العنوان الأقمار الصناعية سلاح الغرب السري ضد المسلمين
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995
مشاهدات 57
نشر في العدد 1145
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-أبريل-1995
تحليل
لندن:
* ماليز روثفن: الإعلام الغربي من خلال الأقمار الصناعية والأطباق الهوائية أخطر على المسلمين من الاحتلال العسكري.
لست من أنصار التصديق المطلق بنظرية التضاد المباشر بين الإسلام والغرب، ذلك أن مصطلح «الغرب» يحتاج إلى تحديد أكثر، وهو محاولة اختزال مفهوم معقد في لفظ واحد، فضلًا عن أنه أمر مضلل، ومحاولة مجحفة في حق منهجية البحث والتحليل.
صحيح أن المعنى الشائع للغرب في أدبياتنا الإسلامية ينحصر في توصيف مؤسساته السياسية، أو منظومته الفكرية والفلسفية بدلًا من الأخذ في الاعتبار جوانبه الحياتية الأخرى، إلا أن مشكلة المصطلح تظل قائمة، خاصة وأن الذين يحبذون استخدامه من الإسلاميين في خطابهم الفكري أو الدعوي، يقعون من حيث لا يشعرون في فخ «غربي» منصوب من أجل تعميق حالة التبعية لجهة جغرافية وثقافية معينة، تتخذ من أسباب وجودها مركزًا للكون، وما سواها يتحول بعد ذلك إلى شمال وجنوب، أو «شرق أوسط».
مسؤولية الغرب عن التطرف
وقد يكون الغرب مسؤولًا عن تعزيز «نمطية» الغرب السياسي- الصليبي- المتآمر ..إلخ، ذلك أن «الحرب» غير الشريفة التي تخوضها أجهزة إعلامه تستفز المشاعر، إلى درجة تدفعها إلى حالات من التطرف البغيض في التعبير عن الاستياء، والغرب مسؤول بلا شك عن معظم حالات التطرف هذه، إما من خلال دعمه لأنظمة هي الأخرى متطرفة في علمانيتها، ونية استئصالها للوجود الإسلامي، أو من خلال تشويه واقع الصحوة الإسلامية، بل واقع الإسلام تحت باب «الموضوعية».
فبالنسبة للحالة الثانية «حالة التشويه» سيصاب الباحث المنصف بالعجز لو أنه حاول حصر المقالات، أو البرامج الإذاعية والتليفزيونية التي تنتقص من حقيقة الإسلام، ذلك أنه ما من يوم يمر إلا وهناك همز ولمز مباشر أو غير مباشر بالإسلام، أمام واجهة «الأصولية»، و«التطرف»، و«الإرهاب».. إلخ.
وفيما يلي تطوافة سريعة على أهم المواقف التي تبنتها بعض الصحف البريطانية في الفترة الأخيرة، ونظرة عامة إلى بعض جوانبها في محاولة متواضعة- ولكن جادة- لاستشراف مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب بالمعنى التقليدي الشائع لمصطلح «الغرب».
تعقب الإسلاميين هل يتحول إلى سياسة أوروبية موحدة؟!
حادثة اختطاف الطائرة الفرنسية في مطار «هواري بومدين» على أيدى أربعة من الجزائريين، ومقتلهم فيما بعد من قبل السلطات الفرنسية، أطلع الغرب على الوجه «السلبي» للغلو من ناحية، ووفر لأجهزة الإعلام مادة دسمة استثمرتها بشكل ذكي لتشوية صور الإسلام والمسلمين، بل يصح القول بأن «الحادثة» أتاحت فرصة أخرى لتطبيق المزيد من السياسات المتعسفة في حق الجاليات الإسلامية في أوروبا، وصار هناك اعتقاد- له ما يبرره- بأن الفروقات بين السياسة الفرنسية تجاه الإسلاميين وبين مثيلاتها في لندن أو بون، مجرد فروقات فنية في الوسائل، وإن المسألة مسألة وقت قبل أن تذوب هذه الاختلافات، وتصبح هناك سياسة أوروبية أمنية موحدة في مواجهة «المد الأصولي»- على حد وصفهم- ففي الأول من شهر يناير ۱۹۹٥، نشرت صحيفة «الصنداي تايمز» نقلًا عن مصادر أمنية بريطانية مقالًا جاء فيه أن أجهزة المخابرات البريطانية «MI5» قد بدأت في رصد مراكز تجمع الجالية الجزائرية في لندن، ورصد تحركات الناشطين فيها في جمع التبرعات وتوزيع المنشورات.
سبقت هذه السياسة الأمنية سياسة أخرى مماثلة في حق المؤسسات الإسلامية «الخيرية» والإعلامية المتعاطفة مع حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وكان هذا في سياق إطلاق بالونات الاختبار، وجس النبض لبقية قطاعات الجالية الإسلامية، ومدى قابليتها لتقبل سياسات أخرى غير مبررة.
الإندبندنت: الإسلام والتطرف وجهان لعملة واحدة!
من جانب آخر نشرت صحيفة أخرى «متزنة» كالإندبندنت في عددها الصادر بتاريخ 6يناير 1995 مقالًا تحذر فيه من «إنه من الخطأ الفادح على الغرب أن يفرق في تعاملاته بين الإسلام كدين، وبين التطرف كظاهرة، فكلاهما وجهان لعملة واحدة.. أو بين الإسلام المعتدل والآخر المتشدد، فالحقيقة هي أنهم يقفون جميعًا في مربع واحد هو: التوسع على حساب إفناء الآخرين.. والآخرون هنا هم نحن الغرب!»... مثل هذا التحذير له مدلوله، فهو يمثل صوتًا مسموعًا «بل ومتطرفًا» ينادي بمحاولة «الحرب» بدلًا من السلام، وبالتصادم عوضًا عن التعاون والتعارف، وهذا مرة أخرى يعزز عن النمطية الإسلامية من أنه داخل المنظومة الغربية نفسها هناك تطرف علماني استئصالي بغيض، بل وفي بعض الأحيان إرهاب فكري مقصود.
حرب النجوم بين أمريكا والاتحاد السوفييتي هل تتحول إلى حرب الأطباق الهوائية بين الإسلام والغرب؟!
في عددها الصادر بتاريخ يناير ١٩٩٥ كتب «ماليز روثفن» صاحب كتاب «الإسلام في العالم» مقالة المطول في صحيفة «الصنداي تايمز» عن «سلاح الغرب السري ضد الإسلام»، والحاسم لمعركة الصدام بين الغرب والإسلام، وهذا السلاح- ليس سلاح الديابات كما كان في الماضي- وإنما هو سلاح الفضاء والأقمار الصناعية.
يستعرض «روثفن» في بداية مقاله نظرية بروفيسور الدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة «صموئيل هتنجتون» في حتمية صدام الحضارات، ومنها صدام الحضارة الإسلامية بالأخرى الغربية، مشيرًا- أي روثفن- إلى أن ما يحدث حاليًا في الشيشان والبوسنة والجزائر، إضافة إلى فلسطين وكشمير، قد يمثل أحد بوادر هذا الصدام، ويعدد بعض الإشارات المغلوطة «المقصودة أو الناجمة عن الجهل» عن طبيعة الإسلام، يتحدث «روثفن» عن تأثير الإعلام الغربي «من خلال الأقمار الصناعية والأطباق الهوائية» على العالم الإسلامي، ومن أن هذ التأثير- سلبيًا كان أم إيجابيًا- سيحسم معركة صراع الحضارات التي تكلم عنها هتنجنون لصالح الغرب، لأنه يكون «استعمارًا» أشد خطورة من وجود العسكر وآلياته الحربية، ويضرب «روثفن» أمثلة على ذلك. «فهناك ما يزيد على ۱۰۰ ألف طبق هوائي في الجزائر تتلقى برامج مختلفة من إيطاليا وألمانيا وهولندا .. ويضيف بعض التجار في دبي بأن ما يربو على ۱۰ آلاف طبق هوائي يدخل إيران شهريًا «كتب هذا المقال قبل منع إيران استيراد الأطباق الهوائية»، ويشير أيضًا إلى تحديدات التطور التكنولوجي في مجال البث الفضائي.. حتى ولو وصل الإسلاميون إلى السلطة، فهل سينجحون حقًّا في منع انتشار الأطباق الهوائية؟ إن حجم هذه الأجهزة يتضاءل بدرجة تجعلها سهلة التهريب والإخفاء، بل هناك محاولات قائمة لتطوير التليفزيون في قوة استقباله لموجات البث المختلفة في العالم، «فيصبح كالراديو» دون الحاجة إلى «الكيبل»، وبالتالي دون تدخل حكومي، ويضيف «روثفن».. هناك خيار آخر ينادي به بعض الإسلاميين، وهو توفير البديل الإعلامي من خلال إنشاء قنوات فضائية إسلامية، ولكن «هل يأمل أولئك الإسلاميون مضاهاة التعقيدات التكنولوجية لمحطات البث المعروفة كالـ BCC والـ CNN؟ بل حتى لو نجح البديل الإسلامي، فإن «روثفن» يعتقد بأن الإسلاميين سيضطرون إلى استخدام مفاهيم وقيم «غربية» لتسويق برامجهم الإعلامية المنشودة.
ثم يقول: «أما بالنسبة للمستقبل القريب، يبدو أن الغرب يتحكم الآن في موجات بث أفكاره إلى جميع أنحاء العالم، وهذا من شأنه أن يحسم معركة «الصراع» الغربي- الإسلامي لصالح الغرب.
اتصلت من جانبي «بماليز روثفن» لأتعرف أكثر على نظريته، فقال لي: أنا أعتقد بأن العالم سيشهد صدامًا حضاريًّا بين الإسلام والغرب.... ولكن ليس على الأرض هذه المرة، وإنما في الفضاء .. والمسلمون إذا حاولوا منع الغزو الإعلامي فسيفشلون، وتحدث «روثفن»، عن الدراسات التي أجراها على بعض محطات التليفزيون الأمريكية التابعة للأصوليين الأمريكان والمناهضين لعلمانية الغرب وإباحيته، «فوجدت أنهم يستخدمون في برامجهم التبشيرية أو الاصلاحية ذات القيم الغربية العلمانية التي يحاربونها، زاعمًا بأن الإسلاميين اليوم لن يقيموا محطات فضائية مكافئة للغرب دون الاستعانة بمفاهيم الغرب الإعلامية، فضلًا عن تكنولوجيتهم، وإشارة «روثفن» هنا إلى صعوبة فصل «التكنولوجيا» عن «الأيديولوجيا»، وأضاف باختصار: «نعم سيكون هناك صدام حضاري، ولكنه لن يكون عسكريًا، أو فكريًا بالضرورة، ولكنه إعلامي بالدرجة الأولى....».
وأخيرًا فإذا كان «روثفن» قد استثنى العنصر الفكري من محاولة الصراع، ربما لعلمه بأنه لو تم من هذا الجانب، فسيحسم المعركة لصالح الحضارة الإسلامية كما حسمتها من قبل مع الصليبين في الأندلس، أو التتار في بغداد، وإذا كان لا يفصل بين الفكر والآلة، فالتحدي لا يزال قائمًا أمام الإسلاميين لتطوير تكنولوجيا الإعلام بما يتوافق مع أيديولوجيا المفاهيم، والانتقال من مجرد التنظير للقيم الإعلامية كالصدق والموضوعية.. إلخ، إلى مرحلة تطبيق هذه القيم إلى برامج ذات أبعاد معقدة، تتناسب ومتطلبات عصر الأقمار الصناعية.