; الأسرة والمجتمع: المجتمع (1014) | مجلة المجتمع

العنوان الأسرة والمجتمع: المجتمع (1014)

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992

مشاهدات 65

نشر في العدد 1014

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 01-سبتمبر-1992

 

الصحة وحقوق الطفل فيالإسلام

العناية بالطفل: مرحلة ما قبل التكوين

الإسلام يُعنى بالطفل قبل ولادته وحتى وفاته. يجوز تنظيم الحمل برضا الزوجين. اهتمام التشريع الإسلامي بالطفل لا يُعادِلُه أي اهتمام في أي تشريع آخر ويبدو هذا الاهتمام من قبل أن يولد الطفل، بل قبل أن يكون جنيناً في بطن أمه بل قبل عقد القران الزوجية بين الأب والأم. فعندما يبدأ الرجل يفكر في الزواج عليه أولاً أن يختار الزوجة الصالحة لتكون أمّاً لطفله حتى تكون تربيته تربية صالحة تحقق له الكمال الجسمي والروحي فقد جاء في الحديث الشريف «تخيروا لنطفكم» وجاء «تُنكَح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وعلى أولياء المرأة أن يقبلوا لابنتهم الرجل الصالح – قال صلى الله عليه وسلم «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إن لم تفعلوا تكن فتنة وفساد كبير»، وقال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: ٢١).

فالمودة والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين هي التي تُوجِد الأسرة والأولاد الصالحين، وإذا استمرت هذه المودة والرحمة وسادت في الأسرة أخرجت ناشئة متكاملة نفسياً وأخلاقياً وصحياً وقد امتن الله على الناس بأن جعل لهم أبناء وحفدة فقال ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (النحل: 72).

حقوق الجنين: الحماية المالية والجسدية

الاهتمام بالجنين: ثم تأتي مرحلة الحمل وفي ذلك يقول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَكَسَوْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 12-14). وقال تعالى في المرأة التي تُطلَّق وهي حامل ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6) وإذا وُلد فرض الإسلام على الأب الإنفاق على الأم ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233).

وتثبت للجنين حقوق مالية كالوصية والوقف والميراث فيجوز الإيصاء للجنين ويُحفظ له المال إلى حين ولادته ثم يقوم وليه بحفظه حتى يبلغ سن الرشد، كما يستحق الجنين الميراث من مُورِّثِه ويُحفظ له حصته حتى ولادته ولو مات بعد الاستهلال فَيَرِث وهناك الحقوق التي تتعلق بوجوب المحافظة على الجنين وسلامته. أوجب الإسلام المحافظة على الجنين ومن المحافظة عليه الاهتمام بالأم الحامل، عليها وعلى زوجها المحافظة على صحتها وعدم تكليفها بما يضعف صحتها أو يؤثر على صحة الجنين وحياته، فحتى لو ثبت عليها حَدٌّ شرعيٌّ أو قصاصٌ فيجب أن يُؤجَّل إلى أن تضع حملها فتؤجل العقوبة المفروضة عليها إلى ما بعد الولادة، ففي الحديث الشريف «إذا قُتلت المرأة عمداً لم تُقتل حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها»، وقال عليه الصلاة والسلام للمرأة الغامدية التي أقرت بالزنا وجاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام طالبةً أن يُقام عليها الحد لتُكفِّر عن ذنبها «ارجعي حتى تضعي ما في بطنك، ولما عادت بعد ولادة طفلها قال لها ارجعي حتى ترضعيه».

وفرض الإسلام للمطلقة الحامل نفقة حتى تضع حملها، مراعاة للجنين قبل ولادته وبعد الولادة تستمر نفقة الرضاع والحضانة على الأب. كما أباح الإسلام للحامل الفطر في رمضان إذا قرر الطبيب ذلك وإذا تأكد أن الصيام سيضرها أو يضر الجنين؛ فالفطر واجب وعليها القضاء متى استطاعت، وكذلك المُرْضِع يجوز لها الإفطار إذا أوصى الطبيب بذلك من أجلها أو من أجل الرضيع. وأوجب الإسلام الغُرَّة أو الدية إذا اعتدى شخص على المرأة الحامل فسقط جنينها ميتاً فتجب الغُرَّة وهي نصف عُشر الدية، أما إذا سقط الجنين حياً ثم مات متأثراً من الاعتداء عليه فتجب الدية كاملة.

رعاية الطفل والوقاية الصحية في الإسلام

الاهتمام بالرضيع: واهتم الإسلام بالطفل الرضيع بعد وضعه حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هَمَّ أن يمنع الغِيلَة وهي أن يطأ الرجل زوجته أثناء رضاعها للطفل، ثم فكر في الأمر ورأى أن فارس والروم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم فعدل عن النهي، وفي ذلك روى مسلم في صحيحه عن عائشة عن جُدَامَة بنت وهب قالت حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس وهو يقول هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يُغِيلون أولادهم فلا يضر أولادهم في ذلك شيء. هذا الحديث يعطينا فكرة عن حرص ولي الأمر في الإسلام على رعاية الطفولة، وإنه يجب إجراء البحوث التجريبية من أجل الوصول إلى الهدف المنشود لحفظ حياة الإنسان وصحته؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق النظر في أحوال أكبر مجتمعات ذلك العصر الفرس والروم توصل إلى عدم تحريم الغيلة وعلى الرغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي من الله ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فقد أراد أن يَسُنَّ لأمته سنة النظر في تجارب الآخرين وأحوالهم ليستفيدوا منها ويُبين لهم أهمية التدبر والملاحظة والبحث التجريبي وأن مثل هذه القضايا لا يمكن أن تُترك للقدر، فإن من القدر مباشرة الأسباب انطلاقاً من مبدأ «اعقلها وتوكل» كما جاء في الحديث الشريف عندما أراد الأعرابي أن يُطلِق ناقته متوكلاً على الله بأنها لن تضيع فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم «اعقلها وتوكل».

وقال عليه الصلاة والسلام «إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكَيْس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل» فقد لام النبي صلى الله عليه وسلم من قال: حسبي الله ونعم الوكيل ولم يأخذ بالأسباب التي تُجَنِّبه الندم، ومن الأخذ بالأسباب التي أمر بها الإسلام العلاج، فيجب على المريض أن يُعالج نفسه وعلى الوالدين أن يُعالجا ولدهما المريض ولا يتركانه فريسة للمرض فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» «إن الله أنزل الداء والدواء فتداووا ولا تداووا بحرام».

ويجب ألا يُلجأ في العلاج إلى الخرافات والشعوذة بل يجب على المسلم أن يثق بما أُرشِد إليه من العلاج بالأدوية عند الأطباء المعتبرين ويدعو الله ويلجأ إليه في سؤال الشفاء، فإن الالتجاء إلى الخرافات والذهاب إلى المشعوذين والعرافين والكُهَّان من الشرك بالله كما صح ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وكما يجب العلاج يجب اتخاذ كل وسائل الوقاية من الأمراض فيجب أولاً الاهتمام بنظافة الجسم؛ فالإسلام يدعو إلى طهارة الجسد، وكذلك فمن العبادات الوضوء والطهارة والغسل ويَتوضأ المسلم في اليوم خمس مرات للصلاة، ويُعتنى أيضاً بتنظيف الأسنان وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يَشُوص فاه بالسواك وكان يتخذ له سِواكاً من شجرة الأراك، وإذا كان السواك سنة فليس من السنة أن يكون السواك ملازماً لفم الإنسان دائماً كما يفعل بعض المُتَنَطِّعين فالوسطية والاعتدال هو المطلوب في الدين، فإن كثرة الحَكِّ بالسواك قد يضر الأسنان، وإذا أدى الأمر إلى الضرر فإن على الإنسان ألا يَضُر نفسه في الشرع وإلا كان مرتكباً إثماً بتعمده الإضرار بنفسه.

ومن الوقاية البعد عن الأمراض المعدية فقد قال عليه الصلاة والسلام «فِرَّ من المَجْذُوم فرارك من الأسد» وقال «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها». ومن ذلك نعرف أنه يجب أن نُحارِب تلوث البيئة، وأن نَحمي الإنسان من آثار التلوث فقد جاء في الإسلام الوقاية من التلوث بسبب الحيوانات التي تحمل الميكروبات الضارة فقال صلى الله عليه وسلم «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» فيجب إبعاد الأطفال عن مداعبة الكلاب، وأن تُبعد عن محلات أكل الناس ومطاعمهم ومشاربهم. ولا تُطعِم في الأواني المعدة لأكل الناس حتى لا تنقل الميكروبات التي يحملها لعاب الكلاب إلى الإنسان، وجاء في الحديث الشريف عن عدي بن حاتم قال «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب فقال: إذا أرسلت كلابك المعلَّمة وذكرت اسم الله فَكُل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل». ومن الوقاية أيضاً أغطية الأواني وعدم التنفس في الإناء عند الشرب وعدم البول في الماء الذي لا يجري، وقد ورد في كل ذلك أحاديث منها «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» «ولا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» «اتقوا المَلاعِن الثلاث، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظِّل»؟

قضايا طبية معاصرة في ميزان الشريعة

بعد هذه المقدمة نَعْرِض لبعض التساؤلات عن المواضيع الآتية:

1.    تنظيم الحمل لموانع وأسباب طبية.

2.    التعقيم لأسباب طبية.

3.    الإجهاض.

4.    كشف الرجل الطبيب على المرأة المريضة وبالعكس.

أولاً: تنظيم الحمل: يجوز للزوجين أن يقوما بمنع الحمل وعدم الإنجاب بالوسائل المشروعة وغير الضارة ولأسباب صحية واجتماعية إذ ليس ما يمنع أن يكون أمر الإنجاب موكولاً إلى رضاهما به ما دام الغرض مشروعاً وقد أعطاهما الشرع حرية الإقدام على الزواج أو الامتناع، كما أنه جاء في السنة إباحة العزل، فقد روى جابر أنه قال: «كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل» متفق عليه. والعزل هو منع مني الرجل من الاستقرار في رحم المرأة، وقد جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية بتاريخ «14 ربيع الأول سنة 1399هـ الموافق 11 فبراير سنة 1979م» بتوقيع المفتي فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق والذي يَشغَل اليوم منصب شيخ الأزهر أن فقهاء الشريعة الإسلامية قد أجازوا العزل وسيلة لمنع الحمل بموافقة الزوجة، فيجب أن تكون الوسيلة مِثْلاً للعزل دون ضرر وإذا كان الفقهاء القدامى لم يذكروا وسيلة أخرى فذلك لأن العزل كان هو الطريق المعروف في وقتهم ومن قبلهم في عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه وليس ثَمَّة ما يمنع قياس مِثْلِه عليه ما دام الباعث على العزل هو منع الحمل فلا ضَيْر من سريان إباحة منع الحمل بكل وسيلة حديثة تمنعه مؤقتاً دون تأثير على أصل الصلاحية للإنجاب فلا فرق إذاً بين العزل باعتباره سبباً وبين وضع حائل يمنع وصول ماء الرجل إلى داخل رحم الزوجة سواء كان هذا الحائل يصنعه الرجل أو تصنعه المرأة ولا نُفرق بين هذا وبين أي دواء يَقطع الطبيب بأنه يمنع الحمل مؤقتاً ولا يؤثر في الإنجاب مستقبلاً ومع ذلك فقد تناول الفقهاء طرقاً لمنع الحمل غير العزل وأباحوها قياساً على العزل ومن ذلك ما قاله بعض فقهاء المذهب الحنفي بأنه يجوز للمرأة أن تسد فم رحمها منعاً لوصول الماء إليه لأجل منع الحمل بشرط موافقة الزوج، ونص فقهاء المذهب الشافعي على إباحة ما يؤخر الحمل مدة، وعلى هذا يُباح استعمال الوسائل الحديثة لمنع الحمل مؤقتاً أو تأخيره مدة كاستعمال أقراص منع الحمل أو استعمال اللولب أو غير هذا من الوسائل التي يبقى معها الزوجان صالحين للإنجاب بل أن هذه الوسائل أولى من العزل لأن معها يكون الاتصال الجنسي بطريق طبيعي، أما العزل فقد كان في اللجوء إليه أضرار كثيرة للزوجين أو لأحدهما على الأقل.

ثانياً: التعقيم: أما التعقيم لأي واحد من الزوجين أو كلاهما فيحرم إذا كان يترتب عليه عدم الصلاحية للإنجاب في المستقبل، سواء كان التعقيم القاطع للإنجاب بدواء أو جراحة إلا إذا كان الزوجان أو أحدهما مصاباً بمرض موروث أو ينتقل بالوراثة مُضِرّاً بالأمة، حيث ينتقل بالعدوى وتصبح ذرية الزوجين مريضة لا يُستفاد بها، بل تكون ثِقلاً على المجتمع سيما بعد أن تقدم العلم وثبت انتقال بعض الأمراض بالوراثة، فمتى تأكد ذلك جاز تعقيم المريض بل ويجب دفعاً للضرر لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح في قواعد الشريعة الإسلامية، هذا ما استقر عليه الفقه الآن بموجب الفتاوى الرسمية الصادرة في أنحاء العالم الإسلامي.

ثالثاً: الإجهاض: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 12) ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: 151) ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 31).

هذه الآيات تدل على حرمة الإجهاض سواء كان لأسباب اقتصادية أو أسباب اجتماعية لأن الحمل قد دَبَّت فيه الحياة والإسلام يحترم الحياة الإنسانية؛ فالإجهاض لا يجوز في الشرع إلا للمحافظة على حياة الأم، إذا كان في بقاء الحمل تهديداً لحياتها، وكان الإجهاض وقتل الأولاد من عادات الجاهلية فقد كان أهل الجاهلية يتخلصون من الأولاد بسبب الفقر، أو لعدم الرغبة في الجنس وخاصة جنس الأنثى، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: 58-59).

موقف الفقهاء من الإجهاض: وقد قسم الفقهاء حياة الجنين على ثلاث مراحل:

1.    المرحلة الأولى: الأربعون الأولى.

2.    المرحلة الثانية: بعد الأربعين وقبل نفخ الروح.

3.    المرحلة الثالثة: بعد نفخ الروح أي بعد مائة وعشرين يوماً. وقد أجمع الفقهاء على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح أي بعد مائة وعشرين يوماً، أما قبل ذلك فمنهم من قال بجوازه بعذر، ومنهم من قال بجوازه مطلقاً ومنهم من قال بجوازه في الأربعين الأولى فقط، ومنهم من حرمه مطلقاً.
والأولى بالترجيح هو أن نقول إن حياة الجنين محترمة من أولها إلى آخرها، ولا يجوز الإقدام على الإجهاض إلا في حالة الخوف على حياة الأم.

فتوى دار الإفتاء المصرية حول الإجهاض للعيوب الوراثية: على أن دار الإفتاء في مصر قد أجابت عن سؤال ونصه «ثبت من الدراسات الطبية أن هناك عيوباً وراثية بعضها عيوب خطيرة لا تتلاءم مع الحياة العادية والبعض الآخر من الممكن أن تتلاءم مع الحياة العادية، وكذلك توجد عيوب من الممكن علاجها سواء طبياً أو جراحياً كما توجد عيوب لا يمكن علاجها حالياً وقد أصبح من الممكن الآن اكتشاف هذه العيوب بطرق علمية صحيحة لا يتطرق إليها الشك قبل الولادة وأثناء فترة الحمل، وهذه العيوب تُعالج في الخارج بالإجهاض، كما توجد عيوب تُوَرَّث من الأب أو الأم في الذكور فقط والإناث فقط، وكذلك تُعالَج تلك العيوب في الخارج بمعرفة نوع الجنين واختيار السليم فيها وإجهاض الجنين المعيب، فما هو حكم الشرع الإسلامي في الإجهاض في هذه الحالات؟

وتتلخص إجابة دار الإفتاء بعد أن ذكر المفتي تلخيصاً لأقوال الفقهاء قبل نفخ الروح في الجنين أي قبل مائة وعشرين يوماً، وهي أربعة أقوال: الأول: الإباحة مطلقاً وهو قول بعض الأحناف وبعض الشافعية، والثاني: الإباحة بعذر أو الكراهة عند انعدام العذر وهو قول الإمام أبي حنيفة وبعض الشافعية، والثالثة الكراهة مطلقاً وهو رأي بعض فقهاء مذهب الإمام مالك، والرابع الحرمة وهو المعتمد عند المالكية. قال: تدل أقوال فقهاء المذاهب جميعاً على أن إسقاط الجنين دون عذر بعد نفخ الروح فيه أي بعد الشهر الرابع الرحمي محظور، وقد نصوا على أنه تجب فيه عقوبة جنائية، ومقتضى هذا أن هناك إثماً وجريمة في إسقاط الجنين بعد نفخ الروح فيه وهذا حق لأن قتل إنسان وُجِدت فيه الروح الإنسانية.

الضرورة التي تبيح الإجهاض (حياة الأم): أما إذا قامت ضرورة تُحتِّم الإجهاض وإذا كانت المرأة عسرة الولادة، ورأى الأطباء المختصون أن بقاء الحمل في بطنها ضار بها فعندئذ يجوز الإجهاض بل يجب إذا كان يتوقف عليه حياة الأم عملاً بقاعدة ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، ولا مُراء في أنه إذا دار الأمر بين موت الجنين وموت أمه كان بقاؤها أولى لأنها أصله، وقد استقرت حياتها ولها حظ مستقل في الحياة، كما أن لها وعليها حقوقاً فلا يُضحَّى بالأم في سبيل جنين لم تستقل حياته ولم تتأكد، وبعد ذلك وضع تساؤلات فهل يدخل في الأعذار المبيحة للإجهاض ما يكشفه العلم بالأجنة من عيوب خَلْقية أو مرضية وراثية تُعالج بالجراحة أو لا تُعالج وقد أثبت العلم بوسائله الحديثة أنواعاً من الأمراض تنتقل من المصاب بها إلى سلالته وإنها إذا تخطت الولد ظهرت في ولد الولد أو في الذرية من بعده، فالوراثة في انتقال بعض الأمراض والطباع والصفات من الأصول والفروع والأحفاد صارت واقعاً مقطوعاً به أو على الأقل ظناً راجحاً بالاستقراء والتجارب، وإذا كان انتقال بعض الأمراض والعيوب الجسدية وراثة من الأصول للفروع على هذا الوجه من الثبوت الشرعي والعلم، فهل يجوز التعقيم نهائياً بمعنى منع الصلاحية للإنجاب لمن يثبت إصابته من الزوجين أو كليهما بمرض لا بَرَاءَ منه وكان من خصائصه وسماته الانتقال بالوراثة؟ وهل يجوز الإجهاض بمعنى إسقاط الجنين إذا اكتُشفت عيوبه الخطيرة التي لا تتلاءم مع الحياة العادية؟ وهل يجوز الإجهاض إذا كانت هذه العيوب يمكن أن يعيش بها الجنين بعد ولادته حياة عادية؟ وهل يجوز الإجهاض إذا كانت العيوب من الممكن علاجها طبياً أو جراحياً؟ أو لا يمكن علاجها حالياً؟ ثم العيوب التي تُوَرَّث من الأب أو الأم للأجنة الذكور فقط أو الإناث فقط هل يجوز الإبقاء على السليم وإجهاض المعيب؟ هنا ترى دار الإفتاء أو المفتي بالأحرى أنه قبل استكمال الجنين مائة وعشرين يوماً رحمياً يجوز الإجهاض عند الضرورة إذا لم يُمكن ابتداءً وقف الحمل بين زوجين ظهر بهما أو بأحدهما مرض أو عيب خطير وراثي يسري إلى الذرية ثم ظهر الحمل وثبت ثبوتاً قطعياً دون ريب بالوسائل العلمية والتجريبية أن بالجنين عيوباً وراثية خطيرة لا تتلاءم مع الحياة العادية وأنها تسري بالوراثة في سلالة أسرته فيجوز إسقاطه بالإجهاض ما دام لم تبلغ أيامه الرحمية مائة وعشرين يوماً.

الحالات التي لا يجوز فيها الإجهاض للعيوب: أما الأجنة المعيبة بعيوب يمكن علاجها طبياً أو جراحياً أو يمكن علاجها حالياً والعيوب التي من الممكن أن تتلاءم مع الحياة العادية هذه الحالات لا تُعتبر العيوب فيها عذراً شرعياً مبيحاً للإجهاض؛ لأنه واضح من فَرْض هذه الصورة أنها لا خطورة منها على الجنين وحياته العادية فضلاً عن احتمال ظهور علاج لها تبعاً للتطور العلمي، أما الأجنة التي ترث عيوباً من الأب أو الأم من الذكور فقط أو الإناث فقط فيجوز إسقاطها إذا ثبت أنها عيوب وراثية خطيرة مؤثرة على الحياة ما دام الجنين لم يكتمل في الرحم مدة مائة وعشرين يوماً. ومن هذا يتضح أن المعيار في جواز الإجهاض قبل استكمال الجنين مائة وعشرين يوماً هو أن يثبت علمياً وواقعياً خطورة ما به من عيوب وراثية وأن هذه العيوب تدخل في النطاق المرضي الذي لا شفاء منه وأنها تنتقل منه إلى الذرية، أما العيوب الجسدية كالعمى أو نقص إحدى اليدين أو غير هذا فإنها لا تُعتبر ذريعة مقبولة للإجهاض لا سيما مع التقدم العلمي في الوسائل التعويضية للمعوقين، وأن المعيار في جواز الإجهاض للحمل الذي تجاوزت أيامه مائة وعشرين يوماً وصار بذلك نفساً حرّم الله قتلها هو خطورة بقائه حملاً في بطن أمه على حياتها سواء في الحال أو في المآل عند الولادة كما إذا ظهر هزالها وضعفها عن احتمال تبعات الحمل حتى اكتمال وضعه وكما إذا كانت عسرة الولادة أو تكررت ولادتها بما يُسمى الآن بالعملية القيصرية وقرر الأطباء المختصون أن حياتها مُعرَّضة للخطر إذا ولدت هذا الحمل بهذه الطريقة واستمر الحمل في بطنها إلى حين اكتماله».

رابعاً: كشف الرجل الطبيب على المرأة المريضة وبالعكس: يجوز عند الحاجة اطلاع الجنس الآخر في الممارسة الطبية، وفي هذا يقول أبو يَعْلَى وهو من كبار فقهاء الحنابلة «يجوز للطبيب أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة وكذلك يجوز للمرأة أن تنظر إلى عورة الرجل عند الضرورة» انظر كتاب المغني لابن قدامة وكتاب ابن مُفلِح الحنبلي الآداب الشرعية – وفي حاشية ابن عابدين من فقهاء الحنفية – الجزء الخامس، ويَنظُر الطبيب إلى موضع مرضها بقدر الضرورة والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 

الرابط المختصر :