; الأزهر في مهب الضياع  (5) الأسماء بلا مسميات | مجلة المجتمع

العنوان الأزهر في مهب الضياع  (5) الأسماء بلا مسميات

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1978

مشاهدات 89

نشر في العدد 419

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 07-نوفمبر-1978

لو قلت: إن الأزهر قد أصبح اسما بلا مسمى، لما كنت مبالغا ولا مُتجنيا ولكن حسبي أن أقول: إن أبرز مؤسسات الأزهر، قد أصبح مجرد أسماء بلا مسميات، ولعلة من الأجدر بالحديث هو قانون تطوير الأزهر الذي أخذ رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١م أي في عهد الثورة، وقد أصدر الأزهر مجلدًا ضخمًا عن تاريخ الأزهر سنة ١٩٦٤، اعتبر هذا القانون قانونا ثوريا، وهو أحد مظاهر وفاء ثورة يوليو ١٩٥٢ للأزهر واعتبر مصدره جمال عبد الناصر زعيمًا إسلاميا عربيا، كان بذرة صالحة، وكانت الأرض تربة صالحة فما التقت البذرة بالأرض، حتى أينعت وازدهرت، وشمل ازدهارها كل فروع الحياة- لا في الجمهورية العربية وحدها، ولا في العالم العربي بأسره- بل في العالم الإسلامي كله ومن المهازل التي يندى لها الجبين أنه بعد أن صدر قانون تطوير الأزهر أعلنت كلية أصول الدين تمردها، وكان من أشد المتحمسين للمعارضة من أساتذة الكلية، المرحوم الشيخ فتح الله بن بدران والدكتور بيصار- وكيل الأزهر الآن- والدكتور عبد الحليم محمود- شيخ الأزهر -رحمه الله- الذي عبر عن بداية الكفاح دفاعا عن الأزهر، بأن قرر خلع البدلة- والطربوش، وارتداء الجبة والقفطان والعمامة، وبلغ النبأ المسئولين، وكان حسن التهامي- نائب رئيس الوزراء برئاسة الجمهورية الآن- بالمؤتمر الإسلامي، الذي جعل المؤتمر يرسل خطابات إلى كل من الثائرين بكلية أصول الدين، يخبرهم باختيارهم مستشارين للمؤتمر الإسلامي بمكافاة شهرية قدرها خمسون جنيها مصريا، وقد حُدِّدَ في الخطابات موعدٌ للقاء السكرتير العام للمؤتمر الإسلامي وتكتم كل من الثوار الخبر عن بقية زملائه، وفوجئوا قبيل الساعة المحددة للِّقاء بوجودهم في قاعة الانتظار، وامتد انتظارهم ساعات ثم اعتذر لهم في أدب لأن السكرتير العام مشغول بلقاء وفد أجنبي، وسوف يحدِّدُ لهم موعدا آخر.. وبالطبع لم يحدد لهم ذلك الموعد الآخر، وماتت الثورة في النفوس لأنها لم تكن سوى زوبعة في فنجان- كما يقولون، وكان أن قبل- في ظل القانون الثوري- الدكتور بيصار منصب الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية ثم وكالة الأزهر حتى اليوم، وقبل الدكتور عبد الحليم محمود، عمادة كلية أصول الدين، ثم أمينا عاما لمجمع البحوث، ثم وكيلا للأزهر ثم وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر ثم شيخا للأزهر..

  • قارن الكتاب الذي أصدره الأزهر بين المرسوم بقانون لسنة ١٩٣٦ المعروف بقانون إصلاح الأزهر، وبين قانون تطوير الأزهر سنة ١٩٦١ في عهد الثورة، وانتهت المقارنة بضآلة القانون السابق، ومما جاء في القانون الأخير وإذا كان الأزهر- قبل إصلاح ١٩٦١م قد انحصر في دائرة حفظ الشريعة واللغة، وتخرُّج المتولين لتعليم الدين واللغة والوظائف الشرعية، فإن أزهر المنورة يعيش بالدين في معترك الحياة، وهكذا استهل الباب الأول من القانون: الأزهر هو الهيئة العامة الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدُّم البشر، ورقيِّ الحضارة وكفالة الأمن والطمأنينة.. إلى آخر الكلمات المُنَمَّقة، ثم عقَّب الكتاب بقوله: هذه ملامح الأزهر الجديد، إنه يعيش بالإسلام في واقع المجتمع والحق أنه لا فرق بين القانونين إلا في تنميق العبارات وتفخيم الألفاظ، وقد نصَّ كلاهما على أن رسالة الأزهر، روحية وثقافية، وتحاشَى أن يكون الأزهر في معترك الحياة بمفهومها الصحيح فلا شأن للأزهر بالقضايا السياسية للعالم الإسلامي، ولا شأن له بأنظمة الحكم، وليس من حقه المطالبة بتطبيق شريعة الله، لأن هذا لا يدخل في نطاق دائرة حفظ الشريعة كما نصَّ على ذلك قانون الثورة
  • أما مؤسسات الأزهر التي أشار إليها القانون فهي:

١- المجلس الأعلى للأزهر، وهي الهيئة التي تختص بالتوجيه ورسم السياسة العامة لكل ما يحقق أغراض الأزهر، ويعمل بها في خدمة الفكرة الإسلامية الشاملة.. وهذا مجرد حبر على الورق، فالمجلس الأعلى للأزهر لا يكاد يحس هو بوجوده، فضلا عن أن يحس الرأي العام بوجوده.

٢- مجمع البحوث الإسلامية... وسأرجئ الحديث عنه.

٣- إدارة الثقافة والبعوث الإسلامية وهو جهاز إداري محض..

٤- جامعة الأزهر.. وهي تحت مستوى الجامعات العلمانية.

٥- المعاهد الأزهرية.. وهي معاهد متواضعة للغاية.

ويتحدث الكتاب عن مفخرة للثورة بإنشاء مدينة البعوث الإسلامية، التي تضم الطلاب الوافدين، ويذكر الكتاب مدى الرعاية، وكل ما ذكر لا يمت إلى الحقيقة بِصِلَةٍ، فهؤلاء الطلاب يعيشون معيشة دنيا، ويكفي أن يكون المشرف على المدينة عسكريًّا بدرجة لواء، حتى يتحقق للطلاب الرعاية الثقافية، وفي آخر إحصاء سنة ١٩٦٤، كان عدد الطلاب ٣٦٢٧ والمبالغ المخصصة سنويا هي. 375000 ألف جنيه، فإذا خصم من المبالغ نفقات الإدارة الباهظة لم يبق للطلاب إلا أقل القليل، ثم هل من المعقول أن يستطيع الأزهر بهذا العدد القليل أن يؤديَ رسالته للعالم الإسلامي، فالأزهر في الأعوام الأخيرة يمارس التقشف في قبول الوافدين، بينما قبلت الجامعات المصرية الأخرى من الوافدين ٦٦٠٠ طالب، وهذا العدد يقارب ضعفيّ العدد الوافد إلى الأزهر والمقيم بمدينة البعوث الإسلامية، وأذكر أن في القاهرة عددًا كبيرًا من أبناء إريتريا يعيش في القاهرة منذ عام تقريبا على أمل أن يلتحق بالأزهر، ولا يزال في الانتظار ويبدو أن الأزهر لم يحس بعد بمأساة الشعب الإريتري، وأذكر أيضا أنه منذ عامين وفد إلى القاهرة ستة طلاب من الصومال على أمل الالتحاق بالأزهر لكن الملحق الصومالي بالقاهرة هددهم بقوله: إن السفارة الصومالية مستعدة لرعاية من يلتحق منكم بالجامعات المدنية، وليست مستعدة لرعاية من يلتحق منكم بجامعة الأزهر الرجعية، وكان أن استجاب أربعة منهما لرغبة القنصل، ولجأ الاثنان الباقيان إلى الأزهر ولم يلتحقا به إلا بشق النفس، والعجيب المثير للأسى أن عدد الوافدين إلى الأزهر عام ١٩٩٥م كان ٤٢٩١، ثم انحدر العدد عام ١٩٦٤ إلى ٣٦٢٧، والعدد الآن لا يصل إلى ۳۰۰۰ طالب..

  • وبالنسبة لهيئة الوعظ والإرشاد، يفخر الكتاب الآنف الذكر أن عدد الوعاظ كان ۳۰۰ واعظ في سنة ١٩٥٢ ثم بلغ عددهم في سنة ١٩٦٢، ٤٢٦ واعظا، ومعنى هذا أن لكل مائة ألف واعظا واحدا، مع أن عدد القساوسة في مصر يزيد على أربعة آلاف قسيس، وعدد النصارى زهاء مليون وربع المليون، ومعنى هذا أن لكل ستمائة مسيحي قسيسا، وشتان بين النسبتين ثم أن الوعظ والإرشاد يسير على وتيرة واحدة، لا يؤدي رسالته في معترك الحياة على الإطلاق والحديث عن المكتبة الأزهرية مثير للأسَى، فالمكتبة الحالية قامت على أطلال المكتبة القديمة التي أنشئت سنة ٥١٧ه. والمكتبة الحالية الآن آيلة للسقوط، وبها أكثر من ثلاثين ألف مخطوطة من التراث، وقد توقف نشاطها منذ زهاء عامين، وقد نُهب الكثير منها، والعجيب أن يقول كتاب الأزهر: إن الشيخ المراغي حين ولِيَ مشيخة الأزهر عام ١٩٢٨م وضع ضمن مشروع مباني الجامعة الأزهرية مشروع بناءٍ خاصّ بالمكتبة فلاحظ فيه الحاجات اللازمة في بناء المكتبات الحديثة، وظل هذا المشروع يتعثر في طريق التنفيذ إلى الآن.. وقد اهتمت حكومة الثورة بهذا المشروع وأدرجته ضمن مشروع مباني المدينة الأزهرية، وستنفذ الحكومة هذا المشروع إن شاء الله – جريا على عادتها في أن تقرن القول بالعمل ونحن نرثي لمؤلفي الكتاب الأستاذان علي عبد العظيم وسيد أبو المجد عام ١٩٦٤، وقد مضى أربعة عشر عاما والمشروع أصبح في خبر كان، ولا داعي لأن نتساءل: لِمَ سكتَ الأزهر منذ أربع عشرة سنة ولم يطالب حكومة الثورة بتحقيق ما وعدت؛ لأن في الإجابة عن هذا التساؤل أسى مريرا أن مكتبة الأزهر لا تحتاج إلى أكثر من ميزانية بناء مسرح واحد للعبث..

والحديث أيضا عن مجلة الأزهر مثير للأسى، فما يطبع منها لا يتجاوز بضعة آلاف نسخة بوزع أقل من نصفها وقد كان لها ماض مجيد يوم أن كان مدير تحريرها أمثال الشيخ محمد الخضر حسين والأستاذ المرحوم محمد فريد وجدي، والأستاذ محب الدين الخطيب، أما اليوم فقد أصبحت مجلة الإدارة- إدارة الأزهر تهتم بنشر مقالات شيخ الأزهر وأصهاره المقربين إليه من موظفي مكتبه، ورحم الله الشيخ عبد الرحيم فودة، فقد رأس تحرير المجلة في عهد شيخ الأزهر السابق رحمة الله واستطاع أن يستقل بها عن إدارة الأزهر وشيخ الأزهر ومحاسيبه.

الرابط المختصر :