العنوان أنماط أخرى من التلوث
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 03-أكتوبر-2009
مشاهدات 56
نشر في العدد 1871
نشر في الصفحة 66
السبت 03-أكتوبر-2009
في مقال سابق تحدثت عن التلوث البيئي الذي صنعته أيدي البشرية في العصر الحديث، وهو تلوث يلحق أشد أنواع الأذى المادي والنفسي بالناس، ويضيق الخناق عليهم، ويجعل الحياة أكثر صعوبة ومعاناة.
والحق أن العصر يشهد أنماطاً أخرى من التلوث لا تقل أذى عن التلوث المذكور.. فهناك التلوث الأخلاقي، والتلوث الاجتماعي والتلوث النفسي، والتلوث السياسي، والتلوث الفكري. وكل نمط من هذه الأنماط يحتاج إلى وقفة طويلة لتوصيفه وللإحاطة بالنتائج المحزنة التي ترتبت عليه.. وهذه الأنماط جميعا تندرج تحت حكم الآية القرآنية الجامعة، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾ (الروم ) .
. فالقرآن الكريم ها هنا يتحدث عن التلوث بصيغه كافة مادية ومعنوية فردية وجماعية نفسية واجتماعية سياسية وعسكرية، فكرية وحضارية في نهاية المطاف.
فها نحن نشهد بأم أعيننا تمركز بقع التلوث على صفحة العالم، وامتدادها السرطاني لتغطية مساحات أوسع فأوسع.. وهي تمتد بكل اتجاه، وتحمل صنوفاً من الشر والضلال والأذى الذي ينذر الحياة البشرية بالويل والثبور.. ولكنه - لحكمة يريدها الله سبحانه - يحمل وجها آخر، فهو أشبه بأجراس الإنذار التي تقرع بعنف لكي يسمعها الجميع، ويعيدوا النظر في حساباتهم فلعلهم يرجعون إلى الله سبحانه.. وإلى الحق.. وإلى الصراط الذي مرقوا عنه فتفرقت بهم السبل، وقادتهم إلى هذا الذي يحدث الآن، والذي ينذر بالمزيد من تضييق الخناق. إلى عهد ليس ببعيد كان الغربيون ملتزمين بما يمكن تسميته الأخلاق العملية، وهي ليست تلك المنبثقة عن الدين وإنما عن تنامي الخبرة الاجتماعية والاتفاق عليها لتحقيق مصلحة أو منفعة ما.. فكان إخلاصهم في العمل، وصدقهم في المواعيد وإتقانهم صناعة الأشياء... إلخ يضرب به المثل.. وكنا في خمسينيات القرن الماضي نهرع إلى المصنوعات الغربية فنتهافت على شرائها بسبب الجهد المخلص الذي بذل في إنتاجها، والذي لم يخترقه التدليس والغش بآية نسبة على الإطلاق.
أما اليوم فإن الأمر يختلف حيث تساوت البضاعة شرقية كانت أم غربية، وأصبح الغربيون يعتمدون مبدأ الربح السريع، والعمر القصير للبضاعة كي يلجنوا المستهلك إلى المزيد من الشراء.
والرشوة كانت من المحرمات، ولم نستمع يومها على الإطلاق بأن حكومة غربية، أو وزيراً، أو مسؤولا ، أو مؤسسة، أو شركة تعاملت بالرشوة لترويج بضاعتها .. ومنذ فضيحة شركة « لوكهيد » للطيران في أخريات القرن الماضي، اخترقت الرشوة عصب الإدارات والمؤسسات الغربية، وأصبحت أمراً شائعا، تماما كما هو الحال في الدول المتخلفة أو النامية.
أما التلوث الأخلاقي في حدوده الجنسية، فحدث ولا حرج.. لقد انتشرت العلاقات المثلية في ديار الغرب كالسرطان وأصبحت بمرور الوقت تمثل ضغوطاً متزايدة أرغمت البرلمانات والحكومات والأحزاب، بل وحتى الكنائس على قبولها وإباحتها ... ومضى السرطان لكي يفترس الأخضر واليابس.. وبرزت ظاهرة اغتصاب الطفولة، وتسخير الأطفال للربح الأسود الحرام.. والأرقام مخيفة، وهي في تزايد مستمر، ويكفي أن نلقي نظرة على صفحات المجلات وأعمدة الصحف لكي نرى العجب العجاب.
والجريمة المنظمة يزداد سعارها .. والإقبال على المسكرات والمخدرات والمغيبات ينذر بالويل.. والشركات المنتجة تتبارى في ابتكار المزيد.. وحالات الكآبة التي تأخذ بخناق الناس هناك والتي يقود بعضها إلى الانتحار هروبا من الحياة، في تزايد مخيف هي الأخرى.
ثم ماذا نقول في التلوث السياسي الذي يبيح للدول الكبرى أن تعتمد جبروت القوة لسحق الأمم والشعوب المستضعفة وامتصاص دمها وثروتها ، بعيدا عن منظومة القيم الخلقية والدينية والإنسانية؟ وماذا نقول في التلوث الفكري الذي تمثل بعض تيارات الحداثة جانبا من وجوهه النكدة التي تطل على الدنيا بين الحين والحين.. إن التفكيكية - مثلا - تدعو إلى موت الإله ونفي الدين من الحياة، واعتبار القيم الخلقية أمرا رجعيا .. وتتخذ من كتابات الفيلسوف الألماني المعتوه «نيتشه» إنجيلا لها .. وهو الذي انتهى به الأمر لكي يموت وحيدا في مصحة المرضى العقول؟ التلوث في كل مكان.. وكل اتجاه.. وما لم ينزل الدين بكل ثقله لتغيير معادلة الحياة البشرية وإعادتها إلى وضعها المتوازن فإن كارثة أخرى ستحل بالعالم.. وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾ (الروم ) .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل