العنوان الأقليات الإسلامية والمشكلات الثقافية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1986
مشاهدات 51
نشر في العدد 758
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 11-مارس-1986
- اللغة العربية تعد الآن رابع لغة قومية في العالم من حيث عدد المتحدثين بها.
- الذوبان الثقافي هو أشد ما نخشاه على الأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية.
- الجهود المبذولة لتعليم اللغة العربية للأقليات الإسلامية في بلاد أفريقيا لا تزال في بدايتها.
- تجمع بين الشعوب والأقليات الإسلامية قيم ثقافية مشتركة في أصولها.
- نشر اللغة العربية بين الأقليات الإسلامية من أكبر وسائل الدعوة إلى الإسلام.
يقدر عدد المسلمين في دول الأقليات الإسلامية «الكبيرة العدد» في آسيا سنة ١٩٧٨م بنحو ٤٥ مليونًا في الصين الشعبية، ۷۸ مليونًا في الهند وخمسة ملايين في الفلبين، كما يبلغون نحو ٣٥ مليونًا في الاتحاد السوفييتي.[1]
والملحوظات التي يمكن أن نخرج بها من إيراد بعض الإحصاءات منسوبة إلى مصادرها ما يلي:
۱- أن الإحصاءات تختلف فيما بينها، وأنها تتعرض لعدم الدقة أحيانًا بل والرغبة المتعمدة في تقرير ما يخالف الحقيقة.
۲- أن ما يطلق عليه تعبير الأقليات الإسلامية يشمل تكتلًا إسلاميًا بالغ الضخامة مثل الهند- الصين- الاتحاد السوفييتي، وبعض هذه الأقليات يزيد عددها على عدد السكان في معظم البلاد الإسلامية أو ذات الأغلبية الإسلامية «عدا باکستان وأندونيسيا»، وهذه الملاحظة جديرة بالاهتمام لأن الأجهزة المختلفة العاملة في خدمة الإسلام ينبغي أن تكون اهتماماتها متوازنة، وأن تحاول بكل الطرق وعبر قنوات متعددة الالتفات إلى هذه الأقليات الكبيرة العدد.
٣- أن قيام الأمة الإسلامية في مجموعها بواجب الدعوة إلى الإسلام ما زال في بدايته، وما زالت مئات الملايين من أصحاب الديانات الوضعية، والعقائد البدائية في آسيا وأفريقيا تحتاج إلى أنشطة ووسائل وجهود في الدعوة إلى الإسلام لم تتوفر بعد.
ونحاول أن نعرض للمشكلات التي تصادف الأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية، ونعرض للمشكلات الثقافية ثم لبعض صور المشكلات الاجتماعية والحياة اليومية، ونظرا لأن هذه المشكلات في صورها وحدّتها تختلف من قارة لأخرى، ومن بلد لآخر ومن نظام حكم لسواه فإننا نذكر بعض الدول غير الإسلامية كأمثلة سواء في قارة أفريقيا أو آسيا بحسب ما يسمح العرض العام وقد نتجنب ذلك قصدًا.
مشكلات الثقافة لدى الأقليات الإسلامية
لا شك أن العالم الإسلامي اليوم ومنذ قرون عديدة يتألف من شعوب عديدة تختلف في بيئاتها وقومياتها وثقافاتها مع تعدد درجات التحضر والبناء الاجتماعي، ولكن الذي يجمع بين هذه الشعوب كلها هو الإيمان الصادق بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والرغبة الدائمة في التآخي والتعاون مع قيام مثل عليا مشتركة تستند إلى بناء أخلاقي واحد وكامل أتمه الإسلام.
ومن ناحية أخرى تجمع بين هذه الشعوب والأقليات الإسلامية الكبيرة العدد- كما في الاتحاد السوفييتي والصين والهند وبعض أقطار أفريقيا- قيم ثقافية مشتركة في أصولها، أهمها في نظرنا الإيمان العميق بالعلم والعقل والامتزاج بين المعقول والمنقول، ذلك أن ثقافة المسلم يشكلها في أول الأمر كتاب دنياه وآخرته وهو القرآن الكريم وإلى جانبه السنة النبوية، ثم ينكشف أمام العقل المسلم بتفكره وتدبره في المنقول اتفاقه مع المعقول، ومن الواجب أن تكون اللغة العربية محل الاهتمام البالغ لدى الأقليات الإسلامية في العالم، إذ هي مفتاح الثقافة التي أسلفنا ذكر بعض مميزاتها، وفقدان اللغة العربية في أي مجتمع مسلم معناه الاكتفاء بالأساس الإسلامي دون اكتمال البناء الثقافي المتميز لهذه الأقلية الإسلامية، وتظهر أصول هذه الثقافة في أن الاقليات الإسلامية الكبيرة العدد في البلاد غير الإسلامية ساهمت بالعطاء الثقافي الإسلامي، في فترات طويلة من التاريخ الإسلامي «كما في الهند وبعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي»، والحالية مثل «بخاری وطشقند وسمرقند».
والاختلاف الثقافي الذي يظهر اليوم بين الشعوب الإسلامية وبين الأقليات الإسلامية التي تعيش في دول غير إسلامية سببه الأساسي اختلاف اللغة، أو على وجه أصح افتقاد اللغة العربية منذ زمن طويل، ومتى اختلفت اللغة وهي وعاء الفكر انفصل العقل والفكر الذي تعيش به هذه الأقليات عن العقل والفكر الإسلامي في المصادر الثقافية، ولذلك خطره على العقيدة ذاتها فضلًا عن خطره المحقق والمشاهد على الثقافة الإسلامية في تلك البلاد، ونعني بالثقافة الإسلامية على وجه التحديد البناء الفكري المتكامل الذي شيده الإسلام للنظر في الكون والحياة، فهذا النظر يتميز عن الثقافات الأخرى التي لا ترتبط بأية حقائق ثابتة عند النظر في الكون أو الحياة.
وهنا تبدو مشكلة الأقليات الإسلامية التي تعيش في بلاد غير إسلامية، لها ثقافتها المتأصلة والمختلفة اختلافًا أساسيًّا عن الثقافة الإسلامية، فالنظر إلى الكون والحياة من منظور إسلامي يختلف تمامًا عن النظر إليهما بعيدًا عن الإسلام؛ ولذلك فسوف يظل الخطر قائمًا على أجيال المسلمين في البلاد غير الإسلامية، الذين يتلقون تعليمهم وهم صغار وثقافتهم وهم كبار في جميع المجالات طبقًا لنظرة بعيدة عن الإسلام، ولا يصح أن نسارع بالغضب حين نكتشف- كما يحدث أحيانًا في تجارب عملية- أن شابًّا مسلمًا في تلك الأقليات يؤمن بالماركسية أو يعزل الدين عن الدولة، أو عن المجتمع أو يعتبر أن الربا نظام طبيعي في المعاملات، أو يحاول تعليل التخلف في بعض الدول الإسلامية بأنه ناشئ عن النظرة الإسلامية للكون والحياة، وبديهي أن مثل ذلك الشخص يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويعرف أركان الإسلام وعباداته، ولكنه قد تشكل ثقافيًّا بعيدًا عن الإسلام، وما يحتاجه على وجه التحديد هو الثقافة الإسلامية، التي تعينه على نقد أو حتى نقض ما يتلقاه من ثقافة بمختلف وسائلها، كالكتاب والإذاعة المسموعة والمرئية والصحف وسائر أجهزة الإعلام، وهي كلها بعيدة في أهدافها عن الإسلام، والخطر يأتي متجددًا وبصورة أشد عندما تتوالى الأجيال، ولا يلحق هذا الخطر الأقليات الإسلامية ذاتها من أهل البلاد بل يلحق الجيل الثاني والثالث من المسلمين المهاجرين إلى تلك البلاد في فترة وجيزة، بينما كان الجيل الأول منهم عربي اللسان، فحيث تقل العربية في الجيل الثاني وتضمحل في الجيل الثالث يبدأ الجيل الخطير بأحكام الإسلام الأساسية، ويبدأ ذوبان تلك الأقلية ثقافيًّا في ثقافة مختلفة الأصول والأهداف.
نشر اللغة العربية
يعتبر نشر اللغة العربية بين الأقليات الإسلامية من أكبر وسائل الدعوة إلى الإسلام، فالعلاقة بين اللغة العربية والإسلام لا تحتاج إلى بيان، ولكنها تبدو بالنسبة للأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية وسيلة هامة للاحتفاظ بكيانها الإسلامي، ووسيلة لوقف تدهور الأصالة الثقافية للمسلمين في هذه البلاد.
فاللغة العربية تعد الآن رابع لغة قومية في العالم من حيث عدد المتحدثين بها كما يقرر أحد الباحثين[2]، إذ يتحدث بها نحو ١٥٠ مليونًا «بعد اللغة الصينية والإنجليزية والأسبانية»، غير أن الإنجليزية مثلًا تعد لغة ثانية في كثير من البلاد؛ مما يزيد عدد المتحدثين بها إلى نحو ۸۰۰ مليون أيضًا».
وتعد اللغة العربية واسعة الانتشار في أفريقيا فضلًا عن أن اللغات الأخرى القائمة كالسواحيلية والهوساوية بها مفردات عربية كثيرة تصل إلى ٤٠ % منها، وكذلك لغة الولف والفلاني وهناك لغات أخرى تشكل المفردات العربية أجزاء كبيرة منها، ويرجع أن تعمد تقوية اللغات المحلية في أفريقيا بسبب الاستعمار هو الذي أدى إلى انحسار اللغة العربية، وكان ذلك غرضًا مقصودًا.
ولكن الجهود المبذولة لتعليم اللغة العربية للأقليات الإسلامية في بلاد أفريقيا لا تزال في بدايتها، وتواجه صعوبات عديدة من حيث قلة الإمكانيات المادية، فضلًا عن انعدام التخطيط المدروس الذي يمكن أن يستمر تنفيذه عشرات السنين، والذي يمكن أن تقوم به جهات إسلامية عديدة في العالم الإسلامي، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، ومن أجمل ما يقوله المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد: «فإن زوال اللغة العربية يبقى للعربي أو للمسلم قوامًا يميزه في سائر الأقوام ولا يعصمه أن يذوب في غمار الأمم فلا تبقى له باقية من بيان ولا معرفة ولا إيمان»[3].
وهذا الذوبان الثقافي هو أشد ما نخشاه على الأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية، لا سيما تلك البلاد التي تتأصل ثقافتها المخالفة للإسلام مخالفة كاملة عبر قرون طويلة «كالدول الأوروبية»،[4] وتلك التي تفرض تصورًا معينًا للحياة وتوجه ثقافة أبنائها نحوه بكل الطرق «كالدول الشيوعية»، وفي هذه الحالة تكون الأقليات الإسلامية فيها معرضة- مع فقد اللغة العربية- إلى الذوبان الكامل ثقافيًّا، مما يمهد- كما يقول العقاد رحمه الله- إلى ضياع البيان والمعرفة والإيمان.
إنه إذا أريد المحافظة على الأقليات الإسلامية في البلاد غير الإسلامية وتنميتها دينيًّا وثقافيًّا، فلا بد من المحافظة على نشر اللغة العربية بين هذه الأقليات، ومن الغريب أن اللغة العربية استطاعت ذلك في فترة ظهور الإسلام وانتشاره السريع، فقد حلت تلك اللغة الكريمة محل لغات الأغلبية، وأزالت في فترة قصيرة نسبيًّا لغة اليونان بردها إلى أهلها،[5] ثم تضاءلت إلى جانبها لغات أخرى مثل الآرامية والسريانية والقبطية، وأصبحت لغات تاريخية إن صح هذا التعبير.
- دكتور عبد الرحمن زكي: المسلمون في العالم اليوم ج ٤، آسيا الإسلامية، القاهرة، ص 59، 69.
- دكتور مجاهد مصطفى بهجت: دراسات إسلامية وعربية، العدد الثاني، بغداد سنة ١٩٨٢م.
- عباس محمود العقاد: في مقاله «أشتات مجتمعات في اللغة والأدب».
- فلا يخفى أن بلاد أوروبا ترجع ثقافتها في الكثير منها إلى الثقافة الإغريقية أو الرومانية وكلاهما ثقافة قديمة وأصيلة، ويمكن أن تترسخ أصولها المخالفة للإسلام عبر أجيال عديدة في هذه الأقليات.
- دكتور السيد يعقوب بكر: دراسات في فقه اللغة العربية ص ۱۸، ۱۹.