العنوان الأخدود.. في ركب الحداثة!
الكاتب وائل الحديني
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000
مشاهدات 53
نشر في العدد 1388
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 15-فبراير-2000
في انطلاقة المشروع الإسلامي تبرز نظرية الأخدود ذات الأبعاد الثلاثية: المؤامرة – الابتلاء - والصراع.
والمؤامرة في هذا المنوال ليست هاجسًا شعوريًا بقدر ما هي أمر حتمي يتشكل نسيجه من مجموعة متناقضة من التيارات تجمعها وحدة الهدف، لذلك فالبعد العقائدي دائمًا مثار رفض إجماعي من طوائف المناوئين أنصار الهوى.
- ولما كانت هذه التيارات تملك غالبًا مرتكزات القوة المستمدة من الوعد الإلهي للباطل «بالإملاء» فهي لا تجد أي صعوبة في فتنة أتباع الوحي بشتى الوسائل القاسية والشريرة.. وأقدم هذ الوسائل على الإطلاق شق الطرق على هيئة أخدود وإيقاد النيران فيه، وكب المؤمنين على وجوههم ليموتوا حرقًا.. أملًا في التخلص من تصوراتهم الغيبوية.
- وقد تختلف قدرة المشروع الإسلامي على مر العصور على إدارة الصراع ما بين المرونة والمواجهة.. فالابتلاء «سنة كونية واقعة ولكن الصدام قد يتم تأجيله»، وبهذه الرؤية استطاع هذا المشروع الثبات لفترة أطول بعكس سلفه الذي اصطدم في بداياته بحقيقة الأخدود المفزعة.
والمرونة التي يتحلى بها المشروع الإسلامي المعاصر والحداثة والعصرنة التي تسيطر على المشروع الحضاري الزائف المفروض على سكان الأرض قد أجبرت الخصوم على البحث عن بديل آخر فعال، ومثمر، وأقل بشاعة من الأخدود.. لذلك وردت الأسوار كبديل حيوي واستراتيجي بهدف العزل والتحجيم والمصادرة الفكرية للدعاة.. أي أنها أضحت الاختيار العصري الهادئ المستمر من رؤية قديمة صاخبة.
لذلك كان طبيعيًا أن تتفق معظم الحكومات المصرية المتتالية في كيفية التعامل مع الملف الإخواني من منطلق حصار مشروعهم الحضاري والتخلص من عقدة البديل المتحفز للانطلاق والسيطرة.. وكان طبيعيًا أن يقل الجدل الإعلامي العالمي المتناول لحقوق الإنسان في هذه الحالة لأنه جزء من المؤامرة.
وخلاصة القول: المحاكمات العسكرية هي بديل مرغوب من قوى محلية وإقليمية وعالمية لحصار وتحجيم المشروع الإسلامي النهضوي في دول العالم الثالث.. وهي إيقاع رومانسي إذا ما قورنت بالسادية اليهودية أو الأرثوذكسية أو الكاثوليكية في التعامل مع مثل هذه الملفات في أماكن أخرى مثل فلسطين، والشيشان، وكوسوفا، وكشمير.. حيث تبرز نظرية الأخدود.. في أبهى صورها.. بل أفزعها.
والهدف واحد في كل الحالات.. تعطيل الصدام الحتمي المنتظر والذي من المؤكد أنه سيعيد الصياغة الحركية والقيادية للأرض بمستجدات أكثر تسامحًا وأنقى قيمًا.