العنوان الأدب الإسلامي ودور الإنسان المسلم في العالم «الاستخلاف» .. (الحلقة الثالثة)
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
مشاهدات 55
نشر في العدد 688
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
تحرير البشر من الطغيان والعدوان
عالج الأدب الإسلامي دفع الطغيان والعدوان بتنمية الروح الجهادية للإنسان المسلم التي تحسم الموقف وتديل للحق من الطغيان، وعلى هذا الطريق من التقى وإرخاص الرجال النفوس يصنع السلام، يقول عدنان نحوي:
لو رأيت الإيمان يدفع للحـــــ ق رجالًا تجود من كل غال
أرخصت أنفسًا فهبت إلى المو ت وأغلت من الرجا والمنال
هكذا يصنع السلام ويبنى بالقنا لا يزخرف الأقوال بالتقى
باليقين.. بالله بالديــــــــ ن بآياته، بساح نزال «1»
وعلى هذا الطريق من امتطاء الفداء طريقًا إلى السلام يقول شريف قاسم:
قم يا أخي وانزع ثياب الوهن في دنيا الخراب
وأرجع بصورتك الأصيلة في الجبال وفي الهضاب
قدرًا بميدان الصروف يصول كالأسد الغضاب
فالسلم يصنعه الفدا والتضحيات من الشباب «2»
لقد حرص الإسلام على تعبئة هذه الروح الجهادية التي لا تقهر في الإنسان المسلم فجعل من الجهاد ذروة سنام الإسلام، وحامي عزته ومنعته، ففي الحديث النبوي:
«رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد» «2»
وأعد الله للمجاهدين أجرًا عظيمًا، وبوأ الشهداء منازل الأحياء عند ربهم في جنته «4»
خلا ما أعد الله للشهيد من أجر وثواب، ولقد حفل التراث الإسلامي بوقائع الشهادة في سبيل الله وأسماء الشهداء نذكر منها طرفًا مما أنتجه لنا الأدب الإسلامي من آفاق رفيعة...
هذا خبيب بن عدي، وقد اجتمعت قريش الصلبة، يستقبل الشهادة باسم الثغر فمما يقول:
فوالله ما أرجو إذا مت مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع «5»
ويستغرق عبد الله بن رواحة أمل الشهادة، حتى إذا ما خرج ليلة في سفره إلى «مؤتة» أنشد
مناجيًا فرسه، يبشرها بتحريرها من الأسفار، فلا عودة بعد إلى بلاد النخيل، لأن صاحبها قد عزم على شد الرحال الى جوار ربه:
إذا أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشام مشتهى الثواء
هنالك لا أبالي طلع بعل ولا نخل أسافلها رواء «6»
وفي العصر الحديث تطالعنا من الهامات الشهادة آفاق أدبية رفيعة فهذا الشاعر منير ذويب يحدثنا في رباعيته بلسان روح الشهيد الذي بوأه الله منازل الأحياء عنده:
أنا لم أزل حيًا أشارككم فما هذي الدموع؟ وعلام هذا الحزن قد ضمته نائحة ضلوع؟
ولم السواد؟ لم الوجوم؟ لم البخور؟ لم الشموع؟
أنا متلكم لا ينتني عزمي فيطويني الخنوع أنا لم أزل حيا، وهذا مدفعي الرشاش يرمي في صوته صوتي، وفي نيرانه هممي وعزمي ورصاصه لو تعلمون عقيدتي ودمي ولحمي وحراب هذا الجيش تلمع وهي من أشتات عظمي.
أنا لم أزل حيًا فلا تستحضروا كفني ورمسي إن كان جسمي قد طوته يد المنون فإن نفسي لما تزل في ساحة الشرف الرفيع تمد قوسي بسهام آمالي وأحلامي وأفكاري وحسي «7»
ويورد لنا عبد الحميد جودة السحار في حرب «بورسعيد عام ١٩٥٦»، بين الجيش المصري ومجاهدي الشعب وبين الفرنسيين المعتدين هذه الصورة من الشهادة والفداء:
وزادت النار المشبوبة في ضراوة المعركة بين الدبابات والمصفحات وقوات المقاومة الشعبية التي سدت عليها الطريق بقذائفها المدمرة وبطولتها النادرة.. وتقدمت دبابة تشق طريقها في عناد ونجحت في أن تندفع في الشارع، وتحركت دبابات أخرى تقتفي أثرها، وإذا برجل يعترض طريقها، وصاح «نبود» صيحة هائلة:
-حاذر یا «فانوس» حاذر
بيد أن بفانوس ألقى بنفسه على الدبابة، وإذا بانفجار هائل يدوي وإذا بالدبابة تتعطل فتعطل كل الدبابات خلفها، وإذا بفانوس يتطاير..
وصرف عبود أنيابه في غيظ وغضب، وأخذ يطلق قذائفه على الدبابات التي أصبحت هدفًا للقوات المتحصنة في الطريق وفوق أسطح المنازل وفي شرفاتها...» «8»
وعبر جهاد وتضحيات الجزائر بلد المليون الشهداء، يقدم لنا محمد بلقاسم خمار صفحة والشهداء:
لا يا ألف ألف ضحية من قومنا نهبت لتحيا أمة زهراء
لكم الكرامة، والخلود مقامكم فترقبوا يا أيها الشهداء «1»
ومن ثم صفحات البطولة والشهادة التي خطت على ذرا الأطلس الشامخ وعلى شواطئ البحار بالنور:
إنها ثورة التحرر في كل مكان لها دم استشهاد كتبوها على ذرا الأطلس الشامخ بالنور في ظلال الجهاد وعلى شاطئ المحيط، وفي الأبيض، فاهتاج زاخر الأزباد «1»
وتتوالى نداءات الشعر الإسلامي مهيبة بالإنسان المسلم أن يحرر أرضه ومقدساته من الغاصبين، فهذا شاعر الأقصى يوسف العظم يهيب في ديوان كامل «11» إلى تحرير المسجد الأقصى- أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين- من براثن الصهيونية الباغية، ويفصح عن التزامه بأبيات وجدانية «12» ويجلو بين يدي دعوته للتحرير حرمة القدس والأقصى:
وأنين الأقصى الجريح ينادي و إصلاحي.. وا رأيتي وا جنودي
وجدار البراق دنس بالعار وبالرجس من علوج اليهود
أمة المصحف الطهور أفيقي وبأغلى ما يملك الحر جودي
واكتبي النمر بالدماء عزيزًا وارفعي في الورى لواء الخلود «13»
وأما عدنان نحوي فيبسط بين يدي دعوته لتحرير المسجد الأقصى مكانة ربوع الأقصى
وموقعها من الشرق الإسلامي عبر التاريخ زائدًا وحاميًا لأقطار الإسلام، يدفع عنوًا
المغيرين ويحمل عنها الجراح:
ربا الأقصى فديتك من جراح حملت على الزمان بها الشجونا مرابع كلما مرت عليها عصور طأطأت وحدت جبينا
فتحمل من دم الشهداء مسكًا وتنشر من ظلال الوحي دينا
***
وقفت على ربوع الشرق بابًا يصد عن الربوع المعتدينا
حمى للحق والإيمان تبني ببذلك دونه حصنًا حصينًا
شمخت على الرزايا فاستذلت أمامك زهوة المتكبرينا «14»
ومن الأقصى حيث خصه بعض الشعراء الإسلاميين بالذكر والتحرير لقداسته إلى فلسطين أرض الأنبياء التي جبلت تربتها بدماء الشهداء يقول يوسف العظم:
كل شبر من أرضها ضمخته دفقات من مهجة لشهيد
وعلى كل ثروة من رباها هينمات من دعوة التوحيد «15»
وتلوح صورة التناقض بين قدسية فلسطين، الأرض الطهور، وعبث اليهود بها واستبدادهم بأرضها بين تهاون المتهاونين وخذلان المتخاذلين، لذا ينطلق صوت الشاعر شريف قاسم مهيبًا في رباعياته إلى إذابة هذا التناقض بإيجابيات المجهاد، ويطرح الحل الإسلامي لتحرير فلسطين، يقول في إحداها:
نحن لم نلق سيفنا لا وربي- أو تنام الجراح عبر الصدور
نحن للثأر في فلسطين جننا بل خلقنا مع الجهاد المرير
سوف نمضي ودربنا بالشظايا والرزايا مضمخ، والعطور
وسيوف الإسلام تنتزع الفجر انتزاعًا مع أضلع الديجور «16»
وفي رسالة التحرير من العدوان والطغيان بوصفها جزءًا من استخلاف الإنسان في الأرض يقف محمود مفلح ليروي لنا من خلال وقفة أفغانستان الإيمانية ضد العدوان الشيوعي، وما أبدته من البطولات ما يعيد لأمة الإسلام اعتبارها البطولي، وقدرتها على سحق المعتدين، وبناء الحياة الكريمة:
وقف المسلمون في أرض كابو ل يخطون لوحة من نور
ويصوغون للوجود وجودًا هو أنقى من مقلة العصفور
إنها جولة العقيدة في الأر ض وهذي مواسم التحرير
***
آن أن تحل النفايات عن أر ض تطوى طبائع الخنزير
آن أن يشمح النخيل ويشدو في القضاء الرحيب سرب طيوري
لقد حسب المرجفون أن أمة الإسلام قد تهاوت وأن عزائم أبنائها قد خارت، لذا ينادي بأن البطولات التي انبثقت من صمود أفغانستان لتدخل على أن روح أمة الإسلام الجهادية لا تني تجدد في القلوب الإيمان والعزيمة وتصنع الغداء..
حسب المرجفون أن زنادي لم يعد قادرًا على التفجير
وخيولي قد أتعبتها الميادي ــن وثابت عن كرها المشهور
وزماني مضى ونهر حياتي جف إلا من مائه المعكور
ورموا إخوتي الأشاوس بالعق م وجاءوا بالأفك والتزوير
***
كذبوا فالصهيل ينبيء أني لم أزل قمة الغداء المثير
قل لهم هذه الصواعق من أيــن تهاوت وسيل هذي الصخور؟
***
إخوتي إخوة العقيدة إن النصر أت من العلي القدير
فإذا ما علا النفير ترانا موجة من ضياغم وصقور «17»
«1» موكب النور : ٥٦
«2» مجلة اقرأ: ع / ١٩٦ ذو القعدة ۱۳۹۸ تشرين الثاني ۱۹۷۸
«3» رواه الترمذي في الإيمان رقم ٢٦١٩ وهو حديث حسن صحيح
«4» قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة آل عمران آيات 169-170)
«5» سيرة ابن هشام : ١٧٦/٣
«6» البداية والنهاية: ٢٤٣/٤
«7» شعراء العراق في القرن العشرين: ٢٨٠
«8» السهول البيض: ٢٨٥- ٢٨٦
«9» دیوان ظلال وأصداء: ۸۱
«10» دیوان ظلال وأصداء: ۱۲۲- ۱۳۳
«11» دیوان «في رحاب الأقصى»
«12» نفسه: ٦٣
«13» نفسه: ٥٤- ٦٧٠٦٥
«14» مركب النور: ٣٠
«15» في رحاب الأقصى: ۷۷
«16» مجلة اقرأ: ٤٠٨/٤ في ١٤٠٣/٤/٢٧هـ
«16» مجلة اقرأ: ٤٠٨/٤ في ١٤٠٣/٤/٢٧هـ
«۱۹۸۳/۲/۱۰م»
«17» ديوان الراية: «مخطوط» قصيدة «الجهاد الكبير».