; الأزهر ومعركة المصحف و «الكتّاب» | مجلة المجتمع

العنوان الأزهر ومعركة المصحف و «الكتّاب»

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004

مشاهدات 54

نشر في العدد 1587

نشر في الصفحة 24

السبت 31-يناير-2004

علي لبن: الأزهر يمر بمحنة هدفها تخريبه وتفريغه من رسالته و«تطفيش» التلاميذ منه

د. عبد الحي الفرماوي: انتقلت معركة المصحف بالأزهر إلى المربع الأول للمحافظة عليه من الضياع! 

■ إلغاء معاهد المعلمين.. وتحفيظ القرآن الكريم عن طريق الكاسيت!!

■ الشيخ عبد الفتاح سيد جمعان: المدارس الابتدائية لا يمكن أن تكون عوضًا عن الكتٌاب 

■ الشيخ عبد العظيم الروبي: المكاتب والحلقات متعثرة

■ التضييق على المعاهد الأزهرية الخاصة وإلغاء الحضانات الأزهرية  النموذجية اللغات؟

 من المعروف أن القرآن الكريم هو مادة الحياة بالنسبة للأزهر خاصة والتعليم الديني عامة وللحياة كلها.. وقد ظل الأزهر.. هذا الصرح الإسلامي العتيد يعمل والقرآن الكريم يغذوه، وتمده بالآلاف من الحفاظ مكاتب تحفيظ القرآن الكريم بالقرى والكفور والنجوع.. وترفده بالنوابغ من التلاميذ... إلى أن جاء قانون التطوير عام ١٩٦١م. الذي أدخل الجامعة في الجامع.. وأخرج الجامع من الجامعة على حد تعبير الشيخ صلاح أبو إسماعيل - يرحمه الله - وفي هوجة «تجفيف المنابع» وملحقاتها من توابع «محاربة الإرهاب»، انتقلت المعركة إلى مكاتب «تحفيظ القرآن الكريم»، تحاصرها بتقارير الأمن المكذوبة.. وتضيق عليها في الاعتمادات المالية... بل تطرد تلاميذها وتحولها إلى «مكاتب لتنظيم الأسرة»!!!... الأمر الذي يهدد التعليم الديني في الصميم... ويرسم صورة قاتمة لمستقبل الأزهر.. الذي أفنى القرون جدارُه على مدى قرون.

 وعلى الرغم من أن القانون ۱۰۳ لعام ١٩٦١ الخاص بتطوير الأزهر، ينص في مادته الثانية على أن «الأزهر» هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي، وتحقيق الأهداف القومية والقيم الروحية، وبالرغم من أن المجلس القومي للتعليم قد أصدر توصية مهمة في 21/5/2002م، بضرورة إنشاء معاهد أزهرية متخصصة لتخريج المحفظين، إلا أن القائمين على شأن الأزهر تجاهلوا هذه التوصية.. الأمر الذي يرى معه «النائب علي لبن» عضو مجلس الشعب المصري عن الإخوان المسلمين أن الخطر قد أصبح لا يمكن السكوت عليه، حيث بلغ العجز هذا العام في المحفظين على مستوى معاهد الجمهورية (٢٣٤٣ محفظًا) وفق تقرير المجلس القومي للتعليم، وقد استعاضت المعاهد الأزهرية- مضطرة - إزاء هذا العجز الفادح بتوزيع أشرطة تسجيلات القرآن الكريم على التلاميذ والمدرسين لتعويض هذا القصور... علمًا بأن ذلك مخالف للقانون، ولم تكتف إدارة الأزهر بذلك، بل أغلقت معاهد المعلمين المحفظين وعددها ۲۳ معهدًا، وذلك بالمخالفة للقرار الجمهوري رقم ۱۰۹۸ لسنة ١٩٧٤م، علاوة على إصدار القرار رقم ٦٦٥ لسنة ۱۹۹۷م بهذا الخصوص دون علم المجلس الأعلى للأزهر

فأين المحفظون؟

والأعجب من ذلك أنه تجرى هذه الأيام مسابقات بالأزهر لتعيين عشرة آلاف معلم... ليس من بينهم محفظ واحد!! 

ومن المعروف أن إدارة الأزهر قد أحجمت عام ۱۹۹٦ في مسابقات التعيينات عن تعيين محفظين جدد بحجة عدم وجود درجات خالية!!

 ويضيف النائب علي لبن: هذا فضلًا عن الشروط المنفرة التي وضعتها إدارة الأزهر لتطفيش التلاميذ منه، منها على سبيل المثال: رفع سن القبول بالابتدائي من 5 إلى ٦ سنوات، الأمر الذي أدى إلى إغلاق الصف الأول الابتدائي في ۱۷٠ معهدًا، ورفع الحد الأدنى الدرجات النجاح في القرآن من ٥٠% إلى ٧٥% بالنسبة لطلاب «الكتاتيب» الذين يلتحقون بالأزهر عن طريق المسابقات الخارجية، إضافة إلى وضع شروط تعجيزية لإنشاء معاهد أزهرية خاصة، وليس هناك ما يماثل هذه الشروط ولا ربعها بالنسبة لإنشاء المدارس الخاصة... إلى أن تقلصت المعاهد الخاصة إلى ۱۸۰ معهدًا فقط... تعمل تحت ضغوط أمنية شديدة القسوة.

 وبخصوص المناهج الأزهرية الخاصة بعلوم القرآن واللغة العربية والشريعة، يؤكد الأستاذ علي لبن (وهو موجه سابق بالأزهر) أن المؤامرة عليها تحتاج إلى مجلدات. وقد خرجت بشأنها عشرات الدراسات والمؤتمرات الراصدة لخطرها الداهم الرامي إلى تفريغ الأزهر من رسالته بدءًا من الكتاتيب ومرورًا بمراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي... 

 على الرغم من أن أوقاف الأزهر تكفيه وزيادة... ولكنها مبددة ما بين هيئة الإصلاح الزراعي وهيئة الأوقاف والمحليات... ولا تجد من يقف وقفة لوجه الله لاسترداد هذه الأوقاف الهائلة.... في الوقت الذي استردت فيه الكنيسة القبطية أوقافها كاملة غير منقوصة.

معركة المصحف

جدير بالذكر أن هناك ٢٦ ألف مكتب لتحفيظ القرآن الكريم تابعة للأزهر تديرها إدارة شؤون القرآن الكريم، بخلاف مثل هذا العدد تقريبًا تديره الجمعيات الإسلامية والأهلية والجمعيات الخيرية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية تعمل

دون غطاء مالي من الدولة على الإطلاق. ويرى الدكتور عبد الحي الفرماوي أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر أن معركة المصحف اليوم، انتقلت إلى المربع الأول.. مربع وجود القرآن بين أبنائنا وأجيالنا القادمة... خاصة في مصر التي ظلت طوال عمرها وتاريخها تحمل شرف تحفيظ القرآن، كما كنا نعرف ونحن طلاب صغار بالأزهر أن القرآن نزل بمكة والمدينة... وفسر في بلاد الشام، وكُتب في بلاد الترك، وحُفظ في مصر، وهي معركة طويلة وممتدة، ولا نرى إلا أنها تأتي ضمن سياسة تجفيف المنابع التي تتتابع حلقاتها في هدوء وبرود قاتلين.. حتى أصبح أكثر الخريجين الجدد صورة لا تشرف، وليست ببعيدة تلك المسابقة التي أجراها الأزهر لاختيار أئمة لابتعاثهم لإحدى الدول العربية، إذ لم يقع الاختيار من بين آلاف المتسابقين إلا على نيف وعشرين إمامًا.. بسبب عدم حفظ القرآن الكريم، ولست أدري للأزهر دورًا ولا رسالة من دون القرآن، وإلا فمن وراء إغلاق المعاهد الأزهرية الخاصة، والحضانات الأزهرية «للغات» التي كانت بشير خير لأبناء الطبقات الميسورة الذين يذهبون بأبنائهم إلى مدارس اللغات الأجنبية لتتم تنشئتهم في جو بعيد تمامًا عن العربية والإسلام؟!

شجرة بغير جذور

ويرى الشيخ عبد الفتاح سيد جمعان الرئيس السابق لإدارة شؤون القرآن

بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن هناك طوقاً خانقاً حول مكاتب تحفيظ القرآن بسبب الاعتمادات المالية، حيث تم إلغاء المكافأة التي كانت مقررة لتلاميذ المرحلة الابتدائية الأزهرية وهي ٤ جنيهات على كل جزء... مما ثبط من همة التلاميذ وأولياء الأمور والمحفظين عن أداء رسالتهم.. وأحب أن أقول إن هذه المدارس الابتدائية لا يمكن أن تكون عوضًا عن الكتاتيب حيث تزدحم المواد الدراسية على التلميذ... مما لا يوفر وقتًا ولا جهدًا ولا جوًا ملائمًا لتحفيظ القرآن بل يتم اعتباره حصة  ضمن الحصص يقوم بها معلم غير حافظ، إننا سنرى ذبول هذه المؤسسة العريقة الخالدة؛ لأن شجرتها لا يمكن أن تقف أو تحيا من غير جذور. فالقرآن الكريم هو مادة الحياة  لرسالة الأزهر منذ شاء الله له أن يكون ...!!

أمانة وخيانة

أما الدكتور محمد المختار المهدي الرئيس العام للجمعيات الشرعية بمصر.... فيرى أن الأمر أكبر من استجواب يقدم في مجلس الشعب... أو اعتراض هنا أو رفع صوت هناك. الأمر أمر خراب أو إعمار.. أمر أمانة أو خيانة ... أمر وعي أو غيبوبة... ولابد من الاستماتة في میدان تحفيظ القرآن الكريم خاصة مع هذه الهجمة الغربية الصليبية الفاجرة ... التي تحاول أن تجتال أهل الإسلام من الأرض... وأن تستأصل جذور هذا الدين والله من ورائهم محيط وصدق الله

العظيم القائل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)

في الوقت نفسه يشكو فضيلة الشيخ عبد العظيم الروبي مدير عام شؤون القرآن الكريم بوزارة الأوقاف من تعثر (۲۳۲۸) مكتبًا وحلقة لتحفيظ القرآن تابعة لإشراف الوزارة من جراء التدخلات الأمنية المستمرة ، ورجال وزارة الداخلية المحشورين في مجالس إدارات المساجد لمراقبة الأنشطة الدعوية وعلى رأسها تحفيظ القرآن الكريم، كما أن معظم هذه المكاتب والحلقات لا ينهض بواجبه الأئمة والخطباء، ويتركونه لجهود بعض الطلبة كنشاط صيفي... مما يجعل معظمها عبارة عن تصاريح ممنوحة على الورق.... ويضيف: 

أنا أطالب بشدة بتكامل وتوحيد كل الجهات العاملة في حقل تحفيظ القرآن الكريم.. أيًّا كانت اتجاهاتهم وانتماءاتهم.. لأن القرآن ملك للجميع... ولو تم تنسيق هذه الجهود ولو شعبيًّا لمدة خمس سنوات فقط، شأن أية خطة خمسية، فسوف نخرج بإذن الله تعالى بجيل كامل من الحفاظ لا يقل عن مائة ألف حافظ، وأخشى ما أخشاه أن تكون معركة «تجفيف المنابع وتجفيف الجرعة الدينية» و«الأمركة»، قد وصلت إلى القرآن الكريم، فاللهم رحمتك.. اللهم رحمتك.

الرابط المختصر :