العنوان الأحلام.. المباح منها والممنوع
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1172
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
ما زالت بعض البلدان تعيش من زمن تحت خط التخلف، وترزح تحت نير الاستعباد، وتسبح في بحور من القهر تتناوبها الدَّواهي، وتمتطيها المصائب، تسير الأمم وهي جامدة لا تتحرك، وتنهض الشعوب وهي كسيحة لا تتقدم، وتعز الدول وهي قميئة لا ترفع رأسًا، وما ذاك إلَّا لأنَّها فقدت شخصيتها، وضاعت حريتها، ومحيت إنسانيتها، وأصبحت لا دور لها في الحياة إلَّا دور القطيع، هذا ويعيش العالم في العصر الحديث أمثلة كثيرة لهذا الصنف، وقد درجت الإنسانية على رؤية وسائل إيضاح متعددة لهذا النوع من الدول التي شاء لها سوء الطالع أن تصاب بحكم الدكتاتوريات والعسكر، وقد زخر عصرنا المبارك بكثير من هذه الألوان والأشكال، التي كانت في بدء أمرها استعمارية، ثم انقلبت إلى وطنية، وقد تسبب هذا الحكم المطلق في قتل الروح الحيوية في الشعوب والقضاء عليها فكريًّا وحيويًّا، وعلميًّا.
وقد قدم الباحث «مورو بيرجر» مثالًا على فتك الحكم العسكري بالشعوب والأمم، وكان هذا المثال هو: «الشرق الأوسط، مقارنًا بأمريكا»، حيث قال: «إنَّ أمريكا قد استُعمِرت كما استُعمِر الشرق الأوسط، وكان استعمارها طويلًا ومرهقًا بالنسبة إلى استعمار الشرق الأوسط؛ لأنَّ استعمار أمريكا استطال حتى بلغ ثلاثمائة سنة، وكان استعمارًا إنجليزيًّا وأسبانيًّا، ثمَّ انتهى ذلك الاستعمار وأعقب ذلك حكم صالح لأمريكا فكان ما ترى من تقدم مذهل وفاعل، حتى أصبحت الدولة الأولى في العالم.
أمَّا العالم العربي فقد استُعمِر ستون أو خمس وستون سنة فقط، ومع هذا فقد ازداد تأخرًا، وما هذا إلَّا لأنَّه أُصيب بالدكتاتوريات وحكم العسكر، وكانت الحكومات العسكرية في الشرق مؤثرة جدًّا سلبًا، فقد أصبح العراق مستقلًا عام 1932، وبعد أربع سنوات لاحقة أصبح ضباط الجيش قطب النفوذ السياسي، ثمَّ بعد ذلك قامت ثورات وثورات ما زال يعاني منها حتى اليوم، وأصبحت سوريا بلدًا مستقلًّا خلال الحرب العالمية الثانية، ثمَّ ما إن أهلَّ عام 1949م حتى حكمها ضباطُ الجيش، ثمَّ اتحدت بعد ذلك مع مصر ذات الحكومة العسكرية عام ١٩٥٨م... إلخ، أمَّا مصر فأصحبت مستقلة رسميًّا في عام 1922م، إلا أنَّها لم تصبح كذلك بالفعل إلا بعد الحرب العالمية الثانية، ثمَّ تولى بعد فترة جيشها السلطة منذ عام 1952م، وأُنشئِت باكستان في عام 1947م، وتولى الجيش السلطة فيها عام 1959م، وأصبح السودان مستقلًّا عام 1955م، ثمَّ خضع للحكم العسكري عام 1957، أمَّا تركيا فقد حكمها دكتاتور في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأمَّا إيران فقد كان يحكمها دكتاتور في عام 1920 متحالفًا مع النخبة العسكرية إلى قيام الثورة وكذلك ليبيا وغيرها وغيرها».
وهكذا قضى الحكم الدكتاتوري العسكري على البلاد تمامًا، ولما شعر هذا الحكم أنَّ الشعوب تتململ وتُوشِك أن تقذف دكتاتورها من على كاهلها، اخترع لها ديكورات سلطوية، ودساتير هزلية بأحكام استثنائية، وأُقيمت فيها انتخابات مسرحية استعراضية فكاهية مفضوحة، لم تزد حالة الأمة إلا جراحًا وآلامًا، وحال المخلصين العاملين إلا غربةً وفصامًا، ولم يجد المناضلون الشرفاء طريقًا أو مخرجًا لحياة هذه الأمة إلا أن يتقدموا ويقتحموا الأهوال، ويصارعوا الإرهاب من أجل أن تنتصر إرادة شعوبهم، وتحيا المبادئ والمثل والعدالة التي نذروا حياتهم لها، وأوقفوا أوقاتهم وأموالهم ودماءهم لسيادتها، ولقد جاهد المخلصون من رواد الأمة في جبهات شتى، وميادين متعددة، وسط صراعات ضارية لأعدائهم، تلك التي تهدد أمن أمتهم، وتستنزف مقدراتهم وثرواتهم وطاقتهم، وتُعمِّق العداوة والبغضاء بين أممهم وشعوبهم، وتوطن العمالة والتبعية، وفقدان الهوية، وتحاول تغيير القيم والعادات والفكر في قوة وإصرار مصطنعة لذلك الوسائل والأسباب ومعدة له الأدوات ليقضي على ما للمسلمين من دين قويم، ومنهج سليم، وشباب مستقيم، وحضارة إنسانية لها عراقة في التاريخ، وقدم ثابتة في البعث والإحياء والهضم والإبداع، ولهذا فإنَّ ضعف المسلمين اليوم حضاريًّا، وضياع شخصيتهم، وتشتتهم، وتفريق كلمتهم، كامن في:
- الرأي الواحد، وانتفاء الشورى، وعدم استثمار أفكار وإبداعات المخلصين فيها، وكبت المواهب، ووأد الحريات، وقطع الألسن، وتكميم الأفواه، وتكريس مواصفات القطيع، وممارسة لعبة التدليس، وقلب الحقائق، وتعميق الخضوع والتقديس للدكتاتور حتى انقلبت كثير من الطاقات إلى دُمى وهياكل أرجوزية في سرك هو الأمة.
تخصى لنا الأسماع منذ مجيئنا شرعًا ويعمل للشفاه ختان
ونسير مقلوبين حتى لا نرى مقلوبة بعيوننا البلدان
والدرب متضح لنا فوراءنا متعقب وأمامنا سجان
لو قيل للحيوان كن بشرًا هنا لبكى وأعلن رفضه الحيوان
- تكريس التبعية والإتمار بأمر الغير، وعدم بناء الشخصية المستقلة رأيًّا، وفكرًا، وثقافةً، وسياسةً، وصناعةً، وتناسي تربصات الأعداء ونواياهم، وأحقادهم، فانقلب الحال وتغيرت الحقائق، وضاعت الكرامات، وهذا داء يصيب الأمم حالة الضعف والخور، وقديمًا قيل:
مما يزهدني في أرض أندلس ألقاب معتصم فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
ورحم الله جدودنا وتاريخنا يوم أن ملكوا الدنيا، يحكي التاريخ أنَّ هارون الرشيد غزا أرض الروم في أوروبا عام 181هـ، ودفعوا له الجزية، وفي عام 190هـ، كان على الروم ملكة فخلعوها، وملكوا عليهم ملكًا اسمه «نقفور» فكتب إلى هارون الرشيد كتابًا قال فيه: «من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب.. أما بعد.. فإنَّ الملكة التي كانت قبلي كانت تدفع إليك الجزية، وهذا من ضعف النساء، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إلى ما وصل إليك منها من جزية، وإلا فالسيف بيننا وبينك»، فلما قرأ هارون الرشيد الكتاب استفزه الغضب، وكتب إليه قائلًا: «من هارون الرشيد أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم.. أما بعد.. فقد قرأت كتابك یا بن الخاسرة، والجواب ما ترى لا ما تسمع ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء: 227)، وذهب إليه على رأس جيش قوامه 135 ألفا فأدبه وعاقبه، ودفع الجزية عن يد وهو صاغر، هذا يوم أن كانت لنا كرامة، ولنا رجال وهوية وراع، فهل يحق لنا أن نحلم بمثل هذا اليوم؟ أم أنَّ الأحلام هي الأخرى ممنوعة؟ لا أظن ذلك!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل