; الأزمة التربوية في الكويت في ضوء المخطط الاستعماري الماسوني | مجلة المجتمع

العنوان الأزمة التربوية في الكويت في ضوء المخطط الاستعماري الماسوني

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986

مشاهدات 45

نشر في العدد 770

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 03-يونيو-1986


*لا نريد أن تعصف العلمانية بالتعليم الديني كما عصفت بالأزهر والزيتونة.

*الدعوة إلى علمنة المناهج الدراسية معناها توجيه التعليم وجهة مضادة لقيم الإسلام.

*الإصلاح والتطوير يجب أن يتم في إطار المبادئ والمقاييس الإسلامية.

تعرض التوجه الإسلامي في الآونة الأخيرة لحملات إعلامية مركزة ومتوالية ساهم فيها عدد من أصحاب الأقلام الصحفية، واستهدفت تشويه مسيرة العمل الإسلامي، وأصبح مألوفًا صدور الافتتاحيات والمقالات المليئة بألفاظ وتعابير تشكل النغم والوتيرة المفضلة لخصوم التيار الإسلامي، ومن ذلك رمي دعاة الإسلام بالإرهاب، والتعصب، والرجعية، والتخلف الفكري، والجهالة والعودة بالأمة إلى الوراء، والتستر باسم الدين، وخلقت الانفعالات المحمومة لتلك الأقلام ما يشبه أجواء الحرب على هذا التوجه بتحريض الجماهير الإسلامية والحكومة على الدعاة، وقد بلغ هذا التحريض ذروته في مناسبة الموقف الذي اختاره وزير التربية لنفسه وأبرزه علنًا في مؤتمر صحفي أعلن فيه الحرب على المتدينين، وما تبع ذلك من دعوة الوزير للجنة العليا للتربية لترسية ما أسماه بالمبدأ «الإنساني» في التربية كمحور تُبنى عليه مناهج التعليم في الكويت، والبدء في اتخاذ الخطوات المناسبة للسير في هذا الاتجاه.

فما هي أبعاد القضية الأخيرة؟

من الحقائق المعلومة أن التعليم يشكل حجر الزاوية في إرساء مستقبل الأمم، ولقد تنبهت الدول الاستعمارية إلى هذا الأمر الخطير إبان احتلالها للعديد من بلدان العالم الإسلامي؛ حيث باشرت العمل ضد الإسلام في ميدان التعليم في اتجاهين: الأول فرض المناهج الدراسية التي تزين التصورات والأفكار اللادينية وتلقينها لأبناء المسلمين ولأجيالهم، والثاني تشويه ومسخ الفكر الإسلامي، وعرض المفاهيم الإسلامية بصورة منفرة عليهم؛ بقصد إفقادهم الثقة في مبادئ دينهم، وصبغ حياتهم بالصيغة العلمانية اللادينية.

محاصرة التعليم الإسلامي وعزله عن التعليم العام:

بعد أن أرسى المستعمرون لبلاد الإسلام مناهج تعليمية مستقاة من الفكر المادي الغربي عمدوا إلى محاصرة التعليم الإسلامي وعزله عن التعليم العام، وشهد القرن الماضي محاصرة للمؤسسات العلمية الإسلامية العريقة التي كانت تؤرق الاستعمار -بحكم دورها الطليعي في مجاهدته- والتي استعصت على مخططاته كالأزهر الشريف، وجامعة الزيتونة في تونس، وبعض مدارس الإسلام في ديار الشام؛ فحُجبت الأموال عنها، وسُلبت الأوقاف الخاصة بها، وحِيل بين خريجيها وبين أي منصب ذي بال، وعوملت درجاتهم العلمية أسوأ المعاملة، وفي المقابل زُرعت المؤسسات التعليمية النصرانية التي أُنفق عليها بسخاء، وأُمدت بكل ما تتطلبه لاستدراج أبناء الإسلام إليها، ومن تلك المؤسسات الجامعة الأميركية في كل من بيروت والقاهرة، وجامعة الحكمة في بغداد، وكانت بمثابة مستوطنات ثقافية لنشر الأفكار المعادية للإسلام.

صياغة مناهج التعليم من خلال معتقدات الأمة:

تحرص الأمم على صياغة مناهج التعليم بطريقة تحمل للأجيال المتتابعة ترجمة أمينة لمعتقداتها، وتعبيرًا صادقًا عن روحها وعن توجهاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والعجيب في هذا الشأن أن مناهج التعليم لدى أمم الأرض كافة تتمشى مع هذا الفهم باستثناء واحد تمثله أغلبية البلاد الإسلامية، فهي الوحيدة التي تركت لغيرها من القوى أن تتولى صياغة عقول أبنائها وبصورة تناقض عقيدتها ونهجها القويم، وهي بذلك تكون قد سلمت تلك القوى مفاتيح مستقبلها، وها نحن نشاهد كل يوم جانبًا من الحصاد المر لعملية دفع أبناء الإسلام لتلقي التعليم العلماني اللاديني في مدارس أو جامعات ضمن إطار مادي يحول دون تقديم مبادئ الإسلام لأبنائه، وآخر مثال على ذلك ما نراه يُنشر في عدد من الصحف التي هي اليوم أشد جرأة في الدعوة إلى التفلت من قيم الإسلام، من أي وقت مضى، وإلى الإشادة بالأفكار والصيغ اللادينية وفي ظهور مجموعة من الكتاب والدكاترة يدعون إلى القيم المادية في صورتها «الغربية» أو «الشرقية»، وقد آلوا على أنفسهم أن يكونوا حملة لواء الصد عن سبيل الإسلام، ورفض كل محاولة للرجوع بالأمة إلى صبغتها الإسلامية الأصيلة، لا شك أن المسؤول الأول عن ذلك هو انغماسهم في النهج المادي، وعدم حصولهم على معلومات أساسية تعينهم على رؤية مفاهيم الإسلام بصورة عادلة ومنصفة، والإنسان عدو ما يجهل، صحيح أنهم قد يكونون تلقوا تعليمهم في أكبر الجامعات الغربية وأعرقها، أو أنهم ممن لهم وزن كبير في ميدان تخصصهم، ولكن تفكيرهم -للأسف- يقع ضمن إطار محدود، ويتخذ اتجاهًا واحدًا لا يلتفت إلى عظمة النهج الإسلامي؛ الأمر الذي يكرس فيهم -إلا من رحم الله- عقلية التلقي عن الغرب، وخطورة ذلك تنعكس على شعوبهم التي يريد لها أعداؤها أن تبقى مجرد فرق من التوابع تجري في فلك المادية الغربية أو الشرقية، لا فرق بعد أن تذهل عن كونها جزءًا في أمة أضاءت الطريق للدنيا، وشقت طريق التقدم في عصورها الإسلامية الزاهرة.

إن الحكمة تقتضي المسارعة إلى التخطيط لإقامة نظام تعليمي يتيح الفرصة الكاملة للبحث العلمي الرصين، ويقدم في ذات الوقت الإسلام بطريقة أمينة؛ بحيث يرتبط العلم بالنهج الإيماني، فيخرج الطالب المسلم إلى ميادين الحياة متسلحًا بالعلم وبمبادئ الإسلام، وليس كما يحدث في أغلب البلاد الإسلامية التي تترك الطالب فريسة سائغة للتيارات العلمانية اللادينية، وهو أعزل ليس معه ولو أقل القليل من المعلومات عن مبادئ الإسلام ليدرأ بها عن نفسه تأثيرات الركام الهائل من الأفكار المسموعة المعادية لنهج الإسلام القويم.

المناهج التعليمية في الكويت:

لقد حرص الراشدون في الكويت على الاستمساك بالمبادئ الإسلامية وعلى عدم التفريط بها، وقد جسدت المسيرة الخيرة للبلاد هذا التوجه الكريم؛ الأمر الذي أتاح لمناهج التعليم أن تكون نموذجًا طيبًا لتغذية أبنائنا بالعلوم الحديثة في إطار بربطها في جوانب منه بالنهج الإسلامي وبمفاهيمه السامية، صحيح أن المناهج التعليمية في الكويت لا تقدم الصورة الفريدة للتصور الإسلامي بصورة كافية بالمقارنة بما يحدث في الدول الأخرى من إدماج لعقائدها وتصوراتها في المنهج التعليمي، كما يحدث على سبيل المثال في الدول الشيوعية التي تربط كافة المواد التعليمية بالتصور الإلحادي الشيوعي، وتفرض على أبنائها مادة دراسية خاصة للإلحاد، (وتطلق عليه اسم الإلحاد العلمي للتدليس على الناس، وإضفاء نوع من المهابة عليه بإقرانه بكلمة العلم). وهي تُدرس للطلاب في الصف الأول ابتدائي، وتصاحبهم حتى سنة التخرج من أية كلية جامعية.

ولكن الكويت لديها ميزة على جانب كبير من الأهمية من حيث إنها لم تترك مناهج التعليم للعلمانيين اللادينيين ليعبثوا بها، ويجعلوا منها أداة لصياغة الأجيال الصاعدة ضمن الأطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية المادية الرأسمالية الغربية أو المادية الشيوعية الشرقية، وبذلك تُقاد الأمة في أدق ظروفها بعيدًا عن قرآنها وعقيدتها وتاريخها العريق، إن الدعوة إلى علمنة المناهج الدراسية معناها توجيه التعليم وجهة مضادة لقيم الإسلام.

وتوجيه السلاح إلى صدرها بتخريج الشباب والشابات من أبنائها يحملون الأفكار العلمانية اللادينية، ويقفون من الإسلام موقف المشادة والمخاصمة والعداء، كذلك فإن تلك الدعوة تنطوي على إسقاط العناصر الذاتية المتميزة للأمة الإسلامية، ومدعاة إلى تكرار ما حدث في الدولة التركية التي أُبعدت عن الإسلام في مطلع هذا القرن على أيدي عصبة الاتحاد والترقي الماسونية، التي أفرزت كمال أتاتورك، وجعلت من بلادها مجرد تابع للصليبية العالمية وأداة طيعة لها.

دوافع الحملة الصحفية:

لقد بدأت الحملة الصحفية عندما انطلقت بعض الأقلام التي تردد في تناغم متواصل وبإلحاح يحمل طابع الابتزاز والضغط والإفك - تنادي بأن المنهج التعليمي في الكويت بصورته الحالية يشكل خطرًا على مستقبل البلاد.

ذلك أنهم يرون أن تقديم المفاهيم الإسلامية للطلاب والطالبات ضمن المناهج الدراسية سوف يُخرج أجيالًا إرهابية متعصبة -مع ملاحظة أن التعصب في هذا المجال بغيض عندهم فقط لأنه تعصب للإسلام- ويشعرون بالقلق الشديد لأن الأجيال المقبلة -والحالة هذه- سوف تكون وعاء للحركات الإسلامية المتطرفة مما يهدد الاستقرار، وينذر بعظائم الأمور.

فكيف الخلاص عندهم من هذا الوضع؟

بدأت المناداة بالتغيير وقلب الأوضاع لصالح التوجه العلماني اللاديني تحت شعار الإصلاح والتطوير، ولجأوا في سبيل ذلك إلى نشر الإفك حول مبادئ الإسلام وتاريخه ودعاته، وحول موقف الإسلام من التقدم العلمي ومن الإصلاح والتطوير.

إن الإسلام هو دين العلم، وقد جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وإن الإصلاح والتطوير المنشود ينبغي أن يتم في إطار من المبادئ والمقاييس الإسلامية، وليس كما يديرون له أن يكون مروقًا من الدين، وإبعادًا له عن ميادين الحياة، وحجبًا للرؤية الإسلامية تحت ستار كثيف من الذرائع، ويخفون دوافعهم الحقيقية وهي أن التطبيق العملي لمبادئ الإسلام الذي تسعى لتحقيقه الصحوة الإسلامية الحديثة أصبح يؤرقهم، ويشكل كابوسًا لهم، وهم يرون مصارف إسلامية تقوم بعيدًا عن الربا، ويرون جموع الشباب والشابات المسلمات يختارون الإسلام بعيدًا عن انحلال المادية ومباذلها، ويرون الجهاد الإسلامي يشق طريقه في أفغانستان ويزلزل طواغيت ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا حماة لدولة اليهود.

ولكن كيف يمكن استبعاد المفاهيم الإسلامية من قطاع التعليم؟

لقد بدأ السيناريو الخاص بذلك بقيام الحملة الصحفية التي تولتها أقلام ظالمة ضد دعاة الإسلام لإظهارهم بمظهر دعاة الظلام والجهل والتخلف والرجعية، ثم يُنشر الدعاية لمشروع تخليص مناهج التعليم من منطلقاتها الإسلامية بزعم الإصلاح وتحت شعار التطوير.

ولا شك أن كلمتي الإصلاح والتطوير لهما وقع حسن في النفوس، ولكن هل كل من ينادي بالإصلاح أو بالتطوير صادق في دعواه وخصوصًا عندما يقرن هذه الدعوة بالتركيز على ضرورة استبعاد المبادئ الإسلامية التي يرى أنها تغرس الإرهاب والتعصب.

إن التاريخ القريب يحمل أمثلة كثيرة على شعارات للتطوير والإصلاح طُرحت وأُريد بها العكس تمامًا، ففي مصر مثلًا لقد أُلغيت المحاكم الشرعية في الخمسينيات، وأُدمجت في المحاكم المدنية تحت شعار التطوير، وقُلبت أوضاع الأزهر الشريف عام 1969 تحت شعار الإصلاح، وجرت تصفية كل من لم يسجد للحاكم من القضاة والمستشارين عام 1969 تحت شعار الثورة القضائية.

وهناك الأمثلة الكثيرة على هدم مؤسسات عريقة واستخدام كلمتي التطوير والإصلاح ستارًا لتمرير ذلك الهدم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ صدق الله العظيم (سورة البقرة، أية: 11 – 12).

إن ما يتم الترويج له من تطوير وإصلاح مزعوم لتمرير استبعاد المنطلقات الإسلامية من المناهج التربوية، وإحلال العلمانية اللادينية محلها - هو أمر يثير الريبة والشك العميق في صدر كل مواطن مسلم غيور على دينه وحريص على مستقبل أبنائه وبناته.

إننا ننشد دائمًا تطوير الأجهزة المختلفة والإصلاح لها؛ فذلك تقتضيه سنة الحياة، وننادي بالتوقف لحظة لتقييم ما تم إنجازه والانطلاق إلى أسلوب أفضل، ولكن هناك أمر أساسي هو أننا لا نقبل أن تُستخدم تلك العبارات لغش الأمة وتحويل مسار التعليم ليصبح مرتعًا للعلمانية، إن التطوير الحقيقي والإصلاح الأمثل لمناهج التعليم هو إعطاؤها المزيد من الصبغة الإسلامية التي بها يتحصن شباب الأمة في مواجهة الفتن التي تعصف بالعالم، والتي تستدعي بذل الجهود بلا كلل لمواجهتها بالاعتصام بالنهج الإسلامي، وبالتصدي للتآمر الدولي الخبيث ضد شعوبنا.

دور المخابرات الأمريكية:

رغم أن عمل أجهزة المخابرات يتسم بالسرية إلا أن ما نُشر عن دور المخابرات المركزية الأميركية في ملاحقة الصحوة الإسلامية يكفي للتعرف على أن أمريكا تضع الخطط الطويلة الأمد والشاملة لكافة الميادين، وفي طليعتها بالطبع ميدان التعليم للتصدي للتوجه الجماهيري في البلاد الإسلامية نحو العودة للإسلام.

ولقد نشرت مجلة المجتمع منذ فترة قريبة عدة وثائق في هذا المجال، ولا يخفى على أحد الجهود المتواصلة للولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية لصياغة عقول الشباب المسلم صياغة مادية بعيدًا عن مبادئ الإسلام وعن الإيمان بالله واليوم الآخر، إن الحكومة الأمريكية لا تحاول أن تخفي روح العداء المتأجج لديها لطموحات الشعوب الإسلامية، ولا تحاول أن تخفي تصديها بالقوة الغاشمة لحق الشعوب الإسلامية في التحرر والتقدم، هذه الحكومة هي نفسها التي تحرص على استضافة الجموع الغفيرة من الشباب من أبناء تلك الشعوب في معاهدها وجامعاتها، فهل هناك شبهة تناقض في تصرفها؟

كلمة أخيرة:

إذا رأينا اندفاعًا نحو العلمانية يستهدف اقتلاع جذور الإسلام من بين ظهرانينا، أليس من حقنا أن نتساءل عن مدى تورط دعاة العلمانية في خدمة المخططات المعادية للأمة؟

إن دعاة العلمانية بسعيهم لسلخ الأمة عن مبادئ الإسلام يكونون قد اختاروا الوقوف في خندق واحد مع الأعداء التاريخيين لأمة الإسلام ممن يسعون لإنهاكها، وإيقاع الهزيمة المنكرة بها.

فهل يدرك العلمانيون المنزلق الخطر الذي يريدون أن يوقعوا به أمتهم؟ وإنهم يشكلون الأداة لتمرير مؤامرة القضاء على الإسلام في دياره لا قدر الله.

إن الوقت قد حان ليراجعوا موقفهم، ويعودوا إلى رحاب الحق بدلًا من أن يكونوا سببًا في إغراق الأمة بالفتن.

 

 

الرابط المختصر :