; الأردن: التراجع ملحوظ والمستقبل مجهول | مجلة المجتمع

العنوان الأردن: التراجع ملحوظ والمستقبل مجهول

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1294

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 31-مارس-1998

  • الحريات الصحفية شهدت عصرًا ذهبيًا بعد الانطلاقة الديمقراطية عام ۱۹۸۹ م ولكنها تراجعت بعد توقيع معاهدة وادي عربة.
  • محكمة العدل العليا ألغت قانون الحكومة واعتبرته غير دستوري، ووزير الإعلام فكر في الاستقالة.

قانون المطبوعات والنشر الذي أصدرته الحكومة الأردنية الذي يحد من هامش الحريات الصحفية المتاح، ويضع قيودًا مشددة على عمل الصحف بل على وجودها واستمرارها، أدى إلى تسليط الضوء على وضع الحريات الصحفية في الأردن، وبخاصة أن تطبيق القانون أدى إلى إغلاق ۱۲ صحيفة أسبوعية، قبل أن تتمكن من متابعة حدث مهم شهدته البلاد في شهر نوفمبر الماضي، وهو الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ظل غياب شبه كامل للصحافة الأسبوعية التي يرى كثير من المراقبين أنها مشاكسة وتتمتع بجرأة على النقد اللاذع لممارسات الحكومة.

ومما أضفى أهمية كبرى على أزمة الحريات الصحفية في الأردن انعكاسات الأزمة على الوضع السياسي الداخلي لاسيما على العلاقة بين الحكومة والمعارضة، حيث كان صدور قانون المطبوعات والنشر الجديد سببًا رئيسيًا في دفع القوى السياسية المعارضة، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، إلى اتخاذ قرار مقاطعة الانتخابات الذي أدخل البلاد في أزمة حادة.

الحريات الصحفية في الأردن نبذة تاريخية

أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية قبل عامين أن ٦١ % من الذكور في المجتمع الأردني يقرؤون الصحف اليومية، في حين وصلت نسبة قراءتها من قبل الإناث إلى ۳۹% وكانت النسبة العامة لقراءتها ككل ٥٢,٣٪ من المجتمع الأردني. 

أما بالنسبة للصحافة الأسبوعية فقد أظهر الاستطلاع أن %۳۸٫٥ من المجتمع الأردني يحافظ على قراءتها، وهذه النتائج المرتفعة لحجم المتابعة والاهتمام بقراءة الصحافة اليومية والأسبوعية في الأردن تظهر بلا شك حجم تأثيرها في تشكيل القناعات والتأثير في الرأي العام، وهو ما يرى كثير من المراقبين أنه دفع الحكومات طوال العقود الماضية لمحاولة بسط سيطرتها على الصحافة والتأثير على سقف حرياتها.

ولم يعرف الأردن ظاهرة الصحافة إلا في بداية العشرينيات من هذا القرن، وكانت صحيفة «الحق يعلو» التي تأسست عام ۱۹۲۰ م أول صحيفة تصدر في الأردن، حيث صدرت بشكل أسبوعي وكانت تكتب بخط اليد، وبعد تأسيس إمارة شرق الأردن اهتمت الحكومة بصورة كبرى بالصحافة وقامت عام ۱۹۲۳م بشراء مطبعة وأصدرت صحيفة «الشرق العربي» بعد ثلاثة أيام من إعلان استقلال الإمارة.

وقد دخل القطاع الخاص مجال إصدار الصحف عام ۱۹۲۷م حيث صدرت صحيفة «جزيرة العرب» ثم «الشريعة»، و«صدى العرب» و «الأردن»، و«الأنباء».

وقد تميزت الصحافة في العشرينيات بمحدودية الاستمرار بسبب سوء الأحوال الاقتصادية والأمنية، وكانت القوانين العثمانية هي التي تحكم عمل الصحافة في هذه الفترة، وأنه أجري تعديلان على قانون المطبوعات والنشر عامي ۱۹۲۷ م و ۱۹۲۸ م لكنهما لم يضعا أي عراقيل مادية أو قانونية.

وفي فترة الثلاثينيات استمر صدور المزيد من الصحف وفي الوقت نفسه غياب صحف قائمة، وأجريت تعديلات على قانون المطبوعات عامي ۱۹۳۳ م و ۱۹۳۹ م وضعا عراقيل كثيرة أمام الصحف، وأعطي مراقب المطبوعات والنشر صلاحيات واسعة في منع نشر الكثير من المواد ومصادرة الصحف ومراقبتها قبل الطباعة، وكان المبرر لذلك ظروف التوتر الذي سبق الحرب العالمية الثانية.

وخلال حقبة الأربعينيات حيث حصل الأردن على الاستقلال عن بريطانيا، انطلقت عدة صحف جديدة «النسر، الحق، العهد، الحرية» واتسمت بالجرأة في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية والتعبير عن رفض الاستعمار، ولكن هذه الصحف تميزت أيضًا كسابقاتها بعدم الاستمرارية أو انتظام الصدور، ووقف أو إغلاق العديد منها من قبل مراقب المطبوعات، وصدر خلال هذه الفترة تعديلان على قانون المطبوعات عامي ١٩٤٥م. و ١٩٤٨م وضعا العديد من المحظورات ومنحا مراقب المطبوعات صلاحيات واسعة بحق المخالفين.

شكلت الفترة ما بين النكبتين: الأولى عام ١٩٤٨ م والثانية عام ١٩٦٧م مرحلة جديدة من عمر الصحافة الأردنية، وصدر خلالها أكثر من ٤٠ صحيفة في كلا الضفتين، وكان من أبرز صحف هذه المرحلة «الجهاد» التي صدرت عام ١٩٥٣م في القدس ثم انتقلت للأردن واندمجت مع صحيفة الدفاع ليصبح اسم الصحيفتين القدس العربي.

كما صدرت خلال هذه الفترة صحيفة الكفاح الإسلامي التابعة لجماعة الإخوان المسلمين التي أوقفتها الحكومة عام ١٩٥٧م، وتميزت هذه المرحلة بصدور العديد من الصحف الحزبية، وقد أسهم انتقال الصحفيين الفلسطينيين إلى الأردن في رفد الصحافة الأردنية بخبرات متقدمة في هذا المجال،

 وقد صدر خلال هذه الفترة قانون جديد للمطبوعات عام ١٩٥٣م شكل نقلة نوعية في الحريات الصحفية، حيث تمتعت الصحف بسقف عال من حرية التعبير، ولكن سرعان ما صدر قانون جديد متشدد نسبيًا عام ١٩٥٥م، وفي عام ١٩٥٧م قامت الحكومة بحل الأحزاب السياسية مما أدى إلى تعطيل الصحف المعارضة، وفي عام ١٩٦٧م صدر قانون

للمطبوعات متشدد جدًا وضع عراقيل مادية أمام صدور الصحف.

في فترة الثمانينيات اقتصر الحال على ثلاث صحف يومية« الرأي الدستور، صوت الشعب» وعدد محدود من الصحف الأسبوعية، وتمثلت ذروة التدخل الحكومي في حرية الصحافة عام ١٩٨٨م بتدخل الحكومة من خلال لجنة الأمن الاقتصادي في تعيين لجان من طرفها لإدارة الصحف وقيامها بتعيين رؤساء تحرير الصحف، حيث أصبحت الصحف تابعة للحكومة عمليًا وانخفض سقف الحريات بدرجة كبيرة، وكان وزير الإعلام يملي سياسة الحكومة الإعلامية على الصحف.

صحافة المرحلة الديمقراطية

بعد الأحداث الشعبية التي شهدتها الأردن عام ۱۹۸۹م، وانطلاقة المرحلة الديمقراطية، دخلت الصحافة عصرًا ذهبيًا بعد الانتخابات البرلمانية العام ۱۹۸۹م، وإلغاء حالة الطواري ، وقد صدر قانون جديد للمطبوعات والنشر بدأ العمل به في بداية عام ۱۹۹۳م، ومع أن هذا القانون لم يخل من بعض الثغرات، إلا أنه شكل نقلة نوعية في التشريعات الإعلامية القانونية التي تنظم العمل الصحفي، وقد أقر هذا القانون من البرلمان الأردني الذي تمتعت المعارضة فيه بحجم معقول.

ومنح قانون ۱۹۹۳م الأحزاب حق امتلاك وإصدار الصحف واستثناها من شرط رأس المال المطلوب للصحيفة، ونص على تقليص النسبة المسموح للحكومة بالمساهمة بها في رأس مال الصحف التي تشكل عاملًا رئيسيًا للضغط على الصحف وتوجيهها بحيث لا تزيد على ٣٠ %وسحب القانون الجديد من الحكومة حق تعطيل أو إغلاق الصحف أو رفض إعطاء تراخيص الصحف جديدة وجعل القضاء هو الفيصل في ذلك، وقلص من صلاحيات السلطة التنفيذية في التدخل والرقابة ولكنه لم يعف مالك الصحيفة ورئيس التحرير وكاتب المادة الإخبارية من المساءلة أمام القضاء.

نقيب الصحفيين الأردنيين سيف الشريف وصف قانون ۱۹۹۳م أنه قانون عصري وجيد وديمقراطي يراعي الكثير من المبادئ الصحفية، وقال إن الصحفيين كانوا يأملون أن يستمر الأردن في السير عليه، وهو ما لم يحصل حيث صدر في عام ۱۹۹۷م قانون جديد للمطبوعات فرض شروطًا مشددة لترخيص الصحف واستمرارها، كما فرض عقوبات صارمة في حق المخالفين لقائمة المحظورات التي اتسعت لتشمل بنودًا جديدة، وأعاد القانون الجديد للحكومة حق تعطيل أو حتى إغلاق الصحف وسحب تراخيصها في حال ارتكاب عدد من المخالفات. 

وأدى تطبيق القانون الجديد إلى إغلاق ۱۲ صحيفة أسبوعية، وشهدت الساحة الصحفية الأردنية موجة احتجاجات واسعة ضد القانون الذي اعتبرته الأوساط السياسية والصحفية محاولة لتكميم الأفواه والتضييق على الحريات الصحفية من أجل تغييب الصوت المعارض، وقالت: إن القرار سياسي تم تغليفه بغلاف قانوني، وأصدر دون الرجوع إلى مجلس النواب الذي كان قائمًا في حينه. 

المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين عبد المجيد ذنيبات قال: «كنا على أبواب انتخابات نيابية، والحكومة أرادت ممارسة العملية الانتخابية وفق سياساتها ومعاييرها بعيدًا عن الأضواء والنقد والرأي الآخر الذي يمكن أن تطرحه الصحف الأسبوعية»، واعتبر المتحدث الرسمي في حينه باسم نواب جبهة العمل الإسلامي حمزة منصور أنه «لا معنى للديمقراطية في ظل تغييب صوت الصحافة».

فهد الريماوي – رئيس تحرير صحيفة المجد» ذات التوجه القومي، وصف قرار تطبيق القانون وإغلاق الصحف أنه تعسفي وأدى إلى تشريد مئات الصحفيين، ووصف الإجراء أنه سياسي بحث، اتخذ مبررات مالية واهية، وأضاف: «نحن نعلم أن هناك نوايا مبيته لتغييب عدد من الصحف الجريئة»، وهذا ما أكده رئيس تحرير صحيفة «الميثاق»، ناهض صر الذي قال: «إن القرار سياسي وأعد مسبقًا لإغلاق الصحف الأسبوعية التمر الانتخابات دون رقابة صحفية».

الكاتب الصحفي فهد الفانك الذي يعد مقربًا إلى الحكومة، اعتبر القانون الجديد ضربة لحرية التعبير وتراجعًا عن الديمقراطية «الأمر الذي لطخ سمعة الأردن العربية والدولية، وأثار عليه منظمات عالمية ذات مصداقية، فلابد أن تتحمل الحكومة مسؤولية ما حدث وتدفع الثمن». 

وكانت عدة منظمات صحفية وحقوقية محلية وعربية ودولية قد انتقدت القانون الجديد بشدة، وقد تضمن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام ۱۹۹۷م حول حقوق الإنسان نقدًا لتضييقات الحكومة على الحريات الصحفية. 

وجدت الحكومة نفسها في وضع لا تحسد عليه، وحاولت الرد على الاتهامات الموجهة إليها، وأكدت أنها حريصة على ضمان الحريات الصحفية، وأن الدافع وراء القانون لم يكن التضييق على الحريات، وإنما وضع حد للتجاوزات الصحفية وبخاصة فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي. 

وقد أكد وزير الإعلام في حينه أن الحريات لم تمس «بدليل أن الصحف اليومية استمرت تنتقد أعمال الحكومة»، وأضاف أنه ثبت لدى الحكومة أن قانون ۱۹۹۳م كان فيه الكثير من الثغرات التي أدت إلى حالة «فلتان»، استدعت تعديل القانون، وأشار بصورة خاصة إلى «موضوعات الأخلاق العامة والقصص الإباحية».

مراقبون محايدون قالوا إن مبررات الحكومة واستنادها إلى التجاوزات الأخلاقية في بعض الصحف ضعيفة، رغم أنها تستند إلى درجة من الصحة من حيث انتشار صحافة الإثارة التي تجاوزت الحدود في كثير من الأحيان، ولكنهم تساءلوا : لماذا شمل التضييق جميع الصحف؟ ولماذا لا تقوم الحكومة بتطبيق المعايير الأخلاقية على نفسها فتوقف التجاوزات الأخلاقية في التليفزيون الرسمي التي تتجاوز كثيرًا في سوئها ما تنشره بعض صحف الإثارة؟

وأضاف المراقبون أن من الأسباب الإضافية التي دفعت الحكومة لسن قانون جديد يضيق هامش الحريات الصحفية القيد الذي وضعه القانون السابق على الحكومة فيما  يتعلق بنسبة مساهمتها في أسهم الصحف اليومية، حيث تبلغ ٦١% في صحيفة الرأي اليومية أوسع الصحف الأردنية توزيعًا وشهرة و ٣٢  % في صحيفة «الدستور»، الصحيفة الثانية في الأردن، ومما عزز هذا الشعور لدى المراقبين أن إصدار القانون الجديد جاء بعد يومين فقط من انتهاء المهلة التي منحها القانون السابق للحكومة لتوفيق أوضاعها من حيث نسبة المساهمة في الصحف للحكومة بحيث لا تزيد على ٣٠٪

وترى مصادر المعارضة أن هجمة الحكومة على الحريات الصحفية بدأت قبل إصدار القانون بنحو ثلاث سنوات وإن كانت وصلت ذروتها عام ۱۹۹۷م، حيث تعرض عشرات الصحفيين للمحاكمة خلال هذه الفترة، وربطت المعارضة بين تضييق الحكومة على الحريات الصحفية و معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي وضعت قيودًا في الجانب الإعلامي، فقد نصت المعاهدة في المادة رقم 11 على ما يلي: «الامتناع عن القيام ببث الدعايات المعادية القائمة على التعصب والتمييز، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية الممكنة التي من شأنها منع انتشار مثل هذه الدعايات من قبل أي تنظيم أو فرد موجود في المناطق التابعة لأي منها»

تحسن نسبي ومستقبل مجهول

ورغم التشاؤم الذي ساد الساحة الصحفية إزاء مستقبل الحريات الصحفية في الأردن، فقد جاء قرار محكمة العدل العليا الأردنية بإلغاء قانون المطبوعات الجديد واعتباره مخالفًا للدستور ليعيد الأمل بإمكانية الحفاظ على قدر معقول من المكتسبات الصحفية. 

وقد شكل هذا القرار القضائي الذي عادت بموجبه الصحف المغلقة للصدور ثانية ضربة قوية وصدمة غير متوقعة للحكومة التي وجدت نفسها في وضع حرج دفع وزير الإعلام للتفكير بالاستقالة من منصبه لولا معارضة رئيس الحكومة.

فيما رحبت المعارضة والأوساط الصحفية بقرار المحكمة واعتبرته انتصارًا للحريات الصحفية، وقال المراقب العام للإخوان المسلمين إن القرار شكل انتصارًا للوطن وتعزيزًا للنهج الديمقراطي، وقال: إنه أعطى مصداقية لدى الرأي العام أن ما كانت تشكو منه المعارضة كان صحيحًا، وأن أسباب الشكوى ومقاطعة الانتخابات كانت في محلها، وقال النائب السابق محمدعويضة: إن القرار وضع حدًا لتطاول الحكومات عويضة على الدستور وتماديها في إصدار القوانين المؤقتة، ورأي فهد الفانك أن قرار المحكمة شكل نكسة سياسية للحكومة التي دافعت عن القانون بحرارة. رغم هذا التفاؤل النسبي فإن هناك مخاوف حقيقية من أن تتقدم الحكومة للبرلمان بقانون جديد شبيه بالقانون الذي تم إلغاؤه، وهو ما يعني عودة التأزم مجددًا حيث ستكون الحريات الصحفية هي المستهدفة من وراء ذلك.

الرابط المختصر :