; هيمنة الأمثال الشارحة الموروثة | مجلة المجتمع

العنوان هيمنة الأمثال الشارحة الموروثة

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012

مشاهدات 58

نشر في العدد 2010

نشر في الصفحة 66

السبت 07-يوليو-2012

عندما فتشت في مؤلفات المحدثين من الأصوليين والفقهاء؛ وجدت تلك الأمثال القديمة حاضرة فيها بقوة، مع هامش ضيق للغاية لبعض الأمثالِ المستحدثة، لا يختلف في ذلك علماءٌ كبارٌ مثلُ الشيخ الزنداني، والشيخ الزحيلي، والشيخ ابن بيه، والشيخ الشريم، عن دارسين متخصصين من جيل الشباب مثل: إلياس بلكا، ومحمد عمر سماعي، وأفلح الخليلي، وغيرهم.

فهؤلاء جميعاً يبدؤون بالسردية الأصولية لقاعدة «الذرائع»، ويستنسخون الأمثال الشارحة لها من الكتب القديمة، ثم يخصصون حيزاً صغيراً للغاية لأمثال مستمدة من الواقع الاجتماعي الذي يعيشونه، ونادراً ما يقدمون جديداً.. فالشيخ الزنداني، اقترح عدم الرد على المخالف في الرأي إذا كان هذا الرد ذريعة إلى الفرقة، والشيخ ابن بيه انتهى بعد أن استوفى السردية الأصولية في مسائل المعاملات استذكاراً؛ انتهى إلى مثالين جديدين؛ حمل جوازات السفر، والامتثال لإشارات المرور! وفي عمل آخر له عن سد الذرائع قال: «الديمقراطية هي لسد الذرائع إلى الحرب والصراع »؛ ولم يقل: إنها لفتح ذرائع الحرية على أي حال!

والشيخ الشريم أتى بمثال يقول: «نمنع أطفالنا من تناول الحلوى سداً لذريعة التسوس»؟، وأفلح الخليلي عندما قدم حزمة جديدة من الأمثالِ على «فتح الذرائع» - ولم ينضم إلى قافلة السد - فذكر في نهاية بحث له: تسويغَ رسوماتِ ذات الأرواح لتعليم الصم والبكم، وإبقاء جثة ميتة لدراستها وتشريحها لتعليم الطب، ونبش المقابر إن اقتضت ضرورة البحث عن جثة مفقود، والرسوم المتحركة لتعليم الأطفال المثل العليا، وأغلب هذه الأمثال وجدتها في فتاوى دار الإفتاء المصرية في أيام الشيخ جاد الحق يرحمه الله تعالى.

أما إلياس بلكا، فقد التفتَ إلى قصور التعليل الفقهي في بيوع الغرر، وسوَّد أكثر من عشر صفحاتٍ في سرديات فقهية وأصولية وأمثالٍ شارحة للموضوع دون أن يطرحَ سؤال الواقع الأهم وهو: هل لا تزال عقود الغرر تحتلُ في واقع المجتمع اليوم نفس الحيزِ الذي كانت تحتله إلى مطالع القرن الرابع عشر على أكثر تقدير؟ وكم يا ترى تأثر حجم «بيوع الغرر » بصيغها التي شرحَتْها قديماً كتب الفقه وأصوله تحت تأثير انتشار التعليم، وتطور وسائط نقل المعلومات وسهولة تداولها بشأن أغلب المعاملات بفضل ثورة الاتصالات، ونظم المحاسبة والشفافية؟ أليس من الأولى أن ننحتَ تسميةً جديدةً بدلاً من «بيوع الغرر »، كأن نقول «بيوع الضرر »؛ ونمثل لها بعقود بيع ثروات الأمة من غاز ونفط، وعقود امتيازات للشركات الأجنبية التي تنقب عن الثروات وتستغلها وتحرم منها مجتمعاتنا، أو امتيازات لدول أجنبية تقيم قواعد عسكرية في بلادنا؛ أو عقود «بيع الديون » القومية وما يترتب عليها خسائر فادحة بالاقتصاد الوطني، وفي هذه الحالات غالباً ما يكون الشعب كله هو المغرر به، وربما وقعت معه حكومته في الغرر نفسه، وفي مثل هذه الحالات والأمثال لا تغني شيئاً مستويات التعليم العالية ولا تكنولوجيا المعلومات وسهولة تداولها ولا الشفافية وأنظمتها، أليس البحث في مآلات «عقود الضرر » من هذه الأنواع أحق بتطبيق قاعدة «سد الذرائع » ونظرية الاحتياط؟ وما الذي نخسره إن نسينا حكاية «بيع الرجل ما في كُمِّهِ » كمثال شارح لسد الذريعة في بيع الغرر، مقابل أن ننشغل بمثال بيع الدين القومي الغارقة فيه بلد من بلادنا؟ السابقون كان عندهم مبررات قوية للاهتمام بذلك النوع من البيوع، وضربوا لها الأمثال المناسبة للمعطيات الاقتصادية والثقافية لمجتمعهم الذي عاصروه؟ فما حجتنا نحن، وما عذرنا عن عدم إدراج أمثال حاضرة وعيون أغلب أبناء المجتمع إليها ناظرة؟

الشيخ وهبة الزحيلي انفرد عن الفقهاء المعاصرين عندما أثار مسألة «الذرائع في السياسة الشرعية »، وكشف عن الصلة بين قاعدة سد الذرائع و «السياسة الشرعية »، فبعد أن عرفها بتعريف الشيخ الوهاب خلاف، والشيخ عبدالرحمن تاج، وغيرهما من المعاصرين؛ أشار إلى أن فائدة السياسة الشرعية هي «مسايرة التطورات الاجتماعية» وهو بهذه الجملة كأنه يقدم إقراراً بأن «الفقه » ليس من عمله مسايرة تلك التطورات الاجتماعية! وإنما السياسة الشرعية هي المنوطة بتلك المسايرة، ثم أضاف دليلين يؤكدان استنتاجنا هذا وهو يبرهن على شرعية «السياسة الشرعية »، وأول الدليلين هو تغير الظروف والأحوال، والثاني «قاعدة سد الذرائع، وقاعدة العرف » باعتبارهما من أصول أحكام هذه السياسة.

وليس هذا هو أهم ما ذهب إليه الشيخ وهبة، وإنما الأهم هو إشارته العابرة في سطر واحد فقط من كتابه عن السياسة الشرعية وسد الذرائع، يقول: «مبدأُ سد الذرائع لا يُنظر فيه فقط إلى النيات والمقاصد الشخصيةِ، بل يقصدُ مع ذلك إلى النفعِ العام، أو دفعِ الفساد العام»، ولم يرجع بعد ذلك في كتابه إلى مفهوم السياسة الشرعية، ولم يشبع هذه الفكرة الجديدة التي أتى بها - ربما لأول مرة - ولكنه انهمك في سردية أصول فقه الذرائع وأمثالها الشارحة المستنسخة من كتب القدماء، وتاهت فكرته الجديدة في خضم هذه السردية، ولمْ يتذكرها إلا في الفقرة الأخيرة من خاتمة كتابه عندما قال: «بابُ سدِّ الذرائع هو من أعظم الأبواب التي تدخل منها السياسة الشرعية للعمل على إصلاح شؤون الأمة، والأخذ بها في الجادة وطريق الاستقامة، والنهوض بها على الأسباب القوية القويمة من قواعد الشريعة؛ فإن وليَّ الأمرِ إذا رأى شيئاً من المباح قد اتخذه الناس - عن قصد - وسيلة إلى مفسدة، أو أنه لسبب فساد الزمان أصبح يفضي إلى مفسدة أرجح مما قد يفضي إليه من المصلحة كان له أن يحظره، ويسدَّ بابه، ويكون ذلك من الشريعة، وعملاً بالسياسة الشرعية التي تعتمد فيما تعتمد على قاعدة سد الذرائع »، نلاحظ هنا أن الشيخ لم يوضح كيف يتم التحقق من أن الناس اتخذوا مباحاً «عن قصد » وسيلة لمفسدة؟ وكيف نقيس «فساد الزمان»، وما معايير الترجيح بين المفسدة والمصلحة في فساد الزمان؟

الرابط المختصر :