; الأبناء ومسؤولية الآباء (الحلقة الأولى) | مجلة المجتمع

العنوان الأبناء ومسؤولية الآباء (الحلقة الأولى)

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1977

مشاهدات 86

نشر في العدد 334

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 25-يناير-1977

إن مصير المجتمعات الإنسانية رهين بالمعتقدات التي تتمسك بها هذه المجتمعات، والتي تظهر بشكل من الأشكال، وتبدو لها مظاهر كثيرة من أهمها مناهج التربية التي تقوم على أساسها المعاهد والمدارس والجامعات، وتعمل على أساسها، وسائل التوجيه، والتأثير، والدعاية. 

ولا نعجب إذا رأينا الحركة الاستشراقية، والتبشير، والاستعمار الحديث- والحركات المناهضة للإسلام، كلها تعمل على طرح النظريات التربوية، والبرامج الثقافية التي تحقق هذه الأهداف. لقد استطاع أعداء الإسلام تطبيق معتقداتهم في ديار المسلمين باسم الثقافة والعلم والتقدم والحضارة وحملت إلينا هذه العقائد على أطباق العلم -وفي طيات الكتب الثقافية وبرامج التعليم المختلفة، وراح المخلصون من المسلمين يتباكون على ما آلت إليه أمور الجيل المعاصر الذي تنكر لعقيدته، ورفض شريعة الله، واتجه نحو الغرب يأخذ منه ويقتفي أثره في الشر والإثم والفجور قبل أن يستفيد منه في علم أو صناعة.

 واحتلت دور الثقافة، ومناهج التربية الحديثة أوطان المسلمين بدلًا من الجيوش والأسلحة والسلطة واستطاعت أن تربي من أبناء المسلمين من يعبد الغرب -فضلًا عن الإعجاب والتبعية والارتباط ولم يعد الغرب بحاجة إلى من يؤدي هذا الدور من أبنائه.

وكنا -نحن المسلمين- غافلين عن ذلك -أحيانًا- فلم نهتم بالتربية الحقيقية ولم نأخذ للأمر أهميته المطلوبة، بل اكتفينا بأسلوب الزجر والردع والعقاب والأمر والنهي، بينما كان الغرب يدرس النفس، ويتعرف إلى ميول الناس ورغبات الأطفال ومناطق الضعف لدى الشباب والصغار ثم يقدم لهم ما يناسب سنهم ويحقق لهم أمانيهم وأهواءهم، ثم يحقق على أيديهم مخططاته وأهدافه.

إن كثيرًا منا يفخر بالألقاب التي يحملها من معاهد الغربيين، ويتعاجب بنفسه عندما يعود من بلد أوربي يحمل شهادة من الشهادات ثم ينظر بترفع وازدراء إلى بلده، ومعاهد العلم في بلده، وإذا به يفقد عنصر الثقة بنفسه وببلده ولا يتحدث إلا عن الغرب ومعاهد الغرب.

إن هذه الظاهرة نتيجة طبيعية لإهمالنا واجباتنا تجاه أطفالنا، والنشء الصغير، حيث تركناهم للمدارس والمعاهد التي تطبق مناهج الغرب في التربية، وبالتالي فلن يكون الطفل إلا صورة من الصور التي أرادها واضعو هذه البرامج والأهداف إلا من عصم ربك.

والقرآن الكريم أعطانا أمثلة كثيرة لأسس التربية التي يتوجه بها الأب نحو ابنه، لأن مسئولية الأب والأم قبل مسئولية المدرسة، ولن يكون هناك شيء أعلى وأهم عند الأب من تعهد الأبناء والإشراف المباشر على تربيتهم، لأنها مسئولية عند الله عز وجل، يوم يسأل الرجل عن عمله وحياته وأهله.

فلیست مشاغل الحياة: من عمل ووظيفة، وتجارة ومال، وما إلى ذلك من أمور، ليس ذلك مبررًا لانشغال رب الأسرة عن هذه المهمة العظيمة. ولننظر إلى هذه السورة من التربية، والأسس التي تقوم عليها.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ،  وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان: ١٢: ١٩).

ولن نتوقف عند تفسير الآيات الكريمة.. وإنما نود التوقف عند الإيحاءات التي نستفيدها من هذا التوجيه الإلهي الكريم.

فلقمان -عليه السلام- وقد آتاه الله الحكمة لهذا شكر الله على نعمائه، وكان نعم العبد الصالح الشاكر المنيب، ليفوز بمرضاة الله، ولينجو بنفسه عند الله، وهذه الصورة تعطينا مثلا للأب القدوة، إذ ينطلق في سلوكه هذا من إيمانه بالله عز وجل، وخوفه من عقابه. وسعيه لمرضاته لأنه يعلم علم اليقين أن الله غني حميد بنفسه وإنما الإنسان المخلوق هو العاجز الفقير إلى الله.

من هذا الموقف، من هذا الإيمان من هذا الفهم المنطقي لعلاقة العبد بربه طبقًا لتصور المسلم يسلك لقمان -عليه السلام- طريق القدوة أمام ابنه قبل أن تعطينا الآيات الكريمة خطوطًا عامة للتربية التي أولاها المؤمن الصالح لابنه.

 وبعد أن التزم بمعنى الإيمان -وكان قدوة في سلوكه ونفسه، توجه لابنه بكل رفق وكأنه يخاطب أخًا له وصديقًا، في خطابه وعظته الحنو، والرفق والثقة معًا، فكانت الركيزة الأولى لهذه العظة هي: توجيه الابن إلى توحيد الله عز وجل وعدم الشرك به أي شريك آخر، بشرًا أو مادة.

 ولا يكتفي بالتوجيه وإنما يدعم ذلك بالحجة القائمة على العلم والواقع، فالشرك ظلم عظيم، ظلم للنفس التي ستكتوي بنار الله لأنها أشرکت به، ألیس من الظلم الفادح أن يجهل الإنسان حقيقة الله، وهو الخالق العظيم؟ أليس من الظلم العظيم أن يساوي الإنسان بين الخالق وخلقه؟ أليس من الظلم العظيم أن يقرن الإنسان بين العجز الضعيف، والقوة المدبرة الحكيمة؟

 إن هذه اللفتة ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13) تفتح أمام العقل مجالًا ليتملى قدرة الله. ويتعرف إلى حقيقة الربوبية، ويقارن بين العبد المخلوق، والإله الخالق.

وهذا يجعلنا ننتبه إلى هذه القاعدة وهي أن التربية الإسلامية تعتمد على تلقين الطفل هذه الحقيقة الكبرى، وتوسيع العقيدة في نفوس الأطفال حتى تصبح واضحة عميقة، يعلم أن أي شذوذ عنها معناه الهلاك والظلم والخطأ الفاحش. وهذه المهمة منوطة بالوالدين بالدرجة الأولى، ثم بالمعاهد والمدارس التي تتولى تربية النشء أيضًا. وهي الركيزة الأولى في التربية كلها.

ثم تدلنا الآيات الكريمة على طبيعة الصلة بين الطفل الناشئ والوالدين المربيين، إنها علاقة الدم، وفيها الحنو والعطف، فيها المودة والرعاية لذلك فإن كانت الآية تبين لنا واجب الولد نحو والديه، واجب العناية والرعاية والتكريم والوفاء، من خلال هذه السورة المؤثرة للأم التي تحمل الطفل وهي ضعيفة وترعاه رغم ضعفها، وتعاني من آلام لا حصر لها ومع ذلك تبقى لها رعايتها ذاتها المملوءة بالحب والعطف عليه.

إن كانت الآية تبين لنا هذا الواجب. فإنها تبين لنا أهمية العناية بتربيته أيضًا، لأن من تضحي في سبيله، وتعاني من أجله كل هذا العناء، حقيق بأن تضحي من أجل إنقاذه من نار الجحيم، ومهم أن تعاني من أجل تعهده وتربيته بما هو أهم من الجسد وما يتعلق به من أمور مادية، ألا وهي غرس العقيدة الصالحة في نفسه.

والله عز وجل يأمر الابن أن يكون بارًا بوالديه، وفيًا لهما بعد هذا العناء. ولكن هذا البر يفتقد قيمته إن خرج عن إطاره الصحيح ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 13) ولن تكون رعاية حقيقية، ووفاء صادق من الأبناء نحو الآباء إن لم تنبع من الإيمان بالله والخوف من حسابه، والوقوف عند حدوده.

هذا هو الواقع في بلاد الدنيا كلها يوم تخلت عن العقيدة، وبالتالي انفرط عقد الأسرة، وتقطعت وشائج القربي.

الإسلام يربط هذه الوشيجة المهمة -كما يربط غيرها- بالعقيدة ويقدم رابطة العقيدة عليها، لأن هذه الوشائج جميعا لا يستقيم أمرها ما لم تكن قائمة على أساس الإيمان بالله عز وجل.

لأن التوجيه الإلهي الكريم يجعل عقوق الوالدين من الكبائر، ولن يفرط مؤمن بحقوق والديه لأنه سيلتزم بشرع الله وحكم الله في كل شأن.

بل وما أكرمه عز وجل حين أمر الأبناء معصية آبائهم أن أمروهما بمعصية أو دعوهما للشرك في أية سورة من السور. 

إن الآيات توقظ ضمائر الأبناء والآباء معًا، وتعطي عملية التربية تلك الفاعلية اليقظة الواعية، حيث لا تترك الأبناء يتلقون بلا تعقل، ولا تريدهم أن يكونوا آلات تسجيل، وتحفظ وتردد بدون وعي.

إنها تغرس في نفوسهم منذ الصغر الوعي، والإدراك، والتفاعل مع ما يتلقونه وهذا يتطلب منهم فهم كل ما يتلقون.. والتفكير بما يسمعون مهما كانت صور العطاء والتربية، ولو كانت ممتزجة بثوب عاطفي وحنو أبوي، يغري ويضلل الإنسان أحيانًا وأي أمر يتلقاه الإنسان ينبغي أن يستند إلى الحقائق، وأكبر هذه الحقائق جميعًا وحدانية الله، وهيمنته على الكون كله، ومن يجهل هذه الحقيقة الظاهرة الواضحة، فلن يتعرف إلى غيرها.

فالتربية كما يوضح منهجها ربنا الكريم أمانة مفروضة على الوالدين أولًا، وهي مرتبطة بالإيمان، قائمة على غرس العقيدة أولًا -وهي عملية واعية، وليست عملية تلقين آلي فالابن المحاط بالحب والرعاية هو الابن الذي يتلقى النصح والرعاية والتربية الأبوية بوعي كامل، إنه الغرس المثمر، إنها التربية القرآنية التي تنبت لنا رجالًا علماء وباحثين وتبعد عن الإنسان المكرم صورة التبعية وانعدام الشخصية.

لذلك أمر الله عز وجل الابن أن يرفض تلقي أمر يخالف شرع الله، ويتعارض مع قوانين الحق، ولا يرضى عنه الخالق العظيم، ولكنه مع ذلك يعلي في نفس الابن من قيم الخير والوفاء، فيدعوه للبر بالآباء في حدود الطاعة وعدم المعصية ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: 14).

ثم يوجهه إلى التماس المعرفة الواعية، والطريق المستقيم، ويوجهه للبحث والتنقيب لاختيار الأصلح واتباع الحق ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (لقمان: 14).

دون أن ينسى ارتباط البحث والنتيجة، والسلوك بالحساب عند الله، ودون أن ينسى أن ذلك كله من أجل الآخرة، لهذا لا بد من صدق النية، وجدية البحث عن الحق والإخلاص في التماس الهدى والعلم، وليفوز بمرضاة الله، لأن الله عز وجل خبير بصير عليم. ﴿فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: 14)

هل بعد هذا نترك الأبناء بين أيدي الذين لقنهم الغرب مناهجه وأساليبه ليربوا أولادنا؟

وهل نبرر لأنفسنا تقصيرًا بحق الأبناء -فنتركهم دون تربية، ونهمل إعدادهم لمرضاة الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: ٦).

قليلًا من التفكير في الآخرة، وقليلًا من الاهتمام بالولد وقليلًا من الخوف من الله حتى ننهض بواجباتنا.

لقد أعطتنا الآيات الكريمة صورة عملية للتربية، ووضحت منهجًا عمليًا للإعداد، فمتى ينهض بذلك الآباء وتعود الأسرة محضنًا يربي الأولاد على العقيدة، ويخرج النشء على الخير، ولا نتباكي على ما جرى ويجري فنحن المسئولون والله عز وجل سيحاسب كل أمرئ على عمله. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر: ١٨).

 للبحث صلة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل