; الأصول الشرعية للتوثيق والإشهار والإثبات | مجلة المجتمع

العنوان الأصول الشرعية للتوثيق والإشهار والإثبات

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000

مشاهدات 111

نشر في العدد 1384

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 18-يناير-2000

محاسن الشريعة في كتاب «التشريع الجنائي» (8)

 الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها موقف سلبي يفضي إلى تضييع الحقوق.

آية واحدة في سورة البقرة استنبط منها فقيهنا الشهيد عبد القادر عودة أربعة أصول «نظريات» توجب إقامة مؤسسات لتوثيق العقود والتصرفات وإشهارها من أجل تسهيل إثباتها فيما بعد عندما يقع نزاع بشأنها.

أول هذه الأصول ما توصلت إليه القوانين الوضعية- بعد ثلاثة عشر قرنًا- في عصرنا من وجوب كتابة العقود والتصرفات لإثباتها.

ولكن فقيهنا لم يكتفِ بذلك بل استنبط من هذا النص أن شريعتنا توجب علينا محو الأمية، فهو يقول إن الشريعة حين أوجبت الكتابة في الصغير والكبير جاءتنا بنظرية عظيمة ذات وجوه سياسية واجتماعية وقانونية، وهذه النظرية التي نزل بها القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي هي من أحدث النظريات في القوانين الوضعية وفي المذاهب الاجتماعية الحديثة، فالدول قد بدأت من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الحالي تفرض على شعوبها أن يتعلموا تعليمًا إجباريًا رجالًا ونساء، وهذا الذي تفرضه الدول على الشعوب الآن فرضته شريعتنا من يوم نزول القرآن الكريم.

ولكن القرآن الكريم استثنى من هذا المبدأ العام الدين التجاري وأباح إثباته بغير الكتابة من طرق الإثبات.

وأجمل ما توصل إليه فقيهنا هو إشارته إلى أن الآية قد فرضت لنا مبدأ خاصًا يعالج مشكلة عقود الإذعان التي لم تكن معروفة قط في فجر الإسلام ولكنها وجدت في العصر الحديث في العقود المطبوعة التي تعدها الإدارات الحكومية أو الشركات الاحتكارية.

وآخر هذه النظريات الأربع ما سماه تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة، والقرآن لا يكتفي بتحريم الامتناع عن أداء الشهادة بل يحرم مجرد الامتناع عن «تحملها» وهو موقف سلبي من الناحية الاجتماعية أشد خطرًا على تضامن الجماعة من الامتناع عن أداء الشهادة ممن تحملها فعلًا، وقد أفاض فقيهنا في بيان تفوق الشريعة على القوانين الوضعية في هذا الموضوع بقوله:

حرمت الشريعة على الإنسان أن يدعى للشهادة فيمتنع عنها، أو يشهد واقعة فيكتمها، أو يذكرها على غير حقيقتها، وقد نص على الحالة الأولى في آية الدين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا (البقرة: ٢٨٢).

 والمقصود إباؤهم الحضور ليشهدوا تصرفًا ما أو واقعة معينة عند نشوئها، فالنص جاء خاصًا بتحمل الشهادة وليس خاصًا بأدائها.

الحالة الثانية هي حالة الامتناع عن الشهادة ممن تحملها فعلًا وقت نشوء العقد أو التصرف الذي يدور حوله نزاع قضائي.

أما الحالة الثالثة فهي حالة من حضر فعلًا لأداء الشهادة ولكنه يدلي بأقوال غير صادقة، وهذه هي شهادة الزور التي حذر منها رسولنا أشد التحذير في حديث مشهور معروف.

وهاتان الحالتان نص القرآن عليهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُه (البقرة: ٢٨٣).

وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (النساء: ١٣٥)

 والنصان الأخيران خاصان بتحريم كتمان الشهادة أو الامتناع عن أدائها وبتحريم شهادة الزور.

والقوانين الوضعية اليوم تأخذ بنظرية الشريعة في تحريم شهادات الزور والعقاب عليها جنائيًا، وتحرم كتمان الشهادة بمعاقبة الشاهد الذي رفض مجرد الحضور لأداء الشهادة، ولكنها لم تصل بعد إلى تحريم الامتناع عن تحمل الشهادة، ولا شك أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية من هذه الوجهة، فإن المصلحة العامة تقتضي أن يستجيب الشخص إذا دعي للحضور كشاهد على واقعة أو تصرف قانوني عند وقوعه أو إنشائه، وشريعتنا تجعل الاستجابة لهذه الدعوة ضرورة تدعم التضامن الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى، وذلك بالتعاون على حفظ الحقوق وبتسهيل المعاملات بين الناس، والامتناع عن تحمل الشهادة يفضي إلى تضييع الحقوق، ويؤدي إلى تعطيل المعاملات وبطئها وخاصة أن هناك عقودًا لا بد فيها من حضور الشهود كعقد الزواج وتصرفات قانونية مهمة مثل الوقف..

الرابط المختصر :