العنوان الأدب.. مريض لن يشفى
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1973
مشاهدات 76
نشر في العدد 168
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 18-سبتمبر-1973
الأدب
يقدمه أحمد محمد عبد الله
مريض لن يشفى
بدأت أحس بأنه إنسان غريب الأطوار، إنه يبدو وكأنه أسعد المخلوقات ثم لا يلبث حتى تتبدل أساريره ويقطب جبينه، ثم تتكاتف على وجهه النحيف الطويل إرهام من ندى الخوف وينصرف فجأة.
كانت الحياة الجامعية تجمعني به دون إرادة مني أو إرادة منه، حتى جعلتنا كلازمة الأشياء للأشياء، ففي جميلها تبدو وكأنها الثوب الجميل على الجسد الجميل، وفي قبيحها تبدو وكأنها القبح ذاته، كان كعادته مرحًا ونحن في كافتيريا الكلية نتناول طعام الغداء استعدادًا لدرس عملي يمتد حتى المساء، كنت أراقب أطواره الغريبة، وعندما شعر بذلك أراد أن ينسحب فطلبت منه الجلوس وجلس على استحياء، وبينه وبين نفسه يردد عبارات الملل من هذا الزميل الثقيل المتعب.
أخذت الأزمة أكثر، بدأ يشعر بالدفء إلى حديثي وبالراحة إلى جانبي، حتى أنه بدأ يشعر بالملل عندما لا أكون معه، كنت في حديقة الجامعة العامة عندما نظرت في عينيه وسألته دون حروف منطوقة: «ما قصتك يا صديقي الجديد؟ ما الذي يجعلك دائم الحسرة في صراع لا ينتهي مهما استمر!».
كان عليه أن يتخلص من هذا السؤال الذي لامس شغاف قلبه ووصل الى أعماق أعماقه، صمت قليلًا ثم أحمرت مقلتاه، وعادت إليه نوبته العصبية، وهو يقول وأسنانه تطبق على شفتيه: «إنه الزهري يا عزيزي»!
«الزهري»؟
• «نعم الزهري، لقد وقعت في شراك ساقطة، وقضيت معها وطر الساعات الذي أكسبني ألم السنين»
وبدأت ملامح الدهشة تبدو على وجهي، لم أتمالك نفسي من تلك الانتفاضة اللاشعورية، وقلت له دون أن أشعر بعد أن تصنعت قليلًا:
- «لا بأس عليك، نراجع الطبيب معًا» رغم أننا نعيش آخر فترة من نصف العام الدراسي، إلا أنني بقيت متابعًا لمراجعاته الطبية وأوامر الطبيب وإرشاداته، حاولت أن أطمئن على طبيعة الأدوية التي يتناولها، فزرت الطبيب محاورًا إياه مستفسرًا:
- سيدي الطبيب كيف حال صديقي (...) هل سيشفى قريبًا؟
• ما علاقتك به يا بني؟
- مجرد زمالة، زمالة جديدة في الجامعة.
مجرد زمالة جامعية أم زمالة أخرى؟
- معاذ الله.
• الطبيب يصارح بكل شيء! إن …
وعندما فهم الطبيب بأنني زميل جامعة فقط، نصحني أن أبقى كذلك، وخرجت من عيادته كئيبًا: إن زميلي الجديد لن يشفى!
أبو عمرو
جامعة الكويت
صور من حضارتنا
العفو عند المقدرة!
أرسل معاوية بن أبي سفيان بفرقته الفدائية العاشرة إلى أرض الروم للتعرف على مواقعها وتجمعات العدو فيها، تمهيدًا لغزو القسطنطينية التي طالما حلم بها المسلمون وبقيت صامدة في وجوههم حصينة، وكان وضاح بن مسلمة القرشي قائد تلك الفرقة، وبينما كان يؤدي مهمته في بعض النواحي من العاصمة، إذا بقوات العدو تحيط بهم ففر منهم من فر وأسر من أسر وكان وضاح من المأسورين، وحتى لا تغيب أخبارهم عن القيادة العامة، فقد تخفى أحد رجال الفرقة في زي رجل رومي، وأخذ يتابع أسرهم.
مثل الفدائيون أمام ملك الروم فسأل وضاحًا باعتباره قائد الفرقة:
ما الذي جاء بكم إلى بلادنا أيها العرب؟
- جئنا برسالة السماء التي لا تحدها الألوان والأجناس، جئنا لنحرر الإنسان من عبودية الملوك ورؤساء الكنائس.
ولم يكد وضاح ينطق بما نطق حتى صفعه رئيس البطارقة على وجهه، وصاح به غاضبًا «اخرس أيها العربي قطع الله لسانك»، وثارت في نفس وضاح عزة الإسلام فصاح بأعلى صوته: «واإسلاماه.. أين أنت يا معاوية».
وعلم معاوية بذلك عن طريق الفدائي المتخفي فأقسم أن يجيب وضاحًا، وأن يعيد له كرامته المنتهكة، فاتصل برائد صوري اشتهر بدرايته البحرية وقدرته على المهمات القاسية، وأمده بالسفن والأموال، وطلب منه أن يذهب إلى بلاد الروم، فيأسر ذلك البطريق الذي صفع وضاحًا وأن يحضره إليه دون مبالغة في أذيته، قام الصوري بالمهمة ونجح في أسر البطريق، وكان معاوية قد وافق على تبادل الأسرى فطلب وضاحًا ومثل البطريق أمام معاوية.
كان الفدائي الذي شهد الاعتداء حاضرًا وكان وضاح يستجوب، حتى إذا أكمل دعوته طلب معاوية من البطريق أن يدافع عن نفسه، فلم يتمالك البطريق هيبة معاوية واعترف بذنبه، فأمر الخليفة وضاحًا بأن يقتص من البطريق وحذره بأن لا يتجاوز في الاقتصاص القدر الذي ناله من يد خصمه، وإزاء ذلك وحتى يمثل وضاح الإسلام خير تمثيل تقدم من البطريق فصافحه وعفا عنه، وقال له مبتسمًا «هكذا علمنا ديننا، فهل تعاملون أسراكم بهذا!»، فرح معاوية بتصرف وضاح وحمل البطريق الهدايا إلى ملك الروم، فما وصل البطريق برسالته وهداياه حتى وقف الملك مشدوهًا، ثم قال بشيء من الإعجاب: «هذا والله أمكر الملوك وأدهى العرب، والله لو هم بأخذي لتمت له الحيلة عليّ».
أحمد محمد طحان
• من أدب الرافعي
في جمال النفس يكون كل شيء جميلًا، إذ تلقي النفس عليه من ألوانها، فتنقلب الدار الصغيرة قصرًا، لأنها في سعة النفس لا في مساحتها هي وتعرف لنور النهار عذوبة كعذوبة الماء على الظمأ، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم للحور العين في السموات، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة في الهواء.
في جمال النفس ترى الجمال ضرورة من ضرورات الخليقة، وي! كأن الله أمر العالم ألا يعبس للقلب المبتسم.
• • •
لا تتم فائدة الانتقال من بلد إلى بلد إلا إذا انتقلت النفس من شعور إلى شعور، فإذا سافر معك الهم فأنت مقيم لم تبرح.
• • •
الحياة في المدينة كشرب الماء في كوب من الخزف، والحياة في الطبيعة كشرب الماء في إناء من البلور الساطع، ذاك يحتوي الماء، وهذا يحتويه ويبدي جماله للعين.
وحي القلم