; اكتساح الماركسية للعالم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان اكتساح الماركسية للعالم الإسلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977

مشاهدات 70

نشر في العدد 355

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 21-يونيو-1977

«إن الماركسية قد اكتسحت العديد من العقول في كل البلدان التي كانت من قبل دار الإسلام كما في بلدان أخرى كثيرة. فالجميع يهتمون بها هناك. وقد يرى البعض في ذلك النجاح قبل كل شيء انتصار الحقيقة التي تبدد ضباب الخطأ» من مقدمة الماركسية والعالم الإسلامي.

هذه كلمة قالها اليهودي مكسيم رودنسون في معرض حديثه عن الماركسية والعالم الإسلامي مصورًا الواقع كما يراه. ففي الجزء الأول تقرير للواقع كما يبدو، وفي الجزء الثاني نظرة أخلاقية قيمة معيارية. فهى ليست بحقيقة ولا صواب.

إنها مجرد تحيز أيديولوجي عقائدي للماركسية اليهودية، تحيز لا يثبت أمام الحقيقة ولا أمام التمحيص والدراسة.

فهل اكتسحت الماركسية العالم الإسلامي فعلًا؟ وهل الماركسية انتصار للحقيقة وتبديد للضباب الإسلامي؟ أم اندحار للحقيقة وتكريس للخطأ؟ بل كيف دخلت الماركسية العالم الإسلامي وانتشرت؟

كثير من الناس يعتقدون أن الماركسية اكتسحت العالم الإسلامي نتيجة انتشارها عقائديًّا، ولكنهم لم يفهموا أنها في أوروبا والعالم الغربي قبل ١٩١٦ لم تكن نظريات فكرية فلسفية، وعملًا سياسيًّا عماليًّا فاشلًا، ثم استطاعت بمجهودات اليهود الذين أخرجوها للعالم أن تبعد المصاعب، وتذلل المخاطر، فبالمجهودات اليهودية نجحت الثورة الروسية، وبهذا الدعم اليهودي المكشوف للحركة البلشفية اتضح أن الماركسية ليست سوى حركة يهودية سرية، يربطها ويوجهها التمويل اليهودي والقيادات اليهودية فكرًا وتنظيمًا، فماركس فيلسوف الشيوعية الأول كان يهوديًّا. ولينين متزعم الانقلاب الشيوعي في روسيا باسم الماركسية اللينينية هو الآخر يهودي الأصل.. وغيرهما كثير.. ويكفي كدليل عملي على المشاركة بين الشيوعية واليهودية العالمية في مخطط واحد وهدف واحد، مشاركة الجميع في الاتحاد العام للحزب الاشتراكي الديمقراطي اليهودي.. حزب البند.

هذه العلاقة الوطيدة إذن بين الماركسية واليهودية العالمية كانت الدافع الأساسي لاندفاع الشيوعية في العالم؛ لأن اليهودية كيان منغلق على نفسه ولا يستطيع الانتشار والسيطرة والقيادة إلا بمفاهيم الشيوعية والعلمانية والليبرالية والرأسمالية والإخاء والمساواة.

هذه كلمة أخرى من اليهودي رودنسون تبين حقيقة لا لبس فيها، وهى نشأة الشيوعية الماركسية في البلدان العربية في الحلقات الأجنبية، وأنها كانت مقطوعة الصلة منبوذة من الشعب وما زالت، رغم تسليم مقاليد أمور الأحزاب الشيوعية للعرب، الذين يحملون أسماء مسلمة أو عاشوا بعقلية وسلوك مسلم ولو جغرافيًّا، إلى أن قويت شوكتهم وكثرت اتجاهاتهم.

وقد يظن البعض أن اليهود في عملهم هذا كانوا وحدهم في الميدان، وما حدث كان بمجهوداتهم وحدهم، والحقيقة غير ذلك، فهناك صلات أخرى بين اليهودية العالمية والاستعمار مهدت ويسرت عمل الصهيونيين في البلاد العربية المستعمرة. فالشرق الأوسط كان موزعًا بين بريطانيا وفرنسا. وهذا الاستعمار زرع في قلب الوطن العربي دويلة صهيونية، تسببت في دخول الماركسية إلى العالم العربي بتدخل الاتحاد السوفييتي في شؤون العرب وقضاياهم، تحت شعار الصداقة والمساعدات الاقتصادية والعسكرية.

ولا شك أن اليهودية العالمية والأمبريالية الأمريكية هما اللتان دفعتا بالاتحاد السوفييتي ليكون طرف نزاع وصراع في الشرق الأوسط، حتى تتم لعبة الأمم لتحطيم الأمة العربية. فلولا إسرائيل لما وجد الاتحاد السوفييتي مكانًا بجانب الدول الاستعمارية الغربية، ولولا الأنظمة الشيوعية التي أقامتها المخابرات الأمبريالية في الشرق الأوسط لتسهيل مهمة السوفييت في اللعبة، لما وجد المجال للماركسية في العالم العربي.. وبغير هذا لا يمكن تفسير تبعية الأحزاب الشيوعية العربية للمراكز الأجنبية: تل أبيب وباريس وموسكو، واستمدادها العون المادي والأدبي والتوجيه الفكري والسياسي منها. 

فأول حزب شيوعي أنشئ في العالم العربي هو الحزب الشيوعي الفلسطيني سنة ۱۹۱۹ بزعامة روزشتاین، وكانت جميع عناصره من اليهود الروس، الذين حملوا بذور الصهيونية وأوكل إليهم نشر الفكرة الشيوعية، والإشراف على تنظيم خلاياها في المنطقة العربية.

ثم أسسوا الحزب الشيوعي في لبنان سنة ١٩٢٤ وكان سكرتيره العام جاكوب وهو يهودي من أصل روسي، ونخمان ليفتسكي من يهود فلسطين، وميل وأوسكا ومولر يهود ثلاثة موفودون عن الكومنترن، حملوا الأموال والتوجيهات الأجنبية للحزب الشيوعي السوري اللبناني.

وأشرف اليهود أيضًا على تأسيس الحركة الشيوعية في العراق، وموّلها في معظم مراحلها عناصر يهودية موسرة، وكان يفترض فيها أنها ضد الشيوعية بحكم انتسابها الطبقي. ومن قيادة هذه الحركة برز كل من صديق يهودا وساسون دلال ويعقوب كوجمان ويوسف رحلة.

وفي مصر تأسست الحلقات الماركسية الأولى بإشراف مندوبي الكومنترن، أفجيدور وناداب، وهما يهوديان روسیان، وانضم إلى هذه الحلقة أنطوان مارون وسلامة موسى وروزنتال وحسين العربي. ثم تأسست المنظمات الماركسية الأولى بإشراف اليهود أيضًا، فأسس هنري كورييل المليونير الشهير منظمة الحركة المصرية للتحرر الوطني. ونظم هيلل شفارتس منظمة الأسكرا- الشرارة، ونظم مارسيل إسرائيل منظمة تحرير الشعب. ثم انضمت الأسكرا إلى الحركة المصرية التي عادت تعرف بحدتو. وإلى هذه الحركة انضم لفترة من الزمن طالت أو قصرت معظم عناصر اليسار المصري.

وكما حدث في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ومصر حدث في باقي البلاد العربية. ففي المغرب مثلًا سكرتير اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية يهودي يدعى شمعون ليفي. وهكذا فقد ساهم اليهود في إنشاء التنظيمات الشيوعية والمساهمة فيها تنظيمًا وتمويلًا وتفكيرًا. ولم يكن لهؤلاء اليهود من غاية إلا التأسيس والتمويل والتوجيه والتنفيذ، ثم بعد ذلك لتحدث الانشقاقات ولتتعدد الاتجاهات، ما دامت أصوات التيار الشيوعي تؤيد إسرائيل في بقائها باسم البروليتاريا العربية والإسرائيلية ضد البورجوازية، وكل تيار شيوعي لا يخضع لهذا التوجيه يحارب ويظل رجعيًّا أو تقدميًّا ويساريًّا فحسب.

 

الشيوعية والإسلام وجهًا لوجه..

الشيوعية لم تواجه الإسلام بعد

دخلت الشيوعية العالم الإسلامي كما قلنا لهدفين أساسيين :

  1. خلق تيارات ماركسية من المسلمين أنفسهم بتوجيه من اليهود الشيوعيين تنفيذًا للمخطط الصهيوني الشيوعي.
  2. تحطيم المجتمع الإسلامي بثورات متعددة متتالية.

وقد شرع الصهاينة في تنفيذ خطتهم بعد نجاح الثورة الروسية مباشرة، وتمكنوا من تحقيق جل هدفهم بكامل الدقة تحقيقًا وقتيًّا. فنجاحهم لم يكن كاملًا، لأن المد الشيوعي بعد خمسين سنة ٢٠- ١٩٧٦ وصل إلى جزء من أهدافه، ببلوغ كثير من التيارات الماركسية إلى الحكم، وبتحكم كثير من التيارات الماركسية الأخرى في سياسة بلدانها وثقافتها. ولكن الأحزاب الشيوعية فشلت فشلًا ذريعًا. لم تستطع قط أن تصل إلى الحكم ولم تستطع أن تنفذ رغبات الشيوعية العالمية والصهيونية. فهذه الأحزاب ظلت دائمًا منبوذة، معزولة عن مشاعر الجماهير المؤمنة المسلمة. لم يصل إلا أنصاف الماركسيين الاشتراكيين، ولم يعلن إلا عن أنصاف البرامج الماركسية. وهم في ذلك مأخوذون ببريق الشيوعية والصهيونية متغافلون عن أهدافها وأغراضها وأطماعها.

وقد فهم الماركسيون الشيوعيون هذا الاندحار الأولي، أو هذا التوقف في سير عجلة التاريخ جيدًا.[1] فهموا- بعد الجهود المضنية والنضال المستميت في إزالة الطبقات الحاكمة والطبقات الغنية والطبقات الليبرالية من المثقفين- أنهم لم يكتسحوا عقول المسلمين، وإنما اكتسحوا عقول الليبراليين الذين صنعهم الاستعمار الغربي في معاهده. وأنهم لم يتغلبوا على المسلمين وإنما تغلبوا على الليبراليين الحاكمين باسم الليبرالية. وأنهم لم يغيروا من مجتمع المسلمين وإنما غيروا من مجتمع الليبراليين وأنظمتهم.

ورغم ما قدمه الماركسيون عن طريق اعتقاداتهم الدغماتية ونصوصهم المقدسة الجديدة، وتحليلاتهم المستفيضة، ورغم تهديمهم الإسلام والمجتمع الإسلامي أشد التهديم وأخبثه، فأقلامهم تنتقد الدين كعمل أساسي لتحطيم المجتمع وتغييره، وكتبهم وصحفهم سفهت بطريقة مباشرة وغير مباشرة الفكر الديني، وفجروا حوله الشبهات بحدة لم يسبقوا إليها، ورفعوا شعار الدين أفيون الشعوب، وحاربوا أحيانًا بالمجابهة الصريحة والعداء السافر للمسلمين، ولما لم يظفروا بطائل وظلت عقيدة المسلمين صامدة، بل ملتهمة كل ما يطرحه الماركسيون الشيوعيون من برامج وأهداف وغايات عادوا بألبسة جديدة.[2]

والغريب أن المسلمين- لا الليبراليين- في كل هذا لم تثر أعصابهم، ولم يفقدوا صوابهم، فهم مطمئنون بأن حملة الشيوعيين الماركسيين وشبهاتهم الملغمة، لم تغير ولن تغير من الإسلام ولم تنفع ولن تنفع في زحزحة الإسلام، بل على العكس فقد أثارت انتقاداتهم همم الشباب المسلم، فرفض الشيوعية والرأسمالية عن وعي وتدبير ووقف بالمرصاد لهما يرد على شبهاتهما وانتقاداتهما. 

إن الهجوم على الإسلام تطور تطورًا خطيرًا، فلم تعد موضوعات الهجوم تقوم على الرق أو الطلاق أو المرأة وتعدد الزوجات، بل أصبحت هجومًا مركزًا بأيديولوجية تدعي العلمية والعلمانية معًا، وتثير قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية تمس حياة المسلمين في واقعهم اليومي، وتمس حياة الجماعات في جذورها الاجتماعية. فهى تؤلب جماعات ضد جماعات، ولا تقتنع بالتغيير البسيط بل تريدها شيوعية ماركسية رغم أنف كل مسلم، بالاضطهادات والتعذيب والتشريد وغسل الأدمغة عنوة. وبهذه الأساليب فعلًا نجحوا في كثير من الأماكن، واستطاعوا توجيه الحياة، وخلق نماذج اجتماعية جاهلية تسلمت أزمة الأمور بكافة الأساليب، قمعًا وتزويرًا وتدليسًا.

من هذا يبدو طلب الجاهلية الحكم والسلطة وتقاعس المسلمين عنها وعن نصرة دينهم ودنياهم. فهم منهزمون أمام الجاهلية، لا يواجهون أعداءهم ولا ينظمون أنفسهم لهذه المواجهة، وكأنهم لا يعون المؤامرة التي تحاك ضدهم. هذا النقص الهائل في المواجهة خطير، ومسئول مسئولية كاملة عن اهتزاز كثير من مراكز القوى الإسلامية، ومسؤول أيضًا عن وقوع كثير من المدافعين عن الإسلام في موقف حرج، استسلامي، انهزامي، يطلب أنصاف الحلول وأرباعها. فالكاتب المسلم يقف عند حد التعريف بالإسلام، دون أن يلمس الوضع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي للإسلام، ويبعد الإسلام عن المعترك الحقيقي الذي يجب أن يتوجه إليه المسلمون، معترك الحياة كاملة شاملة متكاملة.

فالمواجهة إذن بين الإسلام والشيوعية غير متكافئة، فالشيوعيون يعملون بكل وعي لتغيير الأوضاع والسيطرة على أزمّة الأمور، والمسلمون يعيدون الدعوة إلى الإسلام في مجتمع مسلم يعلم كل شيء عن ما يدعى إليه.

ولن تكون المواجهة متكافئة إلا إذا خرج المسلمون من إطارهم الضيق إلى إطارهم الواسع.. إطار تبني الإسلام للحياة.. إطار الانحياز التام للمسلمين والتماسك والتعاضد معهم لدحض قوى البغي، وشل كيد الكائدين.

إذن فالمواجهة بين الإسلام والشيوعية غير متكافئة من حيث العمل والنضال، ومن حيث التوجه الأيديولوجي العملي. فالمسلمون سادرون والشيوعيون يعملون، ويناضلون، ويعلمون مع ذلك أن تحليلاتهم لا تنطبق على الإسلام والمسلمين، فيستهدفون الإيقاع بين المسلمين والإسلام والحياة اليومية الاجتماعية. فهم يشددون الهجوم على الجماعات الإسلامية الواعية وعيًا سياسيًّا، ويلصقون بها تهمة استغلال الدين في الأغراض السياسية، كما يخوفون الحكومات من التحركات الإسلامية وكأنها هي الخطر المحدق بالأمة وليست الشيوعية، تمامًا كما حدث في المغرب حيث جعلوا الحركة الإسلامية حركة فاشستية، لا هدف لها إلا الاغتيالات والاعتداءات. فهي تلك الأخطبوط الذي تخوف به الحكومات في كل مكان- الإخوان المسلمون- ومع هذا وكل هذا فهم يشعرون أن ماركسيتهم قد فقدت بريقها نظرًا لامتداد العقيدة الإسلامية وظهور الإسلاميين بحدة دموية.. فهي تعرقل مسيرتهم المظفرة كما يظنون، رغم أنها لم تدخل معهم في مواجهات لا كلامية ولا انتخابية ولا أي نوع من أنواع المزاحمة أو حتى العداء، ولكن الحقيقة قاسية عليهم فهذا يوهن من صلابتهم ونضالهم، ويدفعهم إلى تملق الإسلام والجماهير الإسلامية في أسلوب جديد، وثوب جديد، حتى إنهم يقيمون احتفالات دينية ضخمة كانوا في غنى عنها لولا الجماهير المسلمة. 

والعاقل من الناس لا يستبعد انهيار الأمة والوطن في أيدي الشيوعية، فهذه أهدافهم وهم يعملون من أجل بلوغها حسب التعليمات اليهودية كما سبق أن رأينا، وخاصة بعد أن ضربت العناصر المسلمة القوية، والطلائع الواعية، في العهد الليبرالي البائد، عهد الاستعمار الغربي الذي استنفد مجهودات المسلمين وطاقاتهم، وأورثهم الاستسلام والانهزام، والخوف من كل عمل سياسي شامل جامع، يهز كيان المسلمين ليغيروا ما بأنفسهم فيتغير واقعهم. إن الشيوعية عندما تجد المجال خصبًا أمامها، تتسلل بدون رقيب، فالأمر أمامها سهل ميسر، معبد من قبل، فلما لا يجهرون بما يفعلون؟ لما لا يصبح المسلون قلة مضطهدة؟ لا أحد يستطيع الحديث عنهم، لا المحامون، ولا الصحافة، ولا الجمعيات ولا حتى البلاد، ولا هم يحزنون. 

إذن فالأيديولوجية الإسلامية عائق هائل في طريق الشيوعية[3] ولكن المسلمين لا يواجهون، ولا يعملون من أجل الدفاع عن دينهم ودنياهم. وهذا معناه أن الاندحار البديهي الأولي للشيوعية في العالم الإسلامي يقوم أساسًا على أن الأرضية التي تطؤها الشيوعية ليست ثابتة، إنها تهتز بأصحابها؛ فهى أرضية لا تستقر بجماعة أو مذهب دخيل.


[1] عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي.

[2] عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي.

[3] عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي.

الرابط المختصر :