; الأزمة التركية - العراقية حول حزب العمال الكردستاني.. نظرة تاريخية (1من3) | مجلة المجتمع

العنوان الأزمة التركية - العراقية حول حزب العمال الكردستاني.. نظرة تاريخية (1من3)

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 05-يناير-2008

مشاهدات 42

نشر في العدد 1783

نشر في الصفحة 20

السبت 05-يناير-2008

  • الحركة المسلحة التي قادها حزب العمال الكردستاني منذ ربع قرن تقريباً كلفت تركيا ٣٥ ألف قتيل و٣٠٠ مليار دولار وهذا مبلغ ضخم لبلد مثل تركيا.
  • في الماضي تمت صناعة لورنس الأكراد مثل لورنس العرب وكانت وظيفته إثارة الأكراد ضد الدولة العثمانية واعداً إياهم بدولة خاصة بهم.
  • حكومة أردوغان تعمل منذ مجيئها إلى الحكم على حل مشكلة الأكراد من شتى جوانبها الاجتماعية والسياسية والثقافية

منذ أكثر من شهر والأزمة قائمة على الحدود التركية العراقية بسبب تسلل حزب العمال الكردي المعروف اختصارا بـ PKK من شمالي العراق وقيامه بعمليات قتل وتفجير في الأراضي التركية ذهب ضحيتها العشرات من الجنود الأتراك ومن السكان المحليين.

ولم يكن في وسع الحكومة التركية التي يرأسها السيد رجب طيب أردوغان) السكوت على هذه العمليات الإرهابية، لأن من واجب الحكومة الحفاظ على أرواح وممتلكات الشعب.

 جذور المشكلة: تمتد جذور العمليات الإرهابية لهذا الحزب إلى ما قبل أكثر من ربع قرن فبعد تشكل حزب PKK بقيادة (عبد الله أوجلان) في السبعينيات بدأت حركته المسلحة عام ١٩٨٤م وهو حزب ماركسي لينيني ملحد، يسعى لفصل القسم الجنوبي الشرقي من تركيا - حيث يشكل الأكراد أغلبية - الإقامة دولة كردية ماركسية، وبعد قيام الجيش التركي بعمليات عسكرية ضده هرب العديد من مسلحيه إلى شمال العراق مستفيدين من الفراغ الأمني بسبب الاحتلال الأمريكي فاصبح مسلحوه في الأراضي التركية وفي شمال العراق وكان على الجيش التركي إجراء عمليات عسكرية في كلا الموقعين المعلومات الاستخبارية التركية تشير إلى أن عدد مسلحية في العراق يبلغ ٥٥٠٠ مسلح وعددهم في تركيا 3٥٠٠ مسلح. 

ظهرت النزعة القومية في أواخر حكم الخلافة العثمانية وشجعت الدول الاستعمارية القوميات سعياً منها لتفتيت الدولة العثمانية، فمثلاً وجد الورنس الأكراد، مثلما وجد لورنس العرب ولورنس الأكراد هو ضابط المخابرات البريطانية الميجر (إدوارد وليم جارلس نويل) (١٨٨٦ - ١٩٧٤م) أرسل إلى العراق فزار العديد من المدن الكردية في العراق وتركيا، وكانت وظيفته إثارة الأكراد ضد الدولة العثمانية واعداً إياهم بمساعدة إنجلترا لتشكيل دولة خاصة بهم وعندما احتل الحلفاء مدينة إسطنبول في الحرب العالمية الأولى عام ۱۹۱۹م شجع الإنجليز الأكراد على تكوين العديد من الجمعيات ومن الغريب أن اسم إحدى هذه الجمعيات كان جمعية محبي الإنجليز الكردية وهم الأعداء الذين كانوا يحتلون البلد ويدوسون على كرامته ومقدساته. 

واليوم يعيد التاريخ نفسه إذ يوجد الآن في شمالي العراق محبي الأمريكان المحتلين!!

إذن المشكلة قديمة وليست وليدة اليوم وكانت الحجة القديمة أن الأكراد يثورون لأنهم يطالبون بحقوقهم الثقافية التي حرموا منها أعواماً طويلة وهذا صحيح فصبغة القومية التركية التي سادت بعد إعلان الجمهورية التركية أدت إلى هذا الجور والظلم، لذا بقيت المنطقة الكردية في تركيا فقيرة ومتأخرة ومحرومة من حقوقها الثقافية ومن الكتابة والتدريس بلغتها، ولكن ينبغي الإشارة إلى أن معظم الأكراد اختاروا الطريق السلمي والديمقراطي عند المطالبة بحقوقهم علماً بأنهم احتلوا مناصب رفيعة في البلد، فكان منهم الوزراء ورؤساء الوزراء بل حتى رئيس الجمهورية، إذ وصل إلى منصب رئيس الجمهورية منهم اثنان هم (عصمت إينونو) رفيق مصطفى كمال وتورجوت أوزال.

 الحركة المسلحة التي قادها حزب PKK منذ ربع قرن تقريباً كلفت تركيا ٣٥ ألف قتيل و٣٠٠ مليار دولار، وهذا مبلغ ضخم لبلد مثل تركيا، ولو وظف هذا المبلغ على مشاريع البناء والتصنيع لازدهرت البلاد.

وقد تنبهت حكومة السيد رجب طيب أردوغان إلى بقاء هذه المشكلة دون حل، فهي أولا: تزرع العداء بين أفراد الشعب، وثانيا: تهدد بالانفصال، وثالثا: تستنزف موارد البلد لذا فقد سعى السيد أردوغان عندما جاء إلى الحكم إلى حل هذه المشكلة، وهو يعلم علم اليقين بأن العمليات العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء هذه المشكلة لأن هذه الحركة تتبع أسلوب حرب العصابات، أي أسلوب (اضرب واهرب)، والمناطق الجبلية الوعرة جداً في المنطقة الكردية في تركيا وفي شمالي العراق تساعد على حرب العصابات هذه، وتصعب مطاردة الجيش النظامي لهذه العصابات لذا يجب حل المشكلة من جذورها أي حل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لها وانطلاقاً من هذه النظرة قام السيد أردوغان وحكومته بخطوات منها :

  1. سن القوانين التي تعطي الحق للأكراد بالتحدث باللغة الكردية وإصدار الكتب والمجلات والجرائد واستعمالها في القنوات التلفزيونية وفتح دورات لتدريسها وتعليمها. 
  2. بدأ حملة عمرانية في المنطقة الكردية التي كانت مهملة وفي ظرف 5 سنوات تم صرف 8 مليار دولار لتعمير هذه المنطقة، وجمع رجال الأعمال ولا سيما الأكراد منهم ودعاهم إلى إنشاء مشاريعهم الاقتصادية ومعاملهم في هذه المنطقة، وتعهد بإعطاء قطع أراض لهم دون مقابل وعدم أخذ الضرائب منهم لمدة ٥ - ١٠ سنوات كتشجيع، لكن معظمهم رفض مبادرة الحكومة، لأن حزب PKK كان يغتال المهندسين وسائقي الآليات ويحرق الآليات ولما كان رأس المال جباناً لم يقدم العديدون على إنشاء المشاريع هناك أي أن PKK أصبح العائق الوحيد أمام رفاهية الشعب الكردي في تلك المنطقة لذا بقيت المشاريع حكومية فقط ولو انضمت الشركات الأهلية إلى هذه الحملة لأنجز الشيء الكثير لمصلحة الشعب الكردي وحسب الخطة الموضوعة من قبل الحكومة لن تبقى هناك قرية كردية كانت أم تركية إلا ويصلها الماء والكهرباء والطرق المعبدة في نهاية سنة ٢٠٠٧م وفعلاً أنجزت الحكومة أكثر من ٩٠% من هذه الخطة التي بدأت تنفيذها منذ ثلاث سنوات تقريباً .
  3. قامت الحكومة بتزويد الفقراء من أهالي هذه المنطقة التي تنخفض درجة الحرارة في بعض أجزائها إلى ثلاثين تحت الصفر بالفحم للتدفئة دون مقابل، كما زودت جميع طلاب المدارس بالكتب والقرطاسية مجاناً. 
  4. فتحت الأبواب لتشكيل أحزاب كردية للعمل بالطرق السلمية والديمقراطية وتشارك في الانتخابات  المحلية، وكذلك في الانتخابات النيابية العامة، وكانت النتيجة اختيار العشرات من رؤساء البلديات والمئات من المختارين من الأكراد كما فاز من حزب المجتمع الديمقراطي DTP وهو الجناح السياسي لحزب PKK 23 نائباً.
  5. لم يعد التعصب القومي موجوداً في هذه الحكومة التي لها جذور إسلامية قوية كما هو معروف لدى الجميع، وللأكراد أكثر من مائة نائب في البرلمان التركي المكون من (نائباً ٥٤٠) وفي الوزارة الحالية مالية أيضاً كما يحتلون ارفع المراتب في جميع المؤسسات الحكومية سواء في الجامعات أو المحاكم أو الوزارات ويتم التعيين حسب الكفاءة وليس حسب القومية.
  6. أصدر حزب العدالة والتنمية في السنوات الثلاث الأخيرة قانونين للعفو عن أعضاء PKK كان أحدهما قانون العودة والآخر تحت اسم قانون الندم ولم يستثن من العفو إلا المتورطين منهم في جرائم القتل، ونتيجة للقانون الأخير سلم ٣٥٠ فرداً من هذا الحزب أنفسهم للحكومة، وعادوا إلى حياتهم الاعتيادية والحكومة الحالية بصدد إصدار قانون ثالث وتتوقع الحكومة نجاحاً أكثر لهذا القانون من سابقيه، لأن الظروف تغيرت والحزب الآن معزول شعبياً وسياسياً من جميع الأطراف.

إذن فما الداعي للقيام بعمليات إرهابية من تفجيرات وقتل وخطفة ما الداعي إن كان الطريق السلمي للمطالبة بالحقوق مفتوحاً على مصراعيه؟ ولا سيما أن ما طالب به الزعماء الأكراد حول الحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية قد تحقق وصدرت حوله القوانين اللازمة، هذا ما سنحاول أن نعرفه في العدد القادم إن شاء الله .

 

الرابط المختصر :