; اكتئاب وعدوانية وجرائم عائلية | مجلة المجتمع

العنوان اكتئاب وعدوانية وجرائم عائلية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 30-ديسمبر-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1982

نشر في الصفحة 16

الجمعة 30-ديسمبر-2011

رجو بيرتو.. لم يكد يمر يوم واحد على عودته حتى أقدم على قتل زوجته وشنق نفسه في اليوم الثالث!

ماثيو ماجد اساس.. قتل زوجته الحامل وابنته البالغة من العمر ١٣ شهراً وكلابهم الثلاثة ثم انتحر!

سيدرك جرفين .. طعن زوجته عشرين مرة ثم أضرم النار في منزله وحاول الهرب!

الجنود الأمريكيون العائدون من العراق..

لم يكن احتلال العراق كارثيا فقط على العراق وأهله، ولكن ثالت اللعنة المجتمع الأمريكي قعودة الجنود من العراق حاملين معهم نفسيات محطمة وسلوكا عدوانيا وعنقا تدربوا عليه ومارسوه على مدار سنوات أصبح من أخطر ما يهدد الولايات المتحدة. 

واستمرارا لرصد المجتمع. لما بعد الانسحاب من العراق تقدم هذا التحليل الراصد التأثير الانسحاب، وعودة الجنود الأمريكيين إلى موطنهم على الولايات المتحدة.

فقد انعكس الوجود العسكري في العراق على مدى ٩ سنوات بشكل كبير على أغلب الجنود والضباط الأمريكيين العائدين إلى بلادهم؛ حيث اعتادوا على العدوانية والهمجية في التعامل مع الشعب العراقي واستخدام السلاح في أحيان كثيرة لإزهاق أرواح العراقيين وتعذيبهم، وأعمال وحشية كثيرة تركت آثارها على نفسية هؤلاء الجنود وعاد الكثيرون منهم إلى موطنهم حاملين تلك الوحشية، التي تعاملوا بها داخل العراق ليطبقوها في المجتمع الأمريكي. 

وأول من يناله ذلك الجانب هم عائلاتهم وبالتحديد زوجاتهم اللاتي بدأن يشكون أزواجهن إلى القضاء والشرطة الفيدرالية ووصل الأمر إلى الضرب بوحشية وإزهاق الروح .. وهذا ما حصل مع الرقيب رجو بيرتو»، فلم يكد يمر يوم واحد على عودته حتى أقدم على إزهاق روح زوجته، ثم شنق نفسه في اليوم الثالث.

عائلاتهم أولاً 

ولم تكن هذه القصة الوحيدة؛ إذ قام . ضابط أمريكي آخر وهو الرقيب «سيدرك جرفين» بطعن زوجته عشرين مرة قبل أن يُضرم النار في منزله محاولا الهرب... وجندي ثالث عاد من العراق وهو ماثيو ما جداساس»، الذي قتل زوجته الحامل وابنته البالغة من العمر ۱۳ شهراً وكلابهم الثلاثة، ثم انتحر في ويسكنسون»، وغيرهم كثيرون.

خطورة هذا الأمر وتفشيه دفع القيادة العامة للجيش الأمريكي إلى إطلاق حملة إعلامية خاصة باسم «براين آدمز وهو قناص أمريكي رجع من العراق بعاهة مستديمة أصابته بالاكتئاب، كما أدمن المشروبات الكحولية، وانصرف عن أصدقائه، وعبّر عن أحاسيسه قائلاً: «لقد بدأت أشعر بأنني أفقد السيطرة على أعصابي، ولم أعد أعرف ما هو قانوني وما السلوك الذي يناسبني، إنني أتصرف وكأن القوانين لن تطالني». 

وأمام تلك الضغوط، سعت قيادة الجيش إلى تقديم كل وسائل العلاج، وفتح الكثير من المصحات والمؤسسات النفسية لعلاج الجنود العائدين من العراق وأفغانستان لتقليل حالات العنف الأسري بينهم. 

السيدة «جاكي»، زوجة الضابط الأمريكي «ماك مايكل»، تقول عن زوجها : إنه «قبل ذهابه إلى العراق، كان مفعما بالحياة ويتحدث إلى الجميع، ولم يكن يتأثر بالضغوط النفسية، لكنه تغير بعد عودته حيث أصبح أكثر بعداً عن أطفاله، وبات يُظهر نوبات غضب وهلوسة.. وعلاوة على ذلك، بدت لديه مظاهر أكثر إعاقة لحياته فهو لم يعد يتصرف بشكل سوي»! 

وقد تناول الإعلام الأمريكي هذه الظاهرة من خلال فيلم موطن الشجعان» (Home of the Brave) ، الذي يصور معاناة الجنود بعد عودتهم إلى الولايات المتحدة، جراء ما لاقوه في حرب العراق.

وعنوان الفيلم مأخوذ من النشيد الوطني الأمريكي؛ حيث يتكرر في نهاية كل مقطع فيه عن راية متلألئة بالنجوم تموج فوق أرض الأحرار وموطن الشجعان».. فالراية المتلألئة بالنجوم هي العلم الأمريكي، والشجعان في الفيلم هم الجنود الأمريكيون الذين عادوا إلى موطنهم ليواجهوا مصاعب جمة، أهمها الندوب النفسية العميقة التي أحدثتها فيهم حرب العراق.

ويصور الفيلم حالة أحد الجنود العائدين وكيف أنه بدأ يتعامل بوحشية مع زوجته حتى وصل الأمر إلى ضربها ضربا مبرحا في مرات عديدة.

الجندي المنعزل 

وهناك كتاب أمريكي بعنوان «الجندي المنعزل»، رصدت فيه المؤلفة «هيلين بندكيت تزايد حالات العنف للجنود العائدين مع زوجاتهم من خلال إحصاءات من المجتمع حيث تقول : إن عشرات الزوجات الأمريكيات تعرضن للشنق أو إطلاق النار أو قطع الرأس أو الأوصال، أو قتلن عندما أحضر أزواجهن الحرب إلى المنزل.

وقد كشف هذا الكتاب أن الآلاف من النساء الأمريكيات تعرّضن خلال السنوات الخمس الماضية إلى القتل أو الضرب والاعتداء أو الترهيب من قبل أزواجهن من الجنود الذين شاركوا في احتلال العراق وأشارت «بندكيت» إلى أن هؤلاء النساء يشكلن عددا من إصابات الحرب تساوي عدد آلاف الجنود الذين قتلوا أنفسهم بعد مشاركتهم في المعارك. 

وفي تعليق لها على الكتاب، نشرته شبكة ومينز إي نيوز، أوضحت «سيستي بانرمان» الناشطة في مجال الدفاع عن المرأة أن نسبة العنف المنزلي بين المحاربين القدامى في الولايات المتحدة بلغت رقما قياسيا، مشيرة إلى أن أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة هو العنف الذي لا يمكن السيطرة عليه.

علاقات زوجية محطمة جراء الآثار النفسية التي تركتها الحرب على العراق.. تحت هذا العنوان، قالت صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ ٥ أبريل ۲۰۰۸م: إن «الجيش الأمريكي يخوض اليوم معركة معقدة وغير متوقعة تختلف عن الحروب العادية تتعلق بعلاقات الزواج المحطمة في أوساط جنوده بسبب مشاركتهم في الحروب فترات طويلة».

وأوضح الميجور «ليفي دانتون»، أمام مجموعة من الجنود الآخرين وزوجاتهم في جلسات ينظمها الجيش في نهاية كل أسبوع المشكلات التي تعتري حياته مع زوجته منذ عودته من العراق عام ٢٠٠٥م؛ إذ لم يعد يستطيع الإندماج مع عائلته، ولا يجد متعة في كونه أبا لولدين، مؤكداً أن أي شيء أصبح يثير غضبه .

وبدت زوجة دانتون» غير سعيدة؛ لأنها تشعر بأنه ليس لديها فرصة للتواصل مع زوجها، موضحة أنها مقتنعة بأن الحرب وجدت طريقها إلى زواجهما .. أما كيف وجدت هذا الطريق، فتوضحه بقولها : «إن «دانتون» كان معتادا على قول الطرائف، ولكنه لم يعد الآن كما كان.. أستطيع أن أقول: إنه مختلف كليا، ولكن أعتقد أن هذه المرحلة ستمر». 

وذكرت الصحيفة الأمريكية أن هذه الجلسات تُعَدُّ جزءاً من برامج «روابط قوية» التابعة للجيش، المخصصة للعائلات والأزواج والتي تجرى بإشراف بعض القساوسة. وتهدف هذه الجلسات التي أطلق عليها التثقيف بالزواج»، بدلا من تسميتها جلسات استشارة أو علاج، إلى التعامل مع التوتر الذي يصل إلى الحياة الزوجية من ميادين القتال ويكون تأثيره كبيراً على تلك الحياة. واللافت أن الكثير من منتسبي الجيش الأمريكي عندما يعودون من حربي العراق أو أفغانستان يصل بهم المطاف إلى الانتحار خاصة عندما لا يستطيعون العيش الطبيعي مع عائلاتهم وزوجاتهم، في ظل حالة العنف الأسري؛ مما يدفعهم إلى الانتحار.. وقد انتحر ۷۱ جنديا بعد صرفهم من الخدمة عام ۲۰۰۹م، بزيادة تبلغ نسبتها حوالي ٢٥٪ عن إجمالي حالات الانتحار عام ٢٠٠٨م، والغريب أن بعضهم أقدم على الانتحار بعد عودتهم إلى ديارهم بأسابيع فقط.

ما بعد الصدمة

وكانت مؤسسة «راند» للأبحاث قد أجرت استطلاعاً شمل ١٩٦٥ جنديًا عائداً من العراق أو أفغانستان، أظهرت نتائجه أن نسبة 14% منهم تم تشخيص حالاتهم بأنها كرب ما بعد الصدمة»، ومثلهم «اكتئاب رئيسي»، وهذا يفوق كثيرا الإصابة بين عامة الناس.. ويلاحظ على النتائج الترابط الوثيق بين أهم مسببين للانتحار بين أفراد الجيش الأمريكي: كرب ما بعد الصدمة»، والاكتئاب حيث كانت النسب المئوية متساوية بينهما . 

وهناك دراسة أجراها باحثون من المركز الطبي لوزارة شؤون المحاربين في سان فرانسيسكو» وجامعة كاليفورنيا»، شملت نحو ۲۹۰ ألفا من المحاربين القدامى المشاركين في حربي العراق وأفغانستان الذين تلقوا رعاية صحية بمؤسسات الوزارة بين عامي ۲۰۰۲ و ۲۰۰۸م، ونشرت بتاريخ ٢٤ يوليو ۲۰۰۹م بالموقع الإلكتروني للمجلة الأمريكية للصحة العامة.

ومما خلصت إليه تلك الدراسة «فداحة الكروب التي يتعرض لها الجنود وعائلاتهم جراء سنوات من الحرب ونشرهم المتكرر في ساحاتها»، وأنه كلما طال وجود هؤلاء المحاربين القدامى خارج الخدمة، ازداد طرديا عدد المصابين بمشكلات الصحة العقلية. 

كما أظهرت الدراسة أن نشوء كرب ما بعد الصدمة قد يستغرق سنوات، وكلما طالت فترة متابعة المحاربين القدامى صحيًا، زادت احتمالات تشخيصهم بهذا الاضطراب مع مرور الوقت ..

الرابط المختصر :