العنوان الأخيرة.. يمنحك الصراط ويحمي ظهرك
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1818
نشر في الصفحة 66
السبت 06-سبتمبر-2008
الإسلام هو الدين الوحيد الذي يمنح المنتمين إليه الطريق المستقيم صوب الأمام، وهو في الوقت نفسه يحمي ظهره ماديًا وأدبيًا من حيث لا يستطيع المرء مطلقاً التحقق بهذه الحماية.
إنه يضع عشرات، بل مئات من صمامات الأمان في مجرى الحياة البشرية، لكي تحمي ظهر الإنسان الفرد والجماعة، وكرامتهما وخصوصياتهما، من أي شكل من أشكال العدوان.. من أية طعنة من الخلف.. من أية خيانة في الغيب.. من أي غدر أو غش أو تزوير أو اغتصاب.. وإلا فأية عقيدة في العالم تمنع غيبة الإنسان، والتجسس عليه، والسخرية منه بظهر الغيب؟ وهل يرضى أحد في العالم، على الإطلاق، أن يغمزه الآخرون من وراء ظهره، وينبزوه بالألقاب، ويغتابوه، ويجرحوه، وهو بعيد عنهم لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه ضد مطر السوء هذا الذي يقذفه به الآخرون؟
وبغض النظر عن أن الانسان خلق خطاء، وأن حياته لا يمكن أن تخلو من المطاعن والثغرات وسلوكه لا يمكن أن يبعد عن الاعوجاج، فإن أحدًا لا يمكن أن يقبل أن يطعنه الآخرون من وراء ظهره، بعيدًا عن المكاشفة والمصارحة، وجهًا لوجه.
هذا هو المطلوب على المستويين الأخلاقي والإنساني، أن نعلن الآخر برأينا فيه، أو في هذه الحلقة أو تلك من شخصيته وسلوكه وتصرفاته، أما أن نمارس هذا على غفلة منه دون أن نعطيه الفرصة للدفاع عن نفسه، فذلك عمل لا أخلاقي ولا إنساني في الوقت نفسه..
ومن خلال تجاربنا الذاتية، يعرف كل واحد منا كم هو مر كالعلقم أن يطعنه الآخرون من وراء ظهره غيبة أو لعنا أو تنابزًا بالألقاب، وأتحدى أي إنسان في العالم يمكن أن يقبل على نفسه ممارسة لا أخلاقية كهذه المكاشفة في حضور الطرفين، نعم وقد تؤتي ثمارها الحلوة فتصحح الخطأ، وتقوم الاعوجاج، وترد السلوك إلى سويته المتعارف عليها، أما أن أهاجم الآخر وهو لا يدري فذلك هو المرفوض..
في سورة الحجرات منظومة من العلامات، والضوابط، والتحذيرات والأسلاك الشائكة، التي تمنع الناس من اختراق بعضهم بعضًا وهم غافلون، تحمي ظهورهم بقوة الأمر الديني وقدرته على الفعل وتجعلهم يمضون في طريقهم وهم مطمئنون إلى أن أحدًا لن يطعنهم من الخلف وهم غافلون.
لنستمع إلى كلمات الله فهي أبلغ من كل قول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ (الحجرات: ١١- ١٢).
أي دين أو عقيدة في العالم تمنح الإنسان، حتى لو لم يكن من المنتمين إليها، هذه الحماية من الاختراق؟
ليس هذا فحسب، بل إن هذا الدين يمضي بخطوات مدهشة في هذا السبيل فيوسع مساحة الحماية لكي تشمل كل شيء، إنه يحمي النفس من وسوسة النفس.. والإنسان من الشيطان.. والخير من الشر.. والجار من الجار.. والعرض من الشبهات.. والمال من الابتزاز.. والفرد من الجماعة.. والجماعة من الفرد.. والجنس من الجنس.. والأمة من الأمة.. والبيت من السرقة.. والإنسان من القوى الخفية السحر والجان والشياطين ويحمي العقل من الخرافات والأساطير والظنون والأهواء.. والتجارة من الغش والتدليس والتطفيف.. والطريق من الأذى.. والشعوب من الطواغيت والأرباب.. والمتدينين من الكهنة والمحترفين.. وعرض الزوج والزوجة وأحدهما أو كلاهما يغادران الدار.
إنه يحمي حتى اللون الأسود من الأبيض ويعلنها صريحة أننا جميعًا خلقنا من آدم وأن آدم من تراب، وأنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.
حماية تخلف وراءها بعيدًا كل الأساليب والإجراءات التي تمارسها النظم الوضعية بقوة الأجهزة والمؤسسات الأمنية، التي لن تقدر على تجاوز المنظور إلى غير المنظور الذي لن تحميه إلا تقوى الله والخوف من عقابه.
ولنرجع مرة أخرى إلى كتاب الله لمتابعة إحدى المفردات في هذا السياق اختراق أعراض الناس وهم غافلون لا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 4)، ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ (النور: ٦- ٩).
وماذا بصدد اتهام الأبرياء، أو إسقاط التهمة عليهم وهم غافلون؟!
هذه قمة قرآنية أخرى تثير الدهشة وتتضاءل إزاءها كل نظم العالم الوضعية ومذاهبه وأديانه المحرفة، والذي يثير الدهشة أكثر أن حماية الأبرياء من التهم الباطلة لا تنصب فقط على المنتمين لهذا الدين، وإنما تمضي لكي تشمل حتى غير المنتمين إليه، بل خصومه وأعداءه، ويكفي أن نقرأ في كتاب الله واقعة اليهودي الذي حاول بعض المسلمين إسقاط تهمة السرقة عليه للهروب بجلودهم، وهو من السرقة بريء: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105)، وبقية الآيات من ١٠٧- ١١٣من سورة النساء.