; الأخيرة: المظلومون في تاريخنا «١٤» عباس بن فرناس | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة: المظلومون في تاريخنا «١٤» عباس بن فرناس

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2007

مشاهدات 68

نشر في العدد 1752

نشر في الصفحة 66

السبت 19-مايو-2007

لا توجد أمة تملك من الأعلام - نساءً ورجالًا - ما ملكته الأمة المسلمة في حضارتها ومجتمعها وحياتها، كيفًا وكما وإنسانية. ويكفي أن تعلم - للمقارنة - أنه حين أُحْرِقت المكتبة الأندلسية، بعيد سقوط عروسنا الباكية غرناطة الثكلى، جرى الاحتفال بحرقها في حفل عُرِفَ بـ: احتفال «فعل» الإيمان Auto-da-fe قيل أحرق في ذلك اليوم «٩٠٤ هـ - ١٤٩٩م» ما قدّره البعضُ - من الأوربيين بالذات - بأكثر من مليون مخطوط، ولم يَنْجَ منها - على ما قيل - غير ٣٠٠ مخطوط في العلوم البحتة، أخرجوها، ولا يعرف حتى اليوم مكان واحد منها. 

كان ابنُ فِرناس نتاجَ هذا المجتمع وحضارته الإنسانية البارة، التي تقدم ما ينفع الإنسانَ لا ما يضره أو يدمره. وهذا هو سمتها الكريم، تراه دوما، فإن ابن فرناس حين درس الطب مثلًا وأسهم فيه، كان قصده نفع الآخرين، وهو ما بينه كذلك خلال محاكمته، وواضح في هذه الحضارة، كيف تثمر في جوها الطاقاتُ، بل وتنميها وتوجهها، لتطلقها تُفْرع وتُبْدع وتنتج، لا ترهقها أو ترعبها أو تكبتها، في وقت رأينا ما فعل الغرب بعلمائه، وكيف حاربت جهاتُ لديهم ذلك ومنعته، بل وقتلت سلطاتهم الكنسية وغيرها العديد من علمائهم، على الرغم من عدم معارضتهم لعقائدها. 

وقد أدرك الغرب أن هذا المنهج الذي أنجب مثل هذه النماذج، هو شأنه دائمًا كلما جرى الأخذُ به، فذهبوا يعكرون صفوه ويشوهون فعله ويْجهَلون أمره ودَوْرَه، بُترَّهات مُخْتلقات وتلفيقات، هم أدرى بكذبها، واختلاقاها المكشوفة للوعاة. ومن دونهم، أقلها مقولات قَدِمتْ وبليت: إن الحضارة الإسلامية قامت بالنقل منهم وإليهم، أي: بضاعتهم رُدَّت إليهم، كل ذلك لتُصدَق أُمتُه قولهم، وتقوم بنفسها لتحقيق غاياتهم وتمرير مبتغاهم، إذ علموا يقينًا أن تمكينه لا يُبْقي لهم أمرًا ولا يذر. أما الحضارة الإسلامية فقد فَتَحت أبوبَها

حتى للأعداء، يغترف كُلُّ أحد العلم كما يريد.

 كبار علماء الغرب، في نهضتهم ورقيهم، تلقوا العلم في باحات العلم في العالم الإسلامي ومواقعه وجامعاته، وقاعاته مفتوحة لهم، لا سيما الأندلس، وقرطبة بشكل واضح.

ورغم أن ابن فرناس قد ظلُم تاريخيًا ولم يأخذ حقه المكافئ لأعماله وإنجازاته العلمية إلا أن الأمر لا يخلو لديهم من طيران ابن فرناس على طابع بريد ليبي. منصفين، اعترافًا وإقرارًا واعتزازًا، فلم يُحْرَم ابنُ فرناس من التكريم حقًا، حيث في بغداد جرى تسمية المطار الثاني باسم ابن فرناس، أو ربما الأول

الدولي، إلى جانب تمثـال له في شارعه، وفي ليبيا تم إصدار طابع باسمه. - والأهم - على ما يذكر أنه في أول رحلة للإنسان إلى القمر، لعلها تلك التي قام بها رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونج (١٩٦٩/٧/٢١م)-Neil Arm strong شكلت لجنة لتسمية مواقع في سطح القمر، بعد دراسة فضل العلماء خلال القرون، ممن ساهموا في هذا الإنجاز وأوصلوا الإنسان إلى سطح القمر، بإشراف هيئة منتخبة فتم اختيار ثمانية عشر اسماً لهذا الهدف، فكانوا جميعًا من العلماء المسلمين، كان أحدهم عباس بن فرناس. وتوجد الآن فوهة Crater على سطح القمر باسم «فوهة عباس بن فرناس»

وعاش ابن فرناس طويلًا إلى أن مات في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم، سنة أربع وسبعين ومائتين، قد والى صحبة الملوك الثلاثة، ما بينه وبين جده الحكم، ومدحهم أجمعين بمدائح مختارة، وجرت له معهم أخبار حسنة «المقتبس ٢٤١/٢/١-٢٤٢». 

ومن المهم أن تكون هنا وقفة بخصوص عمره، الذي ذكر أنه ثمانون عامًا، لكنه إذا كان قد عاصر ثلاثة من الأمراء:

1- الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل «حكمه: ١٨٠-٢٠٦م».

2- ابنه عبد الرحمن الأوسط «حكمه: ٢٠٦ - ٢٣٨هـ». 

3۔ محمد بن عبد الرحمن «حكمه: ۲۳۸ - آخر صفر ٢٧٣هـ». وكانت وفاة ابن فرناس سنة ٢٧٤هـ - ۸۸۷م، أي بدايحُكْم الأمير مُنذر

 بن محمد - لكن الأهم من ذلك أنه من المتوقع أن يكون قد بلغ من العمر المديد نحو ٩٥ عامًا، مثله مثل معاصره: يحيى بن حكم الغزال ( ١٥٤ - ٢٥٠ هـ - ٧٧٠- ٨٦٤م ) ، أو أكثر، والذي سُمِّي كذلك, حكيم الأندلس »، حيث ذُكِر أن عباس بن فرناس خدم الأمراء الثلاثة، أولُهم الحكم «حكمه: ١٨٠-٢٠٦هـ»، وحتى يكون معروفًا لدى الأمير الحَكَم - حتى لو في سنوات حكمه الأخيرة، نحو سنة ٢٠٠ هـ - فلا بد أن تكون ولادة ابن فرناس نحو بدايات حُكم الأمير الحَكَم، أي نحو سنة ١٨٠هـ، أي أن عمر ابن فرناس وصل إلى نحو ٩٥هـ، إن لم يكن أكثر. 

الرابط المختصر :