العنوان المظلومون في تاريخنا (2)
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 10-فبراير-2007
مشاهدات 64
نشر في العدد 1738
نشر في الصفحة 66
السبت 10-فبراير-2007
ما أكثر الظلم الذي تحمله تاريخنا الإسلامي وحضارته من أعدائه ومن بعض من انتسبوا إليه كأبنائه. وعليه فما أكثر المظلومين فيه كذلك. والمقصود أولا وآخرا الإسلام، والإسلام وحده وليس غيره، يستوي فيه الماضي والحاضر.
وليس المقصود بالظلم هنا ما وقع لأهله - أفرادًا وجماعات وأحداثًا. من أذى محقق فعلًا واضطهاد لهم في حياتهم الشخصية من قبل أي أحد. عدوًا كان أو صديقًا أو من الأبناء المدعين. إنما المقصود أولئك الذين نالهم الظلم في تشويه سيرتهم وأعمالهم وحياتهم، وربما إلى اليوم.
لقد نال هذا الظلم والافتراء والاعتداء كل ركن وكل أحد وكل صنف من الناس في العصور والبلدان، رجالا ونساء، ويمكن الاستنتاج أن كل من خدم الإسلام -وخدمه أكثر - كان سهمه من الظلم أكثر.
فالمظلومون من الخلفاء كثيرون، وربما أولهم ثلاثة الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان (٣٥هـ - ٦٥٦م)، والخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد (١٩٣هـ - ٨٠٩م)، والخليفة العثماني الرابع والثلاثون عبد الحميد الثاني (١٣٢٦هـ - ١٩٠٩م).
بل بلغ الظلم حدًّا غريبًا، حيث ذكر أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح، تأمروا على أن يتولوا الحكم الواحد بعد الآخر بل إن الخليفة عمر بن عبد العزيز نفسه لم يسلم من الظلم.
كان هذا في المشرق الإسلامي، أما في مغربه «الأندلس، ما قبله وما بعده» فلدينا العديد من الأمراء والخلفاء الذين ظلموا من أمثال أمير المرابطين يوسف بن تاشفين (٥٠٠هـ)، والخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر (٣٥٠هـ)، وابنه الحكم المستنصر (٣٦٦هـ)
ومن الولاة والأمراء والقادة خالد بن الوليد (٢١هـ - ٦٤٢م). وعمرو ابن العاص (٤٣ هـ - ٦٦٤م)، وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس (٤٤هـ ٦٦٥م)، وموسى بن نصير (٩٧هـ - ٧١٥م)، وابنه عبد العزيز (٩٧هـ - ٧١٦م) والي الأندلس - بعد أبيه موسى -وأحد الفاتحين لها. وطارق بن زياد بعد ١٠٠ هـ - بعد ۷۱۸م).
ومن العلماء والفقهاء والقضاة ابن رشد الحفيد محمد بن أحمد (٥٩٥هـ -١١٩٨م) . وقد اتهموا بالجمود في نتاجهم لا سيما أدبهم وبالذات شعرهم، حتى لقد نالوا ظلمًا من الأئمة المؤرخين الأعلام الثقات أمثال: محمد بن إسحاق (١٥١هـ - ٧٦٨م) صاحب السيرة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام، التي هذبها عبد الملك بن هشام (٢١٣هـ -٨٢٨ م) وعرفت به والمؤرخ الفقيه الإمام محمد بن جرير الطبري (٣١٠هـ ٩٢٣م)، لكنهم بالمقابل جعلوا من مصطفى كمال أتاتورك (١٣٥٦هـ: ۱۹۳۷م) المصنوع بطلًا حقيقيًا، وكان قد ألغى الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤م، مثلما جعلوا مكتشفين جغرافيين.. أبطالًا.. مثل: ماجلان البرتغالي (١٥٢١م) الذي قام بحملة عسكرية ضد المسلمين في الفلبين كما جعلوا مثله كذلك فاسكو دي جاما البرتغالي (١٥٢٤م)، وهو الذي جهز حملة مماثلة إلى الهند.
وإذا كان هذا بالنسبة للأعلام، فالأمر لا يختلف بالنسبة للأحداث والفئات والمواصفات وطبعًا من ورائها الأفراد والجماعات والمجتمعات أي قل من بقي من المسلمين إلا وقد حمل من الظلم ما ينوء به حملا حتى يقع مقتولًا، يقولونه تلفيقًا ويحركونه افتئاتًا ويفسدون نيته تجريمًا.
كما يجرحونه، بعد أن يجرمونه، حتى يدموه. فأنكروا على المجتمع المسلم أن تكون فيه العفة في كل الأمور، لا سيما في العلاقات بين المرأة والرجل، واعتبروا ذلك ظاهرة يونانية النشأة ونقلت منهم!! والجهاد ومعاركه ونشاطه افترسوه وذروه في الهواء معتبرينه تجاوزًا، وأسوأ من ذلك قالوه، كما زعموا حول بلاط الشهداء (١١٤هـ - ٧٣٢م)
كما ساقوا الظلم إلى الأقوام العرب والعجم والبربر، ووجهوه إلى الأعمال، منها بناء المساجد، منتزعين أرضها من الآخرين، ليقيموها في أماكن عبادتهم نفسها، كما أنهم لم يحسنوا معاملة غير المسلمين، وما حفظوا عهود الآخرين، كل ذلك دفعوه إلى تاريخنا ونسوا أو تناسوا ما أنزله الآخرون بالمسلمين، لا سيما ما جرى على يد محاكم التفتيش.
وللفئات كفل من ذلك ثقيل، فقالوا إن الإسلام خلال تاريخه ظلم المرأة، وفتح أبواب الرق لها ولأخيها الرجل، التي جعلها دونه درجة، وأن التاريخ الحضاري لا يحمل إبداعًا، وكل الذي قدمه المسلمون هو ترجمات من اللغات الأخرى، لا سيما من اليونانية، بل إن الإسلام هو ضد الحضارة ويؤخرها.
ومن وجوه الظلم الشديد والافتئات البليد والجور البعيد عن كل تأويل ووضوح... التجاوز الذي يعلن عن نفسه ويكشف عواره أو هو مكشوف لا يكتفي أن يأخذ بصاحبه إلى الغفلة بل إلى التفاهة والتقزز الكريه من أن الإسلام انتشر بالسيف وأن الفتوحات كانت من أجل الغنائم، بل إنها كانت علاجًا لمشكلة الفقر بتقليل عدد النفوس بل إن هذا الظلم لتاريخنا وصل إلى السيرة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام.
وهناك مظالم أخرى غيرها تنوعت أشكالها.
كل ذلك يدعو إلى الاهتمام بتاريخنا الإسلامي وحضارته، ورد ذلك إلى موقعه، وإعادة قوته ووضعه في المكان اللائق به في ذاكرة الأمة وحضوره في فهمها وفعاليته في واقعها، ما يدعو إلى العناية به وكتابته ليس فقط لإزالة الشبهات ورد الزيف وإزالة الظلم عنه، بل لبيان حقيقته وإظهار تميزه وتبني جمالاته للانتفاع بخيراته.
ويقتضي -بجانب الجهود الفردية - إنشاء مؤسسات متخصصة لإنجاز المهمة بما يناسبها، بل وربما إنشاء كليات لهذا الغرض المهم.
(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي