العنوان الأسس النفسية للتأثير الدعوي (13) تجنب التجريح والنقد الصريح
الكاتب رمضان أبو علي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-2024
مشاهدات 54
نشر في العدد 2196
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 01-أكتوبر-2024
الإسلام نهى عن التجريح ودعا إلى تجنب
النقد الصريح للأشخاص والهيئات
الداعية يتبع أسلوب الحكمة وتجنب
التجريح والنقد الصريح لتصرفات المدعوين
..ويحرص على كسب قلوب مدعويه
بالاستماع الجيد لأقوالهم والاطلاع على أفعالهم
..وتوجيه النقد إلى الأفكار والأعمال
وليس إلى الأشخاص فإن هذا يلطف من النصيحة
يحتاج التأثير الدعوي إلى بصيرة تسهم
في إدراك الواقع وفهم الواجب تجاهه، من أجل الوصول إلى الهدف وتحقيق الغاية، وإن
الدعوة الإسلامية تتطلع إلى تكوين هذه البصيرة في الدعاة، حتى يدركوا ما تنطوي
عليه نفوس الناس، وما يجب لهم من مهارات وأدوات تستطيع أن تقودهم إلى الصراط
المستقيم.
وتأتي هذه السلسلة من المقالات
الدعوية تحت عنوان «الأسس النفسية للتأثير الدعوي»، من أجل الوقوف على الركائز
النفسية التي يستند إليها الداعية ليحقق النجاح في مهمته السامية، ويأتي الأساس
الثالث عشر بعنوان «تجنب التجريح والنقد الصريح».
يقصد بـ«تجنب التجريح والنقد الصريح
التلطف في الكلام، وعدم توجيه الاتهام المباشر إلى المدعوين بارتكاب الأخطاء،
وإنما يوجه النقد بطريق التلميح إلى الأفكار والأعمال وليس إلى ذوات الأشخاص.
التأصيل الشرعي:
إن الناظر في المنهج الإسلامي يجد أنه
يحث على التلطف مع المدعوين، ويأمر بحسن توجيه الخطاب إلى الناس أجمعين، حيث قال
تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)، وقال أيضًا: ﴿وَقُل
لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (الإسراء: 53)، كما نهى الإسلام
عن التجريح، ودعا إلى تجنب النقد الصريح للأشخاص والهيئات، حيث كان القرآن الكريم
ينزل لمعالجة بعض الأخطاء، فلا يقول: أخطأ فلان في كذا، أو يا فلان افعل كذا أو لا
تفعل كذا، وإنما يخاطب عامة الناس بقوله: يا أيها الناس يا أيها الذين آمنوا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
بلغه عن الرجل الشيء يكرهه لا يقول ما بال فلان، ولكن يقول ما بال أقوام يقولون:
كذا وكذا (1)[1]،
وقد تكرر ذلك منه في جوانب الحياة الدعوية المتنوعة في العبادات والمعاملات
والأخلاق وغيرها، وفي هذا دليل على أن تجنب التجريح والنقد الصريح ركيزة دعوية
تسهم في حفظ ماء الوجوه، وعدم فضح الناس وكشفهم أمام الآخرين مما يمهد الطريق أمام
قبول الدعوة.
التوظيف النفسي:
أكدت الدراسات النفسية أن تجريح الشخص
يجعله يتحفز للدفاع عن نفسه، وأن طبيعة البشر ترفض النقد المباشر، وأن التلطف في
توجيه الكلام للآخرين يجعل النصيحة أدعى للقبول (۲)؛ لأن المنصوح يعتبر أن النقد
المباشر العنيف يعني التعدي على عاطفته ومشاعره، والاستهانة بعقليته ورجولته
والاحتقار لسلوكياته وتصرفاته، وإذا كان كل البشر يخطئون فإن الإنسان يجب أن
يتعامل مع المخطئين من حوله، كما يحب أن يتعاملوا معه باللطف واللين لا بالعنف
المهين.
التوظيف الدعوي:
يحرص الداعية على اتباع أسلوب الحكمة
في العمل الدعوي، ويظهر ذلك في تجنب التجريح والنقد الصريح لتصرفات المدعوين، حيث
إن النقد بطريق مباشر لأي إنسان مهما كانت درجة فهمه أو ثقافته يأتي بنتائج عكسية
على الداعية والمدعو وموضوع الدعوة (٣).
أما ضرره على الداعية فقد يؤدي إلى
إهانته معنويًا بالشتم أو الاستهزاء به أو الإعراض عنه أو إهانته ماديًا بالاعتداء
عليه بالضرب، أو إتلاف ماله أو غير ذلك، أما ضرر النقد المباشر على المدعوين؛
فقد يؤدي إلى إصرار المخطئ على خطئه
حفظًا لكرامته، أما ضرره على موضوع الدعوة وهو الإسلام، في عقيدته وشريعته وأخلاقه
فقد لا يهتم المدعو بهذا الإسلام، بل ربما يتطاول عليه بالسوء، ويتضح هذا في نهي
الله تعالى المؤمنين عن سب آلهة المشركين، لئلا يصر المشركون على شركهم، ويسبوا
الله عز وجل وهو موضوع الدعوة، ويسبوا الداعية وهو الرسول صلى الله عليه وسلم
وجميع المؤمنين معه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ﴾ (الأنعام: ۱۰۸)، ومنه قول
الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ
الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ
وَالدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ،
وَيَسُبُّ أُمَّهُ فيسب أمه» (٤)[2]،
ففي هذا دعوة إلى سد الذرائع ومراعاة المقاصد في الأقوال والأفعال.
والأصل في العمل الدعوي أن يتخير الداعية
عباراته، وأن يحسن في عرض دعوته بحيث يحرص على التلاحم مع مدعويه، وعدم مصادمتهم
فيما يعتقدون بشكل مباشر حتى لا يضطرهم إلى الدفاع عن أنفسهم بدافع الحمية على
موروثاتهم، ولهذا وجب عليه أن يتجنب التجريح والنقد المباشر لهم، بل يمكن له أن
يتخذ الوسائل الآتية:
أولًا: الاهتمام بعرض محاسن ما يدعو إليه
دون ذكر المساوئ المنكر الذي يفعله المدعو، وفي هذا ما يلفت نظره إلى نواحي الخير
التي يسلكها من هو مثله وعلى حاله، فإن هذا يدعوه إلى التفكير والتمييز بين ما
يقوله الداعية وما هو عليه، حتى يصل إلى الصواب بنفسه، ويسعى إلى تغيير ما هو
عليه، والتمسك بما ينبغي أن يكون من أجل تحصيل الكمال الذي تحرص عليه النفس
البشرية.
ثانيًا: حكاية قصص السابقين وعاقبة
سلوكهم، مما يثير في نفس المستمع أنه لو وافق سلوكه سلوكهم، فسيصيبه ما أصابهم.
ثالثًا: التلميح لا التصريح، فلا يصرح
بأن فلانًا يفعل كذا وكذا، وأن أهل البلد جميعًا يرتكبون المعاصي والمنكرات؛ لأن
الداعية إذا تصادم مع معتقدات مدعويه الخاطئة، وقام بتجريحها ونقدها بشكل مباشر؛
فإن النتيجة المترتبة على ذلك هي رفض ما يقدمه ومحاربته، لأنه تطاول عليهم في أعز ما
لديهم.
رابعًا: توجيه النقد إلى الأفكار
والأعمال وليس إلى ذوات الأشخاص، فإن هذا يلطف من النصيحة، ويقضي بعدم وجود خصومة
شخصية بينه وبين المدعوين، ويدل على هذا ما كان من سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله
عنه، حين خرج بعض أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بـ«صفين» فقال لهم: كفوا عن
ذلك، فقالوا: السنا محقين؟ قال: بلى، قالوا: أليسوا مبطلين؟ قال: بلى، قالوا: فلم
منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين، ولكنكم لو وصفتم مساوئ
أعمالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم، وبراءتكم
منهم اللهم أحقن دماءهم ودماءنا، وأصلح ذات بينهم وبيننا، لكان أحب إلي، وخيراً
لكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك (٥).[3]
خامسًا: حسن ترتيب القضايا والتدرج في
معالجتها؛ حيث يحرص الداعية على كسب قلوب مدعويه من خلال الاستماع الجيد لأقوالهم
والاطلاع على أفعالهم، وإبداء عدم المعارضة لذواتهم، ثم تحليل سلوكهم والثناء على
الجميل منه، حتى يأنسوا له ويستمعوا إليه، ثم يستدرجهم إلى الصواب، حتى يعلنه في
النهاية من غير تجريح أو تقريح، ويدل على هذا ما فعله سيدنا إبراهيم عليه السلام
مع قومه، فقد جاری قومه الذين يعبدون الكواكب دون مصادمة لأشخاصهم، من أجل
استدراجهم نحو قبول دعوته: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ
قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)
فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ
لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ (77)
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ
فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ (78)﴾ (الأنعام:
76- ٧٨)، إنه يحسن في عرض دعوته وترتيب موضوعه حتى يصل إلى إعلان الحق الواضح في
النهاية من غير مصادمة لقومه.
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ
زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ
فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 108).
الدليل على التأثير الناجح
تعددت المواقف الدعوية التي تدل على
التأثير الناجح لتجنب التجريح والنقد الصريح لتصرفات المدعوين، ومن ذلك ما ورد في
السنة النبوية من أن قومًا من قبيلة مضر جاؤوا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ورأى النبي ما بهم من الفقر، وتأثر لذلك، لكن الصحابة لم يبادروا إلى التصدق
عليهم مما أحزن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام ودخل بينه، ثم خرج وهم على حالهم،
فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأمر الصحابة بالصدقة لكنه لم يجرحهم ولم
يأمرهم بشكل مباشر، بل قام وخطب في الناس قائلًا: «تصدق رجل من ديناره من درهمه من
ثوبه من صاع تمره، حتى قال: «ولو بشق تمرة»، فماذا كانت النتيجة؟ قال الراوي: قام
رجل من الأنصار وجاء بصرة عجزت يده عن حملها، وقدمها للرسول صلى الله عليه وسلم،
ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله
عليه وسلم يتهلل، كأنه مُذْهَبَة (٦)[4]،
ففي هذا تأكيد على أن التلميح لا التصريح، والتوجيه لا التجريح، من شأنه أن يحقق
التأثير في المدعوين ويحملهم على القبول والاستجابة لما يطلبه الداعية.