مليار دولار، وهناك ارتباك في السياسة النقدية من حيث وضعها ومن المسؤول عنها.
ولعل التغيير الوزاري في نوفمبر الماضي استهدف هذا الأمر لكي يوجد نوعّا من الاستقلال للبنك المركزي، وحول تبعيته لمجلس الوزراء بعد أن كان تابعًا لوزارة الاقتصاد، إلا أن هذا الأمر أجل إلى ميعاد غير محدد بعد أن أصدر محافظ البنك المركزي قرارات بإيقاف تمويل الواردات لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما عرف بنظام مستندات التحصيل، ثم سرعان ما أعلنت الحكومة وقف العمل بهذه التعليمات بعد أن وقعت تحت ضغوط رجال الأعمال الذين كان من المفترض أن يدافعوا عن هذه الإجراءات.
ومن المنتظر أن تحصل مصر على نحو ملياري دولار من الدول والجهات المانحة في مؤتمر يعقد بهذا الخصوص في مدينة شرم الشيخ في فبراير المقبل تحت إشراف البنك الدولي، وهو ما يعني عودة مصر لدوامة القروض الخارجية، ولعل التساؤل الذي يطرح نفسه الآن: بعد أن وضع البنك الدولي قدمه في الموضوع: ما الوصفة الجديدة التي سيطالب بها البنك والصندوق الدوليان نظير هذا التدخل، خاصة في ظل تصريحات المسؤولين المصريين بالحفاظ على طبقة محدودي الدخل والتخفيف عنهم؟
أسباب الأزمة
توجد مجموعة من العوامل تسببت في تناقص إيرادات مصر من النقد الأجنبي من المصادر الأربعة الرئيسة وهي السياحة وعائدات العاملين بالخارج وعوائد قناة السويس وعائدات البترول، بالإضافة إلى الآثار المترتبة على الأزمة الأمريكية، ومن المعروف أن السياحة تعد من أكبر هذه المصادر، حيث حققت في نهاية عام 2000 حوالي 4.3 مليار دولار ولكنها منيت بخسائر كبيرة يعد تصاعد أعمال الإرهاب الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني منذ انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2001م، مما جعل السياحة المصرية تخسر الموسم الشتوي الذي يشكل الأوروبيين معظم رواده بسبب التحذيرات التي صدرت من حكومات البلدان الأوروبية وأمريكا من مخاطر السفر إلى دول المنطقة ومنها مصر، وقد ضاعفت الأزمة الأمريكية من مشكلات السياحة في مصر.
و يقدر مندوب البنك الدولي في مصر الدكتور محمود أيوب أن تكون عائدات السياحة في نهاية العام مالي الحالي 2001 - 2002م نحو 2.6 مليار دولار، كما أثرت أسعار النفط التي تعرضت طوال الفترة الماضية لعدم الاستقرار أو الانخفاض في معظم الأحوال، على عائدات مصر من قناة السويس، فقد قدرت الإحصائيات المنشورة تراجع إيراداتها بنحو 30 مليون دولار.
ويعد الرافد الرابع - وهو عوائد العاملين بالخارج - من أكبر المصادر تذبذبًا بسبب فقدان العمالة المصرية لأكبر أسواقها في عدد من الدول العربية بسبب المنافسة الشديدة من العمالة الآسيوية، وإحجام عدد من المصريين العاملين بالخارج عن إرسال أي تحويلات خوفًا من انخفاض قيمتها، كما توجه البعض بمدخراته إلى السوق السوداء مستفيدًا من فرق السعر الموجود.
وهناك أسباب أخرى تنقصها الدقة في الأرقام، ومن أهمها تهريب الأموال إلى الخارج، وقد رصدت مجلة «المصور» المصرية حجم الأموال التي خرجت من مصر لرجال أعمال وفنانين ومؤسسات دولية منذ أحداث سبتمبر 2001بنحو 3 مليارات دولار، وهناك أيضًا تمويل الأنشطة غير المشروعة مثل تجارة المخدرات وتهريب السلع.
الآثار المترتبة على الأزمة
وهناك تأثيرات أو آثار على مستوى المنتج والمستهلك وعلى مستوى الاقتصاد الكلي نذكر منها ما يلي:
1 - حدوث ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، فالصناعة المصرية يعيبها الاعتماد شبه الكامل على الخارج في مستلزمات الإنتاج والعدد والآلات، لذلك فإن حصول رجال الصناعة على الدولار من السوق السوداء بنحو خمسة جنيهات يدفع باتجاه رفع الأسعار، خاصة وأن الصناعة المصرية تعتمد على الأسواق الداخلية وتركيزها على التصدير ضعيف، حتى الاستثمارات الأجنبية في المجال الصناعي لها نفس السمات من حيث الاعتماد على الداخل وإهمال التصدير، وهو الأمر الذي يأخذه العديد من الخبراء على الاستثمارات الأجنبية في مصر.
2 - الإجراءات الحمائية المنتظر أن تتخذها الحكومة المصرية يجب أن تكون محدودة من حيث الفترة الزمنية، وإلا فإن المستهلك لن يكون فدائيًا على طول الخط يتحمل رداءة المنتج المحلي وارتفاع ثمنه، ومن هنا يجب على الصناعة المحلية أن تتحمل مسؤوليتها ويكفيها فترات الحماية الطويلة التي تمتعت بها في الماضي، ولعل هذا سبب عدم نهوضها.
3 - لا بد من توجيه صحيح لإيجاد تكنولوجيا وطنية تساعد في صناعة المصانع، أي تصنيع آلات الإنتاج وقطع الغيار بدلًا من استيرادها، فالتجميع وتعبئة السلع لا يعدو أن يكون نجاحًا في الاتجاه الخطأ.
4 - إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه من تنامي السوق السوداء، فإن ظاهرة الدولرة سوف تشهد إقبالًا من السوق، في ظل تلاعب شركات الصرافة واستفادتها من الأزمة، مدعية أن نصيبها من حجم التعامل في النقد الأجنبى لا يزيد على 10%، وقد برهن موقف إلغاء الإجراءات التي حددها البنك المركزي للحد من الاستيراد على وجود مضاربات على سعر الدولار، وأن الارتفاع الحاصل لا يعكس السعر الحقيقي للدولار، إذ إن إلغاء هذه الإجراءات جعل السعر ينخفض بمعدل نحو 0.6 من الجنيه خلال 24 ساعة فقط.
5 - تراجع معدل النمو إلى نحو 2.3% في يونيو الماضي، واستمرار هذا الوضع سوف يكرس الأزمة ولا بد من النهوض مرة أخرى بمعدل النمو ليقترب على الأقل من 5%.
6 – لا بد من تحجيم الفساد في الإدارة الحكومية، ومجتمع الأعمال، بحيث يتم الإنفاق بشكل صحيح على مسارات الإنتاج، وأن تسترد البنوك مستحقاتها، مما يمكنها مرة أخرى من المساهمة في تمويل الاستثمارات الجادة.
7 - أن تأخذ الحكومة بالرأي المنادي بأن يكون احتياطي النقد الأجنبي مرتبطًا بمجموعة عملات وليس بالدولار فقط، خاصة وأن معظم تجارة مصر الخارجية مع أوروبا، منذ عام 1990 م، ويعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لمصر، فوجود سلة عملات يجنب الجنيه هذا التدهور المستمر.
8 – لا بد من التوجيه الصحيح للمصريين بأن الدولار لا يستخدم إلا في النطاق الضروري وأن يستعملوا عملات البلدان التي يتعاملون معها، فمثلًا ما حاجة المواطن المسافر إلى دول الاتحاد الأوروبي للدولار في ظل وجود اليورو؟ أو استخدام الدولار للمسافر إلى دول الخليج التي تتوافر عملاتها بالبنوك وشركات الصرافة؟! فتركيز التعامل على الدولار يزيد من الطلب عليه وينعش السوق السوداء.
في الختام نستطيع القول إن مشكلة الدولار أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية في مصر، حيث إن الإصلاح الذي تم في الماضي تناول النواحي المالية والنقدية ولم يتناول الإصلاح الهيكلي، أو دفع عجلة الإنتاج، والتوجيه الصحيح للاستثمارات سواء كانت عامة أو خاصة، وطنية أو أجنبية، وبالتالي فمع استمرار الوقت ستكون مشكلة الدولار وغيرها من المشكلات مثل الدين العام وعجز الموازنة سببًا ونتيجة في الوقت نفسه، ما دامت الأنظار تتجه لمعالجة الظواهر وتترك أسبابها، وحبذا لو استفادت مصر من التجربة الماليزية إبان مشكلة دول جنوب شرق آسيا، حيث لم تعبأ بانتقادات صندوق النقد الدولي وخاصة التهديد بالتهميش عن المجتمع الدولي والخروج عن طوق العولمة، بل إن ماليزيا فرضت قيودًا صارمة على سياستها النقدية وأعطت البنك المركزي سلطات واسعة للسيطرة على النقد الأجنبي، كما ألزمت رجال الأعمال بتحويل كامل عوائد التصدير إلى الداخل، فهل ستقبل مصر على هذا الخطوة؟
الصومال.. كأن الفقر وحده لا يكفي!
بعد الكارثة الاقتصادية.. الحرب الأمريكية تدق الأبواب
عبد الكريم حمودي (*)
تؤكد التقارير الدولية والبيانات المتوافرة عن الأوضاع الاقتصادية في الصومال، أنه مقبل على كارثة اقتصادية حادة بسبب الجفاف الذي يجتاح البلاد منذ ثلاث سنوات وتوقف المساعدات الغذائية الدولية نظرًا لفقدان الأمن والاستقرار بالإضافة إلى تراجع الصادرات الصومالية من الماشية، تحت تأثير انتشار الأمراض، علاوة على ارتفاع معدلات التضخم في العديد من القطاعات.
ومما زاد الطين بلة إدراج الولايات المتحدة في السابع من نوفمبر الماضي مؤسسة البركات للتحويلات المالية ضمن المؤسسات الداعمة للإرهاب في العالم، والتي كان الصوماليون العاملون في الخارج يحولون من خلالها الأموال لذويهم، مما أفقد المواطنين الصوماليين مصدرًا مهمًا من مصادر الرزق، كان يساعدهم على تحمل شظف العيش وحالات الفقر والجوع والمرض التي يعيشون في ظلها نتيجة افتقارهم لأدنى مقومات الحياة الإنسانية.
بلد ممزق واقتصاد مدمر
قبل الحديث عن الاقتصاد الصومالي، لا بد من الإشارة إلى أن الصومال المنكوب بالحرب الأهلية مقسم حاليًا إلى ثلاثة أقسام رئيسة:
الأول: دولة الصومال التي يتولى رئاستها عبد القاسم صلاد حسن، ويعارضه فيها عدد من أمراء الحرب وزعماء الميليشيات المسلحة، الذينيبحثون عن المنافع الخاصة والقبلية.
الثاني: جمهورية أرض الصومال التي تقع شمال غرب البلاد، ويرأسها محمد إبراهيم عجال، وهي ذات طابع انفصالي.
الثالثة: دولة «أرض البونت» التي يرأسها عبد الله يوسف أحمد، التي قبلت بالانضمام إلى دولة صومالية فيدرالية موحدة في المستقبل، لكنها قاطعت مؤتمر السلام الذي تشكلت فيه الحكومة الوطنية الانتقالية بزعامة صلاد.
على صعيد الوضع الاقتصادي، وبشكل عام، فإن الحرب نجحت في تقويض أسس الاقتصاد الصومالي، وتخريب بنيته التحتية بشكل شبه كامل، كما يعاني الصومال من ديون خارجية تقدر بنحو 2.6 مليار دولار حسب تصنيف الأمم المتحدة والبنك الدولي، فيما سقط من جراء هذا الصراع الدامي ما يزيد على المليون شخص من السكان الذين يقدر عددهم في الوقت الحاضر بنحو 9.5 مليون نسمة.
تدهور الوضع الغذائي وانتشار المجاعة
شهد عام 2001م المنصرم مجموعة من التطورات الداخلية والإقليمية والدولية، كان لها انعكاسات سلبية على الوضع في الصومال، إذ زادت من حالة التردي والبؤس، ومن هذه الأحداث:
أ - تدهور إنتاج الغذاء: واجه الصومال خلال العام الماضي، نقصًا خطيرًا في كميات الغذاء سواء المنتج داخل البلاد أو المتدفق من خلال منظمات الإغاثة الدولية.
وتقدر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» عدد الأشخاص الذين يواجهون صعوبات غذائية في الصومال ما بين 800 ألف إلى مليون شخص، بمن فيهم 300 ألف شخص في الأقاليم الجنوبية يهددهم خطر المجاعة.
وكان الموسم الزراعي الماضي هو الأسوأ منذ سبع سنوات، نتيجة موجة الجفاف التي تضرب الصومال منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وحذر برنامج الغذاء العالمي في تقرير له، نشر في أغسطس الماضي، من أن نصف مليون شخص في جنوب الصومال يواجهون أزمة غذائية خطيرة، وذلك لقلة المطر الذي سقط على المنطقة في موسم الأمطار.
ب - توقف إمدادات الإغاثة الدولية بسبب انعدام الأمن، وتعرض الكثير منها للنهب، إضافة إلى تراجع إنتاج الحبوب على الصعيد العالمي، وهو ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» في تقرير لها نشرته في أكتوبر الماضي.
جـ - تدمير العديد من مناطق الرعي بسبب الفيضانات، إذ أدت الأمطار الغزيرة التي هطلت في إثيوبيا المجاورة، إلى ارتفاع منسوب مياه الأنهار في جنوب الصومال، الأمر الذي تمخض عن تشريد أعداد كبيرة من السكان، وبالتالي تفاقمت أحوالهم الغذائية المتدهورة أصلًا.
د . استمرار حالة الجفاف الشديد في كثير من المناطق للسنة الثالثة على التوالي، وهو ما تسبب في ندرة المياه للشرب، وسقي الماشية، بل تفجر صراعات قبلية حول مصادر المياه الشحيحة.
هـ - استمرار فرض الحظر على استيراد الماشية من شرق إفريقيا وخاصة الصومال، نتيجة انتشار أو الخوف من انتشار مرض حمى الوادي المتصدع، وهو ما أسهم في إحداث خسائر كبيرة في مستويات الدخل، وخاصة في شمال الصومال.
إجراءات عقابية
«إغلاق مؤسسة البركات»
أعلنت الولايات المتحدة في السابع من نوفمبر الماضي تجميد أصول مجموعة البركات – بنك البركات – المملوكة لصوماليين، والتي تتخذ من دبي مقرًا لها، وهي أكبر شركة تعمل في مجال تحويل الأموال إلى الصومال، بتهمة تمويل الإرهاب.
لكن البركات التي يتمثل نشاطها الأساسي عبر العالم في تحويل الأموال «80% منها في اتجاه الصومال»، نفت الاتهامات الأمريكية، مؤكدة أن إجمالي المبالغ التي تحولها عبر شبكتها في العالم كله لا تتجاوز 140 مليون دولار سنويًا، ما يدر عليها أرباحًا بقيمة 750 ألف دولار فقط بعد خصم التكاليف ورواتب ثلاثة آلاف من العاملين فيها.
وتعد هذه التحويلات أكبر مصدر للعملات الأجنبية هناك، وهناك آلاف من الأسر الصومالية تعيش على المبالغ التي يرسلها ذووهم في المهجر، وبالإضافة إلى التأثيرات السلبية للقرار الأمريكي على الشعب الصومالي، تقول المجموعة إن العاملين لديها البالغ عددهم ثلاثة آلاف شخص قد يواجهون الطرد من وظائفهم، كما أن هناك أكثر من 1400 مودع في البنك معظمهم من رجال الأعمال والمستوردين المحليين، قد يفقدون أموالهم، ويقول مسؤولون: إن البركات تدين بما يصل إلى تسعة ملايين دولار.
والخلاصة: إن انهيار الاقتصاد الصومالي المحدود الأنشطة أصلًا، الذي بدأ في عام 1991م، لا يزال مستمرًا، وقد وصل إلى درجة خطيرة حتى لم يعد بالإمكان إطلاق تسميته «اقتصاد دولة»، وبعد التطورات الأخيرة، فإن بقاء البلاد ممزقة ونهبًا للحروب والصراعات سيدفع بالمزيد من الصوماليين إلى دائرة البؤس والشقاء والفقر والجوع والمرض.
كما أن التعويل على الأطراف الدولية أو الإقليمية في حل المشكلات التي يعاني منها الصومال لن يؤدي إلى نتيجة، بل على العكس تمامًا، فقد أدت التدخلات الخارجية عام 1995م تحت عنوان «إعادة الأمل» إلى تدمير ما بقي من البنية الاقتصادية في البلاد حتى باتت أشبه بزجاج مكسور، فكيف سيكون الحال والصومال مستهدف بالحرب الجديدة كعدو متهم بدعم ما يسمى بالإرهاب؟
حصاد سياسات القذافي:
المزيد من الخفض في قيمة الدينار الليبي
على الرغم من إنتاجها الوفير من النفط، وقلة عدد السكان، فقد تدهور حال الاقتصاد الليبي بسبب السياسات الهوجاء وسوء بل انعدام التخطيط السليم والنهج الرشيد.
وقد لجأت السلطات النقدية الليبية إلى خفض سعر الصرف الرسمي للدينار بنسبة 51% مقابل الدولار الأمريكي، وأصبح سعر الصرف الجديد 1.3 دينار مقابل الدولار بدلا من 0.64، وكان السعر الرسمي للدينار قد خفض بنسبة 14% في العام الماضي.
وحتي نهاية عام 1998م كان السعر الرسمي الدينار محددًا عند مستوى 0.45 دينار للدولار الواحد، قبل أن يهبط إلى 0.63 للدولار في سبتمبر الماضي ثم 0.64، وتوقعت المصادر المالية أن يشهد العام الجاري المزيد من التخفيض في قيمة الدينار الليبي.
مصر تعود للاستدانة
عادت الحكومة المصرية لسياسة الاقتراض بقوة من السوق الخارجي، بعد أن كانت أعلنت رسميًا تحجيم هذه السياسة؛ أملًا في القدرة على سداد الديون المتأخرة التي ترهق الميزانية.
فقد أعلن مسؤول كبير في البنك الدولي أن مصر ستطلب من مانحي المعونة الشهر المقبل المساعدة في سد عجز متوقع قدره 2.4 مليار دولار في ميزان المعاملات الجارية في السنة المالية الجارية.
ومن المقرر أن يعقد اجتماع الدول المانحة في شرم الشيخ في 25 فبراير المقبل.
ومن المتوقع أن تشارك نحو 40 جهة مانحة للمعونة في المحادثات التي كان مقررًا عقدها في أواخر أكتوبر الماضي وأرجئت بسبب الهجمات على الولايات المتحدة.
وقال مدير شؤون مصر في البنك الدولي محمود أيوب إن مصر قد تتلقى معونات قيمتها نحو ملياري دولار تصرف على وجه السرعة من المانحين.
وأشار أيوب إلى أن السبب الأساسي للعجز هو انخفاض عائدات السياحة وهي من المصادر الرئيسة للنقد الأجنبي في مصر.
وقال إنه من المتوقع أن تبلغ عائدات السياحة 2.6 مليار دولار في الاثني عشرًا المنتهية في 30 يونيو المقبل بانخفاض حاد عن 4.3 مليار دولار في السنة المالية السابقة.
وكانت الحكومة قد تجاهلت مرارًا تحذيرات من الاعتماد على السياحة كمصدر رئيس للدخل، حيث تعتبر السياحة مصدرًا هشًا يتأثر «بمجرد إطلاق بضع زخات من الرصاص»، على حد قول أحد المراقبين.
كما قام محافظ البنك المركزي المصري ومعه عدد من رؤساء البنوك بجولة خليجية مؤخرًا استهدفت إيداع مبالغ مالية بالدولار في البنوك المصرية لدعم الجنيه المصري الذي يشهد ترديًا منتظمًا في قيمته منذ صيف العام الماضي.
وكان الاقتصاد المصري قد بدأ يتعثر قبل سبتمبر الماضي، وجاء وقوع الهجمات على واشنطن ونيويورك في ذلك الشهر ليفاقم الأزمة بسبب تأثر السياحة في وقت يمثل عادة ذروة الموسم السياحي.
كما اقترن ذلك بتراجع العائدات من مصادر رئيسة أخرى مثل صادرات النفط.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أنها ستعجل بتقديم جانب من معونتها الاقتصادية لمصر تبلغ 959 مليون دولار لمساعدتها على. تجاوز الأزمة.
البنتاجون: الحملة على أفغانستان فرصة لزيادة الميزانية
فتحت الحملة الأمريكية على ما تسميه بالإرهاب الباب على مصراعيه لشركات تصنيع السلاح التي كانت تعاني من ضعف المبيعات، وفي خبطة واحدة بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في تقديم طلبيات بالمليارات.
الوزارة قالت إنها ستطلب من الكونجرس زيادة ميزانيتها للعام 2003م بنحو عشرين مليار دولار من أجل المخزون الاحتياطي لأسلحتها، وخاصة القنابل الموجهة بالليزر والأقمار الصناعية، والصواريخ والطائرات الحربية، إلى جانب زيادة ميزانية الرعاية الصحية للعاملين بالوزارة.
وقال مسؤول في البنتاجون إنه من المتوقع أن يقوم الرئيس بوش ووزیر دفاعه دونالد رامسفيلد في الأشهر القليلة المقبلة بتسليم الكونجرس خطة تطالب بزيادة الميزانية الحالية للوزارة تبلغ 329 مليار دولار بنسبة 6%.
وتنتهي ميزانية البنتاجون للسنة المالية الحالية في الثلاثين من سبتمبر المقبل، وهي لا تشمل الميزانية الخاصة بالحملة العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة منذ أكتوبر الماضي على ما تسميه الإرهاب، فهذه الميزانية الخاصة والتي تقدر بملياري دولار شهريًا تغطى من بند خاص للطوارئ أجازه الكونجرس بعد هجمات سبتمبر.
وبرغم العجز في الميزانية الأمريكية العامة فإن مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية يبدون ثقتهم بقبول مطلبهم بزيادة ميزانية الدفاع «لأن الحملة العسكرية على أفغانستان عززت الدعم الشعبي والرسمي لإعادة بناء الخدمات العسكرية الأمريكية» حسبما يرون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل